الاتحاد

دنيا

طب العواطف يكشف أمراض الحزن


صلاح الحفناوي:
الحزن داء والفرح دواء·· هذا ما نعرفه ونسمعه كثيرا وربما لا نعرف تفسيره ولا نشغل أنفسنا بذلك·· نحن نعرف أو نسمع أن الهم يجهد القلب والتوتر يسبب أزماته والنكد يضعف دقاته·· نعرف أن الضغوط النفسية تسبب القولون العصبي والاكزيما العصبية·· وأن أزمات الربو تتفاقم والضغط المرتفع يزداد ارتفاعا عندما نستسلم للمشاعر السلبية·· ولكن ما هي علاقة هموم النفس بمتاعب الجسد؟·
الكثيرون منا سمعوا حكاية شخص ما كان في كامل الصحة·· نام ولم يقم·· لأنه خسر صفقة كبيرة أن تعرض لصدمة عاطفية مؤلمة·· الكثيرون منا يعرفون أن الحزن يمكن أن يكون قاتلا·· ولكن لا يعرفون السبب أو التفسير·· حتى العلماء أنفسهم كانوا حتى قبل سنوات قليلة لا يعرفون آلية تأثير المشاعر على أجهزة الجسم الحيوية·· ومن اجل معرفة السر انطلقت عشرات الأبحاث والتجارب التي انتهت إلى نتائج شديدة الغرابة·· لعل أكثرها إثارة للدهشة أن الحزن يؤثر على الأجنة في أرحام الأمهات ويسبب تشوهات خلقية شديدة الخطورة في الكثير من الحالات·· وان الحزن والتوتر والقلق تسبب آلام الظهر·· والكثير من الحقائق التي نطالعها في هذه الجولة مع طب العواطف أو المشاعر·
فريق من الباحثين في جامعة جون هوبكنز الأميركية اكتشفوا أن الاستماع للأخبار السيئة مثل وفاة الأقارب أو الأعزاء، قد يحطم القلب فعلا وليس مجازا·· وأن الأخبار السيئة قد تجعل المرضى يتعرضون لعدة أيام لارتفاع في نسبة الأدرينالين وغيره من الهرمونات التي تنهك القلب وتصيبه بالاضطراب·
وتقول الدراسة المنشورة في دورية 'نيو إنجلاند' إنه قد يحدث خلط بين هذه الأعراض وأعراض النوبة القلبية· إلا أنه من الممكن إصلاح تلك القلوب المحطمة، فالضرر الذي يسببه التوتر يكون مؤقتا في كثير من الحالات، ولا يستمر عادة أكثر من أسابيع·· ولكن النتائج تكون أكثر خطورة إذا كان القلب يعاني من مشاكل أخرى تتفاقم بسبب الحزن·
هرمونات التوتر
وقد فحص الباحثون 19 مريضا جاءوا إلى المستشفى يشكون من أعراض مماثلة لأعراض الأزمة القلبية مثل الألم في الصدر ووجود ماء في الرئتين وضيق التنفس وهبوط القلب· ولكن عندما تم فحص هؤلاء المرضى، ومعظمهم من النساء، وجد أنهم لا يعانون من أي انسداد في الشرايين الموصلة للقلب أو أي أعراض للنوبة القلبية· وعندما أجرى الأطباء مزيدا من الفحوص، وجدوا أن هناك نسبة عالية للغاية من هرمونات التوتر، خاصة الأدرينالين والنور أدرينالين، في دم هؤلاء المرضى· ووجد أن معدلات هذه الهرمونات أكثر بنسبة 7 إلى 34 مرة، مما يوجد في سبع من حالات الإصابة بنوبة قلبية·
ويقول الباحثون إن هذا النوع من هرمونات التوتر له تأثير سام على القلب، مما يؤدي إلى توقفه· ويحتوي دم الأشخاص الأكثر عرضة للتوتر على نسبة أعلى من هرمون معين في القلب، مما يشير إلى أن القلب يعمل أكثر مما يعمل في العادة·
وإضافة إلى ذلك، أظهرت أجهزة قياس النشاط الكهربائي للقلب رسما مميزا فريدا عادة ما يلاحظ عقب الإصابة بالأزمات القلبية· وقد مر التسعة عشر مريضا بصدمة عاطفية حادة قبل ساعات من ظهور هذه الأعراض عليهم·
وتلقى ما يقرب من نصفهم نبأ وفاة رفيق أو قريب، بينما كان بعضهم ضحية للسطو المسلح· إلا أن المرضى الذين تعرضوا للتوتر الشديد أظهروا 'تحسنا ملحوظا'، وتحقق لهم الشفاء التام خلال أسبوعين·
وقد أكد اختبار بواسطة الرنين المغناطيسي عدم إصابة أي مريض من مرضى التوتر بتلف دائم في العضلات·
ويقول البروفيسور إيلان ويتشناين رئيس فريق البحث: 'بعد ملاحظة عدد من حالات ظاهرة 'انفطار القلب' في مستشفيات هوبكنز، معظمها حالات لمرضى في منتصف العمر أو نساء عجائز، أدركنا أنه ظهرت على هؤلاء المرضى علامات إكلينيكية تختلف تماما عن الحالات النموذجية للنوبات القلبية، وأن شيئا مختلفا تماما كان يحدث'·
ويضيف: 'يصعب تفسير هذه الحالات لأن معظم المرضى كانوا يتمتعون بصحة جيدة من قبل، ولم تظهر عليهم ما يشير إلى استعدادهم للإصابة اكثر من غيرهم بالنوبات القلبية'·
ويقول الباحثون إنه ليس معروفا تماما كيف تؤثر هرمونات التوتر على القلب،
إلا أنهم يشيرون إلى احتمال أن تسبب المواد الكيميائية تقلص الشريان التاجي، مما يؤدي إلى التأثير على عضلة القلب، كما أن هناك احتمالا أن تراكم كمية كبيرة من الكالسيوم، تؤثر مؤقتا على القلب·
ويقول البروفيسور جيريمي بيرسون، المدير الطبي المساعد لمؤسسة أمراض القلب البريطانية: 'لقد سلط الباحثون بعض الضوء على الحالة التي تؤثر بشكل خاص على النساء العجائز، أي حالة الإصابة المفاجئة بالنوبة القلبية التقليدية في أعقاب التوتر العاطفي الشديد·
ويضيف: 'من الواضح أن آليات الإصابة بالحالة تختلف عنها في حالة النوبة القلبية الأخرى، ربما نتيجة المؤثرات المباشرة وهرمونات التوتر التي توجد في الخلايا النابضة بالقلب· والأمر الجيد هو أنه على العكس من معظم حالات النوبات القلبية، يحقق المرضى بشكل عام الشفاء التام دون الإصابة بأي ضرر دائم لعضلة القلب'·
الجنين الحزين
وقال فريق من الباحثين إن الضغوط العاطفية والنفسية الشديدة التي تتعرض لها المرأة الحامل خلال فترة الحمل أو قبلها مباشرة تزيد احتمالات إصابة الجنين بالتشوه·· وكانت دراسات وبحوث سابقة قد ذكرت أن الضغوط النفسية القوية خلال الحمل، مثل فقدان الوظيفة أو الطلاق أو الافتراق بين الأزواج أو الحزن على ميت، يمكن أن تؤدي إلى حالات غير طبيعية في الجنين وتشوهات كالشرم أو انشقاق الشفة والحلق، وغيرها·
فريق البحث العلمي الدنماركي الذي توصل إلى النتائج الأخيرة، برئاسة الدكتورة دوريث هانسن، أخذ على عاتقه اختبار النتائج التي توصلت إليها الدراسات السابقة· وفحص فريق البحث السجلات الطبية ذات العلاقة في الدنمارك خلال الفترة ما بين 1980 و1992 للتعرف على النساء اللواتي تعرضن لضغوط نفسية حادة وقوية بسبب حوادث مهمة ومؤثرة في حياتهن حدثت قبل 16 شهرا من الإنجاب· وقارن الباحثون بين 3560 امرأة مرت بتجارب نفسية صعبة، ونحو 20 ألف حالة ولادة لنساء لم يتعرضن لمثل هذه التجارب، ومنها مثلا فقدان شخص قريب وعزيز بسبب الموت، أو اكتشاف حالة سرطان خطيرة لدى قريب، وغيرها من الأمور العاطفية الضاغطة نفسيا
وتبين للباحثين أن معدل الإصابة بالتشوهات الخلقية لمواليد من تعرضن للضغوط يبلغ ضعف المعدل عند النساء الأخريات، كما لوحظ أن النساء اللواتي يحملن مرتين متعاقبتين أكثر عرضة من غيرهن لإنجاب طفل مشوه
ووجد الباحثون أن فرص تعرض الجنين لتشوهات خلقية تزداد عندما تحزن الأم لفقدان أحد أطفالها خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، وتزداد نسبة الخطورة إذا كان الموت غير متوقع·
ويرجح العلماء أن يكون الضغط النفسي سببا في ارتفاع هرمون الكورتيزون الذي يؤدي إلى ارتفاع نسبة السكر في الدم، وتقلص نسبة الأوكسجين في الأنسجة، وهما عاملا يتسببان في تشوهات خلقية عند الجنين·
وقال الدكتور بيتر هيبر من مركز أبحاث السلوكيات المميتة في جامعة الملكة في بلفاست بايرلندا الشمالية إن النتائج لم تكن مفاجئة مشيرا إلى أن الأوساط الطبية تعلم أن الضغط النفسي يؤثر على النشاطات الفسيولوجية في جسد المرأة الحامل، ولا نرى سببا في عدم انتقال التأثير إلى الجنين· وأوضح أن نتائج الدراسة الأخيرة تدعم البراهين التي تراكمت في السابق حول تأثيرات الأزمات النفسية والضغط الناتج عنها على الحوامل ودورها في تشوه الأجنّة·
آلام الظهر
وفي جامعة أوهايو الأميركية أجرى فريق من الباحثين تجربة غريبة خلصوا بعدها إلى أن الشخص الذي يتعرض لضغط نفسي في العمل يعمد إلى استخدام العضلات الخاطئة في رفع الأجسام مما يزيد من احتمالات تعرضه للآلام··
وكانت دراسات سابقة قد افترضت أن نوع الشخصية يؤثر على الإحساس بالألم·· وأراد وليام ماراس وكاثرين هيني القائمين بالدراسة تفسير سبب زيادة احتمال إصابة الانطوائيين بآلام الظهر · وقام الباحثان بفحص مجموعة من الطلبة المتطوعين وصنفوا شخصياتهم عن طريق اختبار بسيط·· وأعطي كل طالب صندوقا يزن عدة كيلوجرامات وطلب منه أن يرفع الصندوق بسرعة معينة أثناء ارتداءه جهاز يرصد العضلات التي تتحرك أثناء عملية رفع الصندوق·· وفي النصف الأول من التجربة كان المشرفون على التجربة يقدمون تشجيعا لفظيا بل ويذيعون الموسيقى المفضلة للطلبة·· وفي وقت لاحق بدأ المشرف على الجماعة في معاملة بعض الطلبة بطريقة مختلفة وعمد إلى تركهم بمفردهم ثم عند عودته يتظاهر بأنه غاضب ويقوم بإغلاق الراديو ويقول لهؤلاء الطلبة إنه غير راض عن مدى تقدمهم في التجربة ثم ينتقد الجهود والمحاولات التي يبذلوها·
ولوحظ أن الطلبة من أصحاب الشخصيات الإنطوائية استجابوا بصورة سلبية لهذا السلوك وبدأوا في رفع الصندوق باستخدام العضلات غير الصحيحة مما جعلهم أكثر عرضة للإصابة بآلام الظهر· ويقول البروفيسور ماراس إن أصحاب الشخصيات المتساهلة أو المتفتحة لم يتأثروا بالانتقادات في حين غير الانطوائيون من طريقة استخدام عضلاتهم ومن ثم أصبحت عملية رفع الصندوق تمثل عبئا ضاغطا، ويفترض ماراس أن السبب في هذا أن الانطوائيين يعمدون إلى كبت مشاعر الإحباط بداخلهم·

اقرأ أيضا