صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

كيف ترسم استراتيجية دبي الصناعية ملامح الاقتصاد المتنوع في دبي؟

مروان عبد العزيز الجناحي*

مروان عبد العزيز الجناحي*

دخلت استراتيجية دبي الصناعية 2030 مرحلة التنفيذ منذ بداية العام الحالي، وسط تطلعات بأن توفر 27 ألف فرصة عمل في القطاع الصناعي بحلول عام 2030. وفي وقت سابق من الشهر الجاري، قدم المجلس التنفيذي لإمارة دبي إحاطة حول ما تم إحرازه من تقدم في تنفيذ الاستراتيجية.
وإذ ندخل الربع الأخير من عام 2017، تتمثل بعض الإنجازات الرئيسة التي تحققت حتى الآن في إطلاق خدمة سكيفارما من قبل الإمارات للشحن الجوي، وهي منشأة مخصصة للشحنات الصيدلانية في مطار دبي الدولي؛ وقيام شركة يونيليفر باستثمار أكثر من مليار درهم في افتتاح أكبر مصنع لمنتجات العناية الشخصية في المنطقة ضمن مجمع دبي الصناعي؛ والكشف عن المخطط الخاص بمجمع دبي للأغذية، الذي سيوفر مجموعة كاملة من خدمات تجارة الجملة لقطاع الأغذية.
إن هذه الإنجازات جميعاً تسهم في تحقيق الهدف الأساس الأشمل لحكومة دبي بجعل دبي «مركزاً دولياً للابتكار القائم على المعرفة والأنشطة الصناعية المستدامة». وللمساعدة على تحقيق ذلك، تستهدف الاستراتيجية ستة قطاعات صناعية، هي الطيران، والسفن البحرية، والصناعات الدوائية والمعدات الطبية، والمعادن المصنعة، والسلع الاستهلاكية سريعة التداول، والآلات والمعدات.
إن ما سبق يمثل بلا شك نموذجاً مثالياً للاستراتيجيات الصناعية؛ الحكومة تتولى توجيه دفة الاستراتيجية وتحديد القطاعات الاقتصادية التي تعتقد أنها ستحقق أهدافها المنشودة.
يعتقد الكثيرون في العالم الغربي بأن الشركات هي الحامل الرئيس لجميع أنشطة الأعمال، وقد حقق هذا الاعتقاد نجاحاً كبيراً في دعم ورعاية المبتكرين، إلا أن الحكومات لها أيضاً دور أساسي يتجلى من خلال الاستراتيجية الصناعية. إن ما شهدناه في العقود الأخيرة، خاصة في ما يتعلق بمجمعات مثل مجمع دبي للعلوم، يظهر أن الصيغة الأفضل تتمثل في أن تقوم الحكومة بتوفير الرؤية والإطار العام، ثم تفسح المجال أمام الشركات لكي تتولى الجانب التنفيذي.
إن هذه الصيغة مطبقة فعلياً بطرق متعددة. ولنأخذ السويد على سبيل المثال، حيث عدت مؤخراً من رحلة زرت خلالها فعالية «علوم الحياة في بلدان الشمال الأوروبي» التي استضافتها مدينة مالمو. وكانت مدينتا مالمو ولوند قد شهدتا صعوبات كبيرة طوال فترة الثمانينيات في ما يتعلق بالصناعات التقليدية مثل بناء السفن، وهو ما دفع حاكم المقاطعة نيلس هورجيل إلى طرح مفهوم جديد يقوم على تحديد قطاعين أساسيين ليكونا الركائز المستقبلية للاقتصاد المحلي، وهما الكمبيوتر والإلكترونيات، والكيمياء والتكنولوجيا الحيوية.
وقد بدأ نيلس هذه العملية باستقطاب الأكاديميين وقادة الأعمال إلى أول مجمع علمي في البلاد أُطلق عليه اسم إيديون Ideon، ثم عمل مع قادة الأعمال لتحديد مجال التركيز الرئيس للمجمع. وقد اختار خبراء الأعمال مجال الهواتف المتحركة، وشركة إريكسون التي احتلت مساحة في المجمع وبدأت بتوظيف مجموعة من المهندسين.
وقد أصبحت إريكسون آنذاك شركة رائدة في مجال الهواتف المتحركة، لكنها فقدت ميزتها التنافسية في ما بعد. بدوره أثبت مجمع إيديون العلمي مرونته وهو يركز حالياً على مجال التكنولوجيا الحيوية.
تشكل كوريا الجنوبية مثالاً آخر في هذا السياق. ففي أعقاب الحرب الكورية، وسعياً منها إلى إعادة بناء اقتصادها، اختارت الحكومة الكورية التركيز على صناعات استراتيجية رئيسة لتحقيق النمو، حيث حرصت على الارتقاء في سلسلة القيمة بدءاً من صناعة النسيج وحتى الوصول إلى الصناعات التكنولوجية المتطورة. وقد تعاونت الحكومة مع شركات كبيرة ومعروفة مثل سامسونج وهيونداي لمساعدتها على تحقيق هذه الأهداف.
ووصف جيونغ سونغ وكيونغموك لي في كتابهما «طريقة سامسونج» كيف نجح هذا الأسلوب. فقد أشار الكاتبان إلى أن سامسونج بدأت «كتاجر وموزع للخضروات والأطعمة البحرية المجففة، وغيرها من السلع والمنتجات».
وقد نمت طموحات الشركة إلى جانب طموحات الحكومة الكورية بعد فترة قصيرة، إذ يقول الكاتبان في كتابهما: «إنه منذ منتصف الخمسينيات إلى أواخر الستينيات من القرن الماضي، «نمت سامسونج لتصبح شركة كبيرة بفضل دعم سياسة الحكومة الكورية لتعزيز الصادرات، وإيجاد بديل للواردات».
واستمرت هذه المنهجية خلال العقد التالي، حيث يقول المؤلفان: «عندما حولت الحكومة تركيزها إلى الصناعات الثقيلة والكيماويات في عام 1973، توسعت سامسونج للعمل في قطاعات البتروكيماويات والإنشاءات وبناء السفن».
وحتى في الولايات المتحدة التي تنظر إلى السوق الحرة كمبدأ جوهري، فقد كان للحكومة دور فعال في اختيار الفائزين من خلال استثماراتها الكبيرة في الأبحاث والتطوير. وكما قالت الخبيرة الاقتصادية ماريانا مازوكاتو من جامعة ساسيكس لصحيفة الفاينانشال تايمز العام الماضي: «إن أغلب التقنيات التي تجعل من جهاز الآيفون ذكياً تم تمويلها من قبل الحكومة».
إن استراتيجية دبي الصناعية تتميز بدور أكبر للحكومة مقارنة بالدور التقليدي للحكومة في المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما مدى نجاح هذه المنهجية؟ لا شك في أنكم تستطيعون الحكم على ذلك عندما تقودون سياراتكم في شارع الشيخ زايد وترون الأبراج الشامخة على جانبي الطريق في وقت لم تكن هذه الأبراج موجودة منذ أربعين سنة فقط. أما الجزر الضخمة المنتشرة على مياه الخليج فهي شاهد عيان على مدى التطور الهائل خلال هذه الفترة الزمنية. ولا يخفى على أحد التوسع المطرد لشركات الطيران المحلية التي تنطلق من سمائنا لتجوب بلاد العالم أجمع.

* المدير التنفيذي لمجمع دبي للعلوم