صحيفة الاتحاد

دنيا

«خجل الأطفال» سلوك سلبي.. والحياء إيجابي

خورشيد خرفوش (القاهرة)

يجمع خبراء التربية على أن الخجل سمة شخصية سلبية لشخصية الطفل وتؤدي بالضرورة إلى نتائج غير مرضية تنعكس سلباً على الفرد نفسه والمجتمع معاً. وهي مشكلة يجب على الوالدين والمربين مواجهتها وتداركها في وقت مبكر. وحسب الدراسات فإن الكثير من الأطفال يشبون منطوين على أنفسهم خجولين يعتمدون اعتماداً كاملاً على والديهم ويلتصقون بهم، مما يجعلهم يتعثرون في مواجهة الحياة بتعقداتها منفردين ويظهر ذلك بوضوح عند التحاقهم بالمدرسة. وغالباً ما نرى الأطفال الخجولين يتجنبون غيرهم أو يخافون الاقتراب منهم بسهولة، وكأنهم غير واثقين من أنفسهم. ويبدون أكثر تحفظاً وتردداً في تفاعلهم مع الغرباء، وأقل استعداداً للمبادرة في التواصل مع الآخرين.

صفات
الدكتورة شيرين الدماطي، أستاذ أصول التربية وعلم النفس، تلفت إلى أهمية التفريق بين الخجل كصفة سلبية والحياء كسمة إيجابية. فالحياء ينطوى على مضامين أخلاقية وتربوية ودينية حميدة وإيجابية، على خلاف الخجل الذي يعتبر خلل في تكوين الشخصية، وهو عادة ما يظهر لدى الطفل في بدايات دخوله وسطاً اجتماعياً جديداً في سن الخامسة أو السادسة من عمره، ونرى الأطفال من هذه الفئة الخجولة أقل انطلاقاً أو ميلاً للتفاعل أو التواصل أو حتى الحديث مع غيرهم، في الوقت الذي يستمتعون فيه بألعابهم ونشاطاتهم الفردية، أو نجدهم أكثر ميلاً للتجنب والانسحاب من المواقف التي تتطلب تفاعلاً وتجاوباً ونشاطاً مع الآخرين ولو كانوا من نفس الفئة العمرية في وجود الكبار.
وقالت: غالباً ما تتسم سلوكياتهم بالتردد والحذر الكبيرين مقارنة بالطفل الطبيعي أو الأكثر جرأة، كما أنهم في الغالب تعوزهم المهارات الاجتماعية، ولا يبدون اهتماماً بغيرهم، ولا يظهرون تعاطفاً أو اعتباراً للغير مما يحول دون أن يرى الآخرين الصفات الجيدة لديهم. ولا يجب أن نهمل تأثير النموذج الخجل من الآباء أو الأمهات الذين تتسم شخصياتهم الخجلة على كل أساليبهم في التنشئة الاجتماعية وما تتصف به من المبالغة في الحذر والحرص والخوف والتردد، وعدم الميل الاجتماعي، وقلة التواصل المجتمعي مع الأهل أو الأقارب أو الجيران أو زملاء العمل، والعزوف عنها.

الأسباب
وتوضح الدكتورة شيرين.. أسباب الخجل عند الأطفال بأن الأطفال غير الآمنين لا يشعرون بالطمأنينة الكافية لكي يغامروا بتعريض أنفسهم للآخرين، إذ تعوزهم الثقة بالذات والاعتماد عليها. العنف والانتقاد المتكرر يؤديان لانعدام الثقة في النفس وفقدان الحافز كما يخيفهم الدخول في مغامرات اجتماعية جريئة، لأنهم مشغولون بمحاولة الشعور بالأمن وتجنب الإحراج مما يجعلهم أقل وعياً بما يدور حولهم، ومن ثم يفتقدون الكثير من فرص تنمية دائرة صداقاتهم الجديدة وتنمية مهاراتهم الاجتماعية.
. الأطفال الذين يتمتعون بحماية والدية زائدة ومبالغ فيها يكونوا اعتماديين وغير فاعلين بسبب قلة الفرص المحدودة المتاحة لهم للمغامرة، ويصبحون هادئين وسلبيين وخجولين، وهذا الاتجاه في التنشئة يؤدي غالباً إلى الجبن والخجل وطفولية التصرف لأنهم لم يكتسبوا خبرة التفاعل مع البيئة المحيطة.
. عادة ما نرى أن الآباء الخوافين أكثر حرصاً بشكل زائد على حماية أطفالهم. كما يؤدى هذا الحرص أن يبتعد الطفل الخجول عن التعامل مع الأشياء إلا إذا سارت على هواهم، ولذلك فهم لا يستطيعون التفاوض أو الأخذ والعطاء في علاقاتهم مع الآخرين. كما يظهر بعض الآباء بشكل واضح نقصاً في الاهتمام بأطفالهم، مما يعطل فرص الأطفال في تنمية استقلالهم بسبب الخوف والحرمان وانعدام الثقة بالنفس».

الإهانة والنقد
وتشدد الدكتورة الدماطي على أسلوب التربية وتأثيره على شخصية الطفل. فالأطفال الذين لا ينالون سوى العنف والقسوة والنقد والإهانة واللوم على كل تصرف أو سلوك دون تعديل أو توجيه أو تصحيح إيجابي، أو اتباع لغة التهديد والوعيد، عادة نراهم أطفالاً جبناء خجولين لانعدام الثقة في النفس لانعدام التشجيع والتحفيز. كما يلجأ بعض الآباء إلى أسلوب الإغاظة والسخرية والتهكم على أي تصرف للطفل، مما يفرز أطفالاً مهزوزين متوترين مع نقص شديد في الثقة بالذات ومن ثم يكون الجبن والخجل نتيجة طبيعية.
ومن جانب آخر نرى أساليب تربية والدية تتسم بعدم الثبات، وتتأرجح بين الشدة والتساهل المفرط، مما يضع الطفل في حيرة وتضارب وشكوك، وبالتالي تقل استعداداته نحو المبادرة لأنه لا يضمن شكل وأسلوب ردة الفعل من قبل والديه بالرفض أو القبول. ونراه أكثر تردداً وخجلًا.
وأشارت إلى أن الإفراط في التدليل يكرس الاعتمادية الزائدة، ويفقد الطفل فرص الاعتماد على نفسه، وهذا نراه كثيراً في سنوات الدراسة الأولى للطفل، الذي يمعن في الاعتماد على معلمته، أو والدته في كل الواجبات المدرسية أو حتى في المشاركة في الأنشطة اليومية. فالطفل الخجول غالباً ما يتعرض لمتاعب كثيرة عند دخوله المدرسة تبدأ بالتهتهة وتردده في طرح الأسئلة داخل الصف، أو في إقامة حوار أو تفاعل مع رفاقه والمدرسين، وغالباً ما يكون تجنبياً ومنعزلاً أومنزوياً بعيداً عن رفاقه وألعابهم ونشاطاتهم.

الوقاية والعلاج
وخلصت أساليب الوقاية والعلاج من خجل الأطفال في تدارك كل الأسباب المذكورة. وفي مقدمتها أساليب التنشئة الاجتماعية من جانبيها الأكثر أهمية وهما نموذج الأبوين، من جانب، وأسلوبهما في التعامل مع الطفل من جانب آخر. وضرورة التوازن والإيجابية في التفاعل الاجتماعي مما يتيح للطفل فرص تنمية مهاراته الاجتماعية وصقلها. أما في محيط الأسرة فعليهما التخلي تماماً عن أساليب النهر والزجر والتخويف والتهديد والعنف والقسوة في التعامل مع الطفل، وإحلال لغة التشجيع والتحفيز والحوار والنصح الهادئ، والتوجيه المتزن بعيداً عن التخويف والتهويل والمبالغة. وتشجيع الطفل على أي عمل أو نشاط من شأنه أن ينمى مهاراته الذاتية وتواصله الإيجابي مع الغير، وإتاحة فرص هذا التفاعل على صعيد الأسرة أو المدرسة أو المجتمع. كما يستلزم تشجيعه على أي عمل أو مبادرة أو سلوك من شأنه تنمية ثقته في نفسه مهما كان الأمر يبدو بسيطا. وإتاحة الفرص كي يعبر عن ذاته بشكل طبيعي.
وأوضحت أن الكف عن أساليب الكبت والإغاظة والتقليل من شأن الطفل أو إهانته أو التهكم على قوله أو سلوكه وخاصة أمام الآخرين. والحرص على ثبات معايير الضبط الاجتماعي الأسري، فما يراه الوالدان صحيحاً لا يجب أن يكون خطأ في وقت آخر، والعكس صحيح. والتوازن بين الشدة واللين أو التسامح دون إفراط أو مبالغة. ومن الأهمية إشاعة المناخ الأسري الإيجابي المشبع بالدفء والمحبة والألفة والتقبل.