الاتحاد

دنيا

السجواني: في الثمانينات كانت الكتابة هماًّ حقيقياً


حوار ـ عبد الجليل علي السعد:
مثل عظام بدائية ترج الأرض بقرقعتها أو رنيمها تتدلى خطايا الكاتب والأديب في عنقه، أعني أعماله ونتاجه الإبداعي، لكن هذه الخطايا تختلف في نوعها وشكلها وتشكلها بما تحمله من تاريخ يحتمل البريق والانطفاء وربما التشوه في بعض الأحيان·
ولكاتبنا عبد الرضا السجواني الكثير من هذه الخطايا الجميلة - الكتب، وتنوعه وجهده وحرصه على المراجعة والتأني في ما يكتبه تدل عليه تواريخ صدور هذه الأعمال، أو المجموعات القصصية التي تتنوع في أطروحاتها بين القصة القصيرة أو الكتابة للطفل، ولكاتبنا الكثير من النضالات الخاصة فيما يخص تأسيس واستمرارية الحركة الأدبية وتطويرها ودفعها في مسارها الطبيعي نحو الهدف المرجو منها·
في محاولة لاستجلاء هذه النبضات استنطقنا أوتار السجواني في مجموعة من ألحان الهم الأدبي والبشري والقصصي في ما قدمه ويقدمه من هذه العظام المعلقة في رقبة هذا العطاء·
؟ لنحكِ قليلا حول رحلتك مع اتحاد كتاب وأدباء الإمارات باعتبارك من مؤسسيه، وكنت قد استلمت إدارته لعدد من السنوات؟
؟؟ تأسيس اتحاد كتاب وأدباء الإمارات مر بالكثير من المعاناة التي عاشها الكتاب في تنقلهم وتجمعهم، ناهيك عن الخلافات والعثرات المادية والمعنوية والصراعات الداخلية والخارجية التي واكبت عملية الترسيخ، ولأنني من المؤسسين فقد عرفت وحفظت الكثير من الأحداث والحوادث عدا النشاطات الخاصة التي سعت إلى التأسيس ومن ثم شاركت في بلورة الاتحاد مثل: ناصر جبران، عبد الحميد احمد، ظبيه خميس، وأنا، وكان يجمعنا ما يشبه المقر في الطابق الرابع عشر من بناية على البحيرة تخص النادي الثقافي العربي الذي منه انطلقت حركة تأسيس الاتحاد بعدد 36 عضو عامل في عامي 1978 و ،1979 المليئة بالنشاطات والكتابات الأدبية، وفي والخيبات والعثرات أيضا· وقد رافق التأسيس عقبات مادية وإن كان ثمة ما يقال هنا فهو أن الشاعر الكبير المرحوم سلطان العويس حل جزء كبير منها في تبرعه السنوي للاتحاد بمائة ألف درهم· أنجزت بفضلها مضافاً إليها الدعم الحكومي الكثير من الإنجازات الأدبية التي نراها اليوم في ما نشره الاتحاد من كتب وما أصدره من إصدارات·
ألقٌ·· وانطفأ!
؟ حدثنا عن بدايات الاتحاد ونقاط التطور والتحول في مسيرته مع نماذج من القرارات والإنجازات؟
؟؟ كان العزم وروح التضحية واحدة من سلوكيات الأعضاء الذين تعاطوا مع الاتحاد وأهدافه كهمٍّ عام، وخاصة في الجو الأدبي العارم المليء بالنشر وتطوير الكتابة، وفيما يخص القصة القصيرة ونشأتها في الإمارات أرى أن منتصف الثمانينيات كانت البداية الحقيقية لها، ففيها خرجت القصة من مواضيع السبعينيات المستهلكة كغلاء المهور وغيرها لتدخل في قضايا المعاصرة والهم السياسي العام، عدا التناول الأعمق للكثير من قضايا المجتمع بلغة جديدة، اكتسبت من الإطلاع والاختلاط بالآداب المترجمة والكتاب العرب المتواجدين بتجاربهم وكتاباتهم الناضجة، كما أغنت معارض الكتاب وتوفر الكثير من النشرات والكتابات العربية المختلفة هذا النتاج المتطور، والذي ربما ساعدته بعض الظروف للظهور وخاصة عام 1986 عندما فتح الاتحاد العضوية المنتسبة للأخوة العرب، وتبع ذلك تأسيس الدورية الأولى وهي (شؤون أدبية) لنشر النتاج الأدبي للجميع وبشكل أكثر تركيزا وانتقاء ثم تلا ذلك الإصدارات القصصية والشعرية المشتركة كنوع من تأريخ وأرشفة للحركة الأدبية في الدولة·
إسقاط تراثي
؟ كيف تنظر اليوم إلى الهم الأدبي من واقع متابعتك له، وبصفتك قاصاً وأديباً؟
؟؟ هموم الأديب في الإمارات باتت اليوم تسير في وتيرة تختلف في سرعتها ونوع تعاملها مع مفردات الواقع، كما تختلف في مضامينها ما بين هموم اجتماعية وصحية ومالية تشكل عائقا كبيرا في تطوير وبلورة هذا الإبداع إلى عمل حقيقي ومقروء، وأنا اليوم قد أمسك بأي ورقة وقلم في أي وقت ومكان لأفرغ عليها هذا الهم في أشكاله المختلفة، وهي هموم خاصة وعامة تؤرق المبدع أيا كان وأينما كان· وعودة إلى القصة فقد كتبت الكثير من المقالات حول الكثير من الهموم الوطنية، كتبت لمدة أربع سنوات في الجامعة ومشاكلها، كما كتبت في هجرة العمالة العربية والكثير من المواضيع التي تشكل الهم اليومي للقارئ والمهتم، ومنذ سنتين اتجهت إلى أدب الطفل لقناعتي بأهميته - أي الطفل - وضرورة الكتابة له، وربما ساهم دوري كأب في في ذلك، بالإضافة إلى قناعتي كقاص وكاتب يهتم بالقصة المروية وأهميتها في تثقيف وتوعية عقل الطفل وصقل مداركه، وزرع الكثير من الأهداف والأخلاقيات في عقله وقلبه، خاصة بعد غزو الفضائيات وانحسار الثقافة الشعبية والبعد عن التراث الذي تحاول الدولة جاهدة العودة إليه والغرف من مناهله وأصالته الجميلة، وقد استثمرت معطيات البيئة والموروث في نصوصي، ومارست الكثير من الإسقاطات في قصصي عبر هذا الموروث بأشكاله المختلفة، وعدا عن كتابتي للطفل كتبت الرواية أيضاً ولكني لم أنشرها لقناعتي أن أزمة الكتابة اليوم هي عدم وجود القارئ، ومهما تكتب لا تجد أي ردة فعل سواء جيدة أو سيئة أو حتى انطباع عن ما كتبت أو كتب غيري من الأدباء الذين نشروا هذه الإصدارات·
؟ نرى في إصدارك الحديث (أشرعة الليل) نفساً آخر في كتاباتك، هل تحدثنا عن هذا التغيير؟
؟؟ (أشرعة الليل) هي تحول من موقع إلى آخر متقدم، حاولت فيه استخدام اللغة في خدمة الحدث، ولا زلت أبحث عن ناقد يتناول هذه المجموعة أو غيرها، ليريني مدى ما وصلت إليه في الكتابة القصصية، وقد نشرت بعد هذه المجموعة بعض القصص، ولكن كما أقول أبحث عن ناقد يمكن أن يقول بكل واقعية وعلمية النقد أن هذا جيد وهذا سيئ، ويبين لي قوة أو ضعف أدواتي، خاصة، إنني اكتب اليوم في الحدث والرتم اليومي المتسارع والقاسي ذي الومضات القصيرة وهو ما أحاول نقله في مجموعاتي الأخيرة، لاسيما (أشرعة الليل) الذي اعتمدت فيه أن أحدث هزة قوية في القارئ في محاولة للخروج به من العالم القاسي والمادي إلى العالم الحقيقي الجميل، والذي عشناه بنقائه وإنسانيته·
القصة الإماراتية بخير
؟ كيف ترى حركة النقد اليوم؟
؟؟ أعتقد أن هناك غياب للمعيار النقدي الصحيح، ولا أقول لا توجد كتابات نقدية جيدة بل هناك لكنها قليلة، وأغلب الكتابات لا ترقى إلى مستوى المكتوب، وغالباً ما تتمحور في شكل آراء أو ملاحظات· لقد مرت الحركة الأدبية في الثمانينيات بفورة عنيفة وغير علمية، بل اعتمدت الشتائم والتجريح وذلك لمدة طويلة أحبطت فيها الكثير من الكتابات ووضعت كتابات أخرى في غير موقعها الصحيح كذلك، ومشكلة النقد اليوم أن الكثير منه يتناول ويستمر في تناول بعض الأسماء بصورها الكبيرة والمديح المبالغ به لإنتاجها، وكلا الموقفين غير صحيح ولا يصبان في مصلحة الإبداع ولا المبدع ولا التأسيس النقدي· بالنسبة لي، ما زلت إلى الآن لم أجد من ينصفني من النقاد في كتابة أو نقد يتناول تجربتي ويفتح أقفالها، علاوة على غياب القارئ الواعي، وهي مشكلة موجودة ولا يمكن غض الطرف عنها، يحدث هذا رغم أن القصة القصيرة في الإمارات تطورت بفعل تطور كافة أشكال الكتابة وتماهيها مع الأشكال الأخرى، والقصة في الإمارات لا زالت بخير وإن خفت كثيرا الإصدارات المتلاحقة والقوية التي كانت في فترة التسعينيات·

اقرأ أيضا