صحيفة الاتحاد

تقارير

ترامب وحدود الشعبوية

تتخذ الشعبوية أشكالاً متنوعة ومختلفة، ولكن أصلها واحد عموماً. وتحظى بعض الأفكار بدعم الجمهور ولكنها قد تفتقر إلى الدعم في نقاشات النخبة السياسية. ثم يسهم كلٌّ من فشل النخبة والضغط الشعبي في جعل ذلك التوتر جاهزاً للاستغلال، ثم تظهر شخصية جديدة تَعد بالإنصات إلى صوت الشعب وإلغاء سياسات الطبقة الحاكمة!
والرئيس دونالد ترامب بالطبع هو إحدى هذه الشخصيات، وقراره تعليق دخول اللاجئين إلى الولايات المتحدة يمثل واحدة من تلك الأفكار. ومثلما يؤيد معظم الأميركيين مستويات أقل من الهجرة من تلك التي تقضي بها اتفاقات الحزبين حول الهجرة في واشنطن، فإن الكثير من الأميركيين يَبدون قلقين خصوصاً بشأن السماح بدخول أعداد كبيرة من اللاجئين من بلدان تكتوي بنار الإرهاب. والواقع أن مقترح ترامب خلال الحملة الانتخابية بمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة لم يكن يحظى إلا بدعم أقلية، ولكنه عندما انتقل إلى الدعوة إلى تعليق دخول اللاجئين وفرض قيود حسب أوضاع وظروف كل بلد على حدة، كان في موقف شعبوي أكثر قوة وصلابة.
وعليه، فليس مفاجئاً أن يسعى للوفاء بهذا الوعد. كما أنه ليس مفاجئاً أيضاً أن يتحول الأمر إلى فوضى عارمة. ولكن هذا ليس لأن الفكرة الأساسية تُعتبر خارجة عن نطاق السلوك المقبول. فأنا مثلاً أعارض تعليق ترامب لدخول اللاجئين إلى الولايات المتحدة لأنني أعتقد أن على الولايات المتحدة واجباً أخلاقياً خاصاً في العراق وسوريا، بالنظر إلى أعمالنا وأخطائنا في المنطقة. كما أنني لا أرى أيضاً أدلة قوية ومقنعة على أن برنامج اللاجئين سيتسبب في وجود خطر إرهابي كبير، أو أنه يهدد بخلق مناطق سكانية معزولة وغير قابلة للاندماج على غرار تلك التي توجد في أوروبا اليوم. ويمكن القول إن التجميد المؤقت للسفر مواطني البلدان السبعة كان سيصبح منطقياً لو كانت لدى إدارة ترامب طريقة جديدة وذكية للتدقيق في هويات وخلفيات اللاجئين. والحال أنه لا يوجد الآن ما يدل على ذلك.
وإضافة إلى هذا، فإن كل السياسات المتعلقة باللاجئين تنطوي على حدود، ومعظم اللاجئين ينبغي مساعدتهم قريباً من وطنهم، وليس بالضرورة أن يجد كل اللاجئين سهولة في التكيف مع الحياة الأميركية. كما أن السقف السنوي للأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب -50 ألفاً- قريب أيضاً من عدد اللاجئين الذين سُمح لهم بدخول الولايات المتحدة خلال معظم سنوات رئاستَي بوش وأوباما. وفضلاً عن ذلك، من الممكن أيضاً الدفاع عن بعض تفاصيل سياسة ترامب بشكل مثالي. وعلى سبيل المثال، فإن التفضيل المقترح لبعض الأقليات الدينية يُنتقد باعتباره نوعاً من أنواع الشوفينية المسيحية. ولكن الحقيقة هي أن المسيحيين الشرق أوسطيين (والإيزيديين ومجموعات أخرى) كثيرًا ما يكونون في حالة صعبة للغاية -يواجهون الاضطهاد داخل مخيمات اللاجئين مثلًا- ويستحقون مساعدة أكبر.
ولا نقصد بهذا التقليل من القسوة التي ينطوي عليها تضييق الباب في وجه اللاجئين، ولكن السياسة الخارجية هي مجال الاختيارات القاسية. كما أنه من غير الواضح أيضاً ما إن كانت المعاناة التي سيتسبب فيها تضييق الباب في وجه اللاجئين أسوأ من المعاناة التي تتسبب فيها ضربات الطائرات من دون طيار، أو عمليات القصف الجوي، أو «الأعمال الحكومية الحركية»، وجميعها سياسات تستأثر دائماً بدعم الحزبين.
ولكن لماذا الفوضى التي ميزت عطلة نهاية الأسبوع الماضي، وعناوين الصحف المنددة، وتزايد الاحتجاج؟ بسبب عدد من الخصائص التي تُعتبر جزءاً أصيلًا من الشعبوية نفسها، التي تميل إلى تقويض محاولاتها للحكم بغض النظر عن الشعبية النظرية لأفكارها.
فأولًا، الشعبوية تتمكن من التعبير عن نفسها عبر مقاومة حدود الرأي المقبول ودفعها، ولكنها في أثناء ذلك كثيراً ما تتبنى التعصب والتطرف اللذين يميزان بدورهما طريقة تلقي سياساتها. وفي هذه الحالة، يمكن القول إن مغامرات ترامب الأولى بخصوص «حظر المسلمين» (وخطاب صِدام الحضارات الذي يصدر عن دائرته الداخلية)، هي التي حددت ملامح الطريقة التي استُقبل بها قراره. صحيح أن المدافعين عنه قد يحتجون بأن معظم البلدان ذات الأغلبية المسلمة لم تكن مستهدفة بالأمر التنفيذي، وبأن أي سياسة تتعلق بمحاربة الإرهاب ستؤثر على المسلمين بشكل متفاوت، وبأن قرار البيت الأبيض يستند إلى قائمة البلدان نفسها التي استهدفها أوباما بقيود (أكثر تواضعاً) على التأشيرة. والحق أن كل هذا صحيح، ولكن مع ذلك... فقد ترشح ترامب للانتخابات داعياً لحظر مؤقت على المسلمين. وعندما تخطى ذلك الخط (وخطوطاً أخرى كثيرة)، بات حتمياً أن يُنظر إلى أي خطوة مماثلة باعتبارها ثاني أوضح طريقة للتمييز الديني، وأن تُقابل بمقاومة شرسة وعلى نحو يمكن تفهمه.
ثانياً، بعد خوضهم حملة انتخابية ضد النخبة والخبراء، يتصور الشعبويون أن حماسهم سيتفوق على كل العراقيل، وأن الالتزام الصارم بالإجراءات المتبعة هو فقط للفاشلين والمتملقين و«الرجال ذوي الأيدي الناعمة»، وأن بضعة رجال في البيت الأبيض قادرون على تنفيذ إصلاح كبير لنظام معقد ودقيق.
ولكن هذا الافتراض خاطئ تماماً لأسباب كانت واضحة جداً في عطلة نهاية هذا الأسبوع، في مظاهر الفوضى التي عمت المطارات، ومشاهد إبعاد مسافرين في حالة عبور، والمحاولة الغريبة لتطبيق الحظر على مقيمين دائمين.. إلخ.

* محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويرك تايمز»