يمكن اتهام ذئب يعقوب بجنايات كثيرة، ولكن التهمة التي كثر فيها شهود الزور لم تثبت. فقد شهد أخوة يوسف أن الذئب افترسه، فكظم أبوه الغيظ وعاش مع الحزن المديد على فقد ولد من أعز أولاده، يفترسه القلق بين الحقيقة والتزوير. في أحايين كثيرة يوهم شهود الزور بوقوع الجناية، مع أنها لم تقع. وفي أحايين أخرى تقع الجناية ولا شهود عليها، فقد فتك قابيل بأخيه هابيل ولا شاهد عليه من البشر، وحين سمع صوت ربه أجاب «وهل أنا حارس لأخي؟». فمن الممكن تصنيع الجريمة، كما من الممكن تصنيع الشهود، وهذا ما شكل قلقاً دائماً لعلماء التاريخ. واليوم قام السياسيون بتصنيع ذئب يعقوب، فوجهوا التهمة وصولاً إلى هدف قد يعصف ببعض تراثنا، محاولين أن يجعلوا من التهم الملفقة «وقائع تاريخية»، تتسع التهمة وتضيق بحسب مقتضيات المصنّع وأهدافه، فكل آثام البشرية صبت على ذئب يعقوب الجديد، كأن الدول التي استعمرت العالم بريئة من دم يوسف، مع أنه على أيديهم أبيدت شعوب أميركا الجنوبية باسم الدين، وأبيدت شعوب أميركا الشمالية باسم التمدن، وفعلت الكولونيالية فعلها في أفريقيا بحجة «عبء الرجل الأبيض». لكن «كريستوف كولمبوس» الذي حظي بالتكريم الديني، فنصبت له التماثيل ورفعت الأعمدة، ظل بطلاً أكثر من أربعة قرون، إلى أن كُشِفت الحقائق وتبيّن أن «ذئب» يعقوب وكل شهود الثبوت كانوا شهود زور، إنما هي لعبة سياسية، فراحت الجماهير تحطم التماثيل وتقلب الأعمدة، وبات اسمه مدنساً بعد أن كان مقدساً، وصبّت عليه اللعنات من الشعوب التي غلبها على أمرها، ومن غيرها أيضاً، فلا نسمع اليوم أحداً يكيل المدائح لهذا الرجل الدموي الذي جرف مناجم الفضة في هاييتي والدومينيكان، مستغلاً السكان الأصليين، الذين كان واحدهم يعمل بلا أجر ولا طعام إلى أن يموت، لكن في أحد الأيام استيقظ كولمبوس ذات صباح، فلم ير أحداً، ولا أحد حتى اليوم عرف أين ذهب أولئك المغلوبون. إن أحداً منا لا يريد أن يحمل التهمة كل هذه المدة حتى يضع يوسف الطاس في قمح إخوته. الحقيقة لا تموت ولكن عندما تتأخر في الظهور تدفع الشعوب الأثمان. على من تدور الوقائع؟ عاد ذئب يعقوب من جديد، فاليوم يتهمون الدين (من غير البحث عن المستخدم الذي يقدم المال والسلاح والتدريب على السلاح...) بالإرهاب والتطرف، وبهذه الحجة أو تلك يبيدون شعوباً ويدمّرون مدناً ويهجّرون مواطنين... كل هذا يجري على أرض الواقع أمام أعين الجميع، بلا استثناء، وبخاصة من يدّعون حرصهم على التراث الإنساني والقيم الحضارية والحرية والديمقراطية... وبعملهم هذا يذكروننا بكولومبس. وبما أننا لا نتمكن من الحوار مع السياسيين الممسكين بهذه الحروب اللعينة، فإننا نتوجه إلى القارئ المثقف، الحريص على التراث الإنساني الحقيقي، وسوف نفترض ما لا يُفترض، وهو أن هذا القارئ لا يؤمن بدين ولا بعقيدة أو مبدأ، ولا بأي شيء غيبي... سنفترض أنه ملحد إلى أبعد ما يكون الإلحاد (وهو بهذا لا يختلف عن المؤمن المتعصب، الذي يستثني دينه أو مذهبه من أحكامه) ويرى الأديان سخافة ومشوّهة للإنسان والحياة... أظن أنه لا يوجد افتراض أبعد من هذا الافتراض. وسوف نتجه وإيّاه إلى الثقافة الإنسانية، نقطة اللقاء بيننا وبين قارئنا، لأننا معاً نقرأ المعلقات ومسرح سوفوكليس وملحمتي هومر... فنسأله من أي المنابت ظهر هذا التراث؟ أليس من الدين، أو قل الأديان القديمة؟ إن الحروب القائمة اليوم لا تكتفي بالتغير السياسي والديمغرافي... و... و... بل إنها تطيح تراثاً إنسانياً، للدين دوره الأبرز في صنعه. وهذه ظاهرة متكررة في التاريخ... وهنا الخطورة. طيور الربيع الدائم لا بد من نظرة إنصاف، حتى من الملحدين والمناوئين للدين. فتراث البشرية في معظمه، إن لم نقل بكامله، نشأ من الدين (ولا نقصد ديناً معيناً) فقد كان موجّهاً للحياة الفكرية والروحية والمادية، فالإنسان يشغله ما لا يرى أكثر مما يشغله ما يرى، فيحاول تقريب السماوي بالتجسيد، ورفع الأرضي بالتجريد، فميدانه بين ما يرى وما لا يرى. فالملحمة في أصلها أناشيد (مارشات) إعداد المحاربين، حيث تروى لهم قصص القتال وضروب البطولة من كل نوع، وهذا ما كان يريده أفلاطون في جمهوريته لخلق جيش يحمي البلاد. ونحن اليوم نفخر بالمسرح... وكل أنواع المسرح تقريباً تنبع من الدين. فالمسرح باهي السمات اليوم يعود في أصله، إلى احتفال تقديم القرابين التي كانت إنسانية أول ظهورها، ولكنها اقتصرت فيما بعد على الحيوان والنبات والمصاغ والطعام والخمر، وكان الدين اليهودي من أوائل الأديان التي حرّمت القرابين البشرية. والرسم والنحت، سواء المزهريات أو الجداريات أو التماثيل هي من الدين أو من وحي الدين. ومعظم الآلهة القديمة، خصوصاً في «الألياذة» لها تجسيد بهذه الطريقة أو تلك. وعجائب الدنيا السبع، عدا الحدائق المعلقة ومنارة الإسكندرية، إنما هي من وحي الدين. وشعر المديح وأناشيد الزفاف ووصف مشاركة الطبيعة عواطف البشر إنما نجمت عن الاحتفال الديني بالتنسيب. ووصف الطبيعة وخيراتها وسخائها، إنما نجم عن الاحتفالات الإيليزية (عيد ديمتر). والشعر الغنائي والوصفي جاء من احتفالات الرعاة في أركاديا. والرثاء نشأ من احتفالات الجنائز حيث ترفع الأناشيد من أجل غفران الخطايا، فيعدد النشيد خصال الفقيد الحميدة، عسى أن تشفع له. والموسيقى قديماً لم تكن من خارج الدين، بل الدين هو الذي ابتكر الموسيقى لتكريم الآلهة، ولرفع شكوى الناس مما يعانون في هذه الحياة، وللتعبير عن أعياد الفرح، وأعياد حزن... ومن هذه الأعياد ظهرت أنواع الشعر والبحور العروضية، بالإضافة إلى تراث الموسيقى والرقص والأناشيد المتبقية من مرحلة الصيد، والناجمة عن الحياة الواقعية المادية التي كانت أقوى من الإنسان، فاخترع السحر ليتغلب عليها... إن السحر الذي نسخر منه اليوم كان وراء الكثير من الإبداعات والطيور الخالدة. الأديان القديمة التي أطلقت طيور الربيع الدائم تلاشت وانتهت، فمن منا اليوم يذكر زيوس أو ديميتر أو باخوس أو هرمس أو فولكان؟ لكننا لا نزال نذكر تلك الطيور من ملحمة ومسرحية ورسوم على المزهريات والجدران وبقايا التماثيل والمنمنمات الصغيرة والموسيقى والرقص. إنها الطيور الأبدية التي تقضي عليها الحروب في هذا العصر، كما حاولت في العصور السابقة. ولم نذكر الأدب العربي القائم كله على العصر الجاهلي، لأنه معروف وواضح ونعيشه كل يوم، فمن منا يذكر اليوم اللات والعزى ويغوث والشمس ومناة؟ ختم النار في العصور الوسطى، استُخدمت شتى الوسائل للتخلص من هذه الطيور، ولكنها أشبه بختم النار، على قلوب البشر، قد تبْهتُ ولكنها لا تمحى، وتغيب ولكنها لا تموت، وحتى الذين قاموا بالثورات الأدبية، كالرومانسيين، ظلوا يحرصون على هذه الطيور، فمعظم هؤلاء كانت لهم رحلات إلى «أركاديا»، أو «الأوليمب» أو «طروادة»، بل إن أحد الرومانسيين الكبار، شيلي، أعلن أن الفترة الواقعة بين مولد بركليس وموت أرسطو تعد أهم فترة في تاريخ العالم كله، سواء نظرنا إليها بحد ذاتها، أو نظرنا إليها من حيث تأثيرها في البشرية. وبعد ألف عام، وهي الفترة التي تسمى العصور الوسطى من 500- 1500 عادت الطيور إلى التغريد، بعد أن هيّأ لها «الإنسانيون» والشعراء والأدباء الجوّ المناسب. ونظن أنها سميت «عصور الظلام» لأن تلك الطيور لم تظهر في فضائها، بسبب القيود التي جعلت الإنسان ينسى كل ما فات ويفكر فقط في إنقاذ نفسه بترك الشعر والمسرح والموسيقى، أو بالقضاء عليها بخلق شعر ليس شعراً، ومسرح ليس مسرحاً، وموسيقى ليست موسيقى، وفن ليس فناً... وبعد انصرام هذه العصور أعادت النهضة للطيور جوّها وعاد الرسم والنحت والمسرح والموسيقى والشعر إلى عهدها الأصيل، وانطلقت الحركات الأدبية، تسعى كل حركة لمنافسة الحركات الأخرى، عسى أن تطلق طيوراً جديدة في الفضاء الرحب... فالتخلص من هذه الطيور أمر عسير، ما دام هناك مظلوم لا يجد في الأرض منصفاً، وما دامت القلوب الشرهة والمغيظة تعيث فساداً. ففي الفضاء الرحب للأحلام البشرية، من كل الأديان والعقائد والملل والنحل والفلسفات والأفكار... تظل هذه الطيور ملجأ مثل أبراج اليمام البري الذي تأوي إليه كل أنواع الطيور... ولكنه ليس فوضوياً فهناك قوانين أدبية وفنية تحكمه منذ أن ظهر وحتى اليوم. الحفاظ على الفضاء المرء لا تضيره الأقوال، بل الأفعال، فإذا قيل لي إن أفعال الإنسان تحكم عليه، فينسخ صخرة أو يتناسخ في قرد أو يتقمص كينونة نورانية، الخ.. بحسب أفعاله، فأي ضرر يقع على شخصيتي أو شخصية غيري؟ لماذا لا أتأمل هذا المبدأ الأخلاقي الذي يلجم سعار الإنسان وأمراضه؟ إن أفلاطون عرف هذا المبدأ واعترض عليه بابتكار بحيرات النار التي يتطهر فيها الإنسان المسيء في حياته الدنيا فيعود نقياً صافياً، فلا المبدأ أضرّ به ولا اعتراضه أو تعديله أضرّ بغيره... فما لم تُستغَل الأديان والمذاهب والآراء ويُصنع منها الذئب اليعقوبي، فإنها تزيد مساحة الفضاء لاستقبال طيور جديدة. إن ما يميّز القوانين الحديثة (تشريعياً لا زمنياً، فهناك قوانين حديثة الزمن مستبدة المواد يضعها الدكتاتوريون الجدد) أنها تبيح الحرية لكل شيء إلا الأفعال، فأي رياضة فكرية فلسفية نفسية روحية... لها مطلق الحرية، ولكن المواد القانونية تضبط الأفعال، بحيث يجري العقاب حتى على إلقاء أعقاب السجائر في الشارع. والعالم الثالث المنكود لن يرقى إلا بشيئين: قانون يضبط الأذية ويبيح التفكير والتأمل والرياضة الروحية، وسلطة تنفيذية تختار الأعضاء بحيث يكونون أقرب إلى نقاء ملائكة الشيروبيم والسيرافيم... إن أخشى ما نخشاه أن تضيّق حروب الشرق الأوسط رقعة الفضاء إلى درجة الاختناق. المباهاة والاستمرارية أعرف جيداً أن بعضنا يباهي بتراثه، وبخاصة أنه تراث انتقل من دون أي محاولة لقمعه أو منعه أو طمره. فالتراث الجاهلي لم يجد مقاومة في العصور التالية، بل بالعكس تماماً، وجد ترحيباً، ولا يزال، على عكس ما جرى في أوروبا، حيث دفن التراث ولم يبعث إلا في عصر النهضة... لكن هذه الثقة أقرب إلى الوهم والتخيّل منها إلى الواقع، لأن الظروف القادمة ظروف مادية مرهقة، نخشى أن تطول فتشيخ الذاكرة، فلا يبقى من طيور الربيع إلا القليل... وحتى تبقى الذاكرة حيّة علينا إشاعة حب التراث العربي، لأنه الأطول عمراً في العالم، فلم يعرف التاريخ شعراً امتد كل هذه المدة، من ألفين قبل الميلاد، بحسب تقدير نجيب محمد البهبيتي (المؤيد بكثير من الدراسات القديمة والحديثة والعربية والإفرنجية) إلى الألفين بعد الميلاد. هذه الاستمرارية لم تكتب لأحد، ولكن يجب ألا يغشنا أو يغرنا ذلك... علينا أن نزرع الحب حتى لا نحصد الندم ونفقد الوجود. العصور الوسطى عند ذكر العصور الوسطى، فإن الأمر يرتبط مباشرة بالتاريخ الأوروبي، وهي الفترة التي امتّدت من القرن الخامس حتّى القرن الخامس عشر الميلادي، حيث بدأت بانهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية، واستمرّت حتى عصر النهضة والاستكشاف. وتعتبر فترة العصور الوسطى هي الفترة الثانية بين التقسيمات التقليدية للتاريخ الغربي: الفترة القديمة، والوسطى، والحديثة. وتنقسم العصور الوسطى نفسها إلى ثلاث فَترات: الفترة المُبكّرة، والمتوسّطة، والمُتأخّرة. في أواخِر العصور القديمة، بدأ السُكان بالهجرة والنزوح، وقلّ أعدادُهم، وقد استمرّت هذه الحالة في بدايات العصور الوسطى. ثم تزايد عددُ سُكّان أوروبا بشكل كبير خِلال الفترة المتوسّطة التي بدأت بعد عام 1000 ميلاديّة بسببِ الابتكارات التكنولوجية والزراعية التي سمحت بازدهار التجارة متصاحبة بحقبة القروسطية الدافئة التي سمحت بازدياد المنتوج الزراعي. واتسمت الفَترة المُتأخّرة من العصور الوسطى بالمصاعِب والمعاناة والكوارِث، فالمجاعات والطاعون والحروب، هدّدت تعداد السكان في أوروبا الغربية، فبين عامي 1341 - 1350 سَلبَ طاعون الموت الأسود حياة ثُلثِ سُكّان أوروبا، كما لَعِبَ التنازُع والهرطقة والانشقاق داخِل الكنيسة الكاثوليكية والحروب الأهلية وثورَات الفلّاحين في الممالك، جميعُها كانَت أسباباً سيئة في الفترة المُتأخّرة. في النهاية، أدّى التَطوّر التِقَني والثقافي إلى إعادة تشكيل المُجتَمع الأوروبي، ما أسدَل السِتَارَ عن العصور الوسطى، معلنةً بذلك بداية العصر الحديث.