صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

«هارب».. طوفان العِلم المدمّر

عندما يتحكم العلم بعقل الإنسان

عندما يتحكم العلم بعقل الإنسان

أدريانا إيفنجليست *
ترجمة: أحمد حميدة

متمركزاً بغاكونا في ألسكا، يعد برنامج «هارب» برنامج بحث علمي وعسكري يخص إحدى طبقات الغلاف الجوي، أي ما يعرف بالإيونوسفير أو الغلاف الإيوني. أما أهدافه المعلنة، بل قد نقول المزعومة، فتتلخص في العمل على بلورة فهم معمق لخصوصيات هذا الغلاف وتفاعلاته، بهدف إحكام الرقابة على منظومات الاتصال.

«الإيونوسفير» هي تلك الطبقة الجوية الواقعة على علو متراوح بين 60 و500 كلم؛ وتتكوّن من أغلفة ذرية مشحونة بالكهرباء، تقوم بنقل وكسر وعكس التموجات الصوتية، فتمكّن هذه الأخيرة من الانتشار على مسافات مديدة، لذلك يشكل الإيونوسفير ذلك الجزء من الغلاف الجوي الذي يعتمده الإنسان لتأمين الاتصالات بعيدة المدى. وعلاوة على ذلك، ترتبط تلك الخاصية بحالة تلك الأغلفة الذرية، بالمسار الهندسي للذبذبات الصوتية داخلها وبتردد الإشعاع. فكل تنقل للإشارات الصوتية عبر الإيونسفير يطابقه طيف محدد من الترددات. وما بين التردد الأقصى والتردد الأدنى لتلك الذبذبات، يتطابق ذلك الطيف مع نطاق معين في الإيونسفير، تغدو فيه قابلة للانعكاس والانكسار، على نحو ما يشير إليه الرسم التالي:
أهداف مضمرة
غير أن الطيف الكامل لأهداف هذا المشروع يظل إلى اليوم مضمراً وسرياً، حتى أن طبيعة وحجم هذا المشروع لا تني تثير الكثير من الجدل، بل الكثير من المخاوف لدى دوائر رسمية مثل دول الاتحاد الأوروبي، مخاوف تغذيها وثائق رسمية للجيش الأميركي، لا تتكتم عن إمكانية توظيف تطبيقات تلك البحوث لأغراض حربية.. عدوانية.
وبالفعل، فمشروع (هارب) الذي لم يعد في الحقيقة مشروعاً، بل أمراً موثوقاً ومؤكداً، يفيد أنه بات بإمكان البنتاغون استخدام تطبيقاتها لبلبلة التوازنات المناخية، وإثارة الأعاصير والفيضانات والموجات الجَزْرية المدمرة، متى وحيثما أرادت ذلك، وخاصة في البلدان التي تكون محل استهداف من قبل الخبراء العسكريين الأميركيين.
ويكفي حتى نستيقن من ذلك، الإطلاع على الملف الذي طرح على أنظار البرلمان الأوروبي، الذي يحمل عنوان «مشروع هارب.. هل إنه العلم أم إنها الكارثة؟»، المعد من قبل لوك مومباي. سنجتزئ هنا مقتطفاً من ذلك الملف، مع الإشارة إلى أنه لا الاتحاد الأوروبي ولا منظمة الأمم المتحدة تنشغلان حقيقة، وبشكل لافت، بهذه الظاهرة المربكة والمفزعة في آن؛ ظاهرة ينبغي أن يتم تناولها في علاقتها بمشروع «باينْ غابْ»، الذي ينجز على عمق 15 كيلومتراً تحت الأرض، ويتم بزرع مجسات تتولى حسب زعم القائمين عليه، تحديد مواقع الغواصات في أعماق المحيطات. فإذا كانت التجارب مع «هارب» تجري في الفضاء، فهي تتم مع «باين غاب» في جوف الأرض. وقد تذكرنا مثل هذه التجارب المكلفة والمشبوهة، بـ«التسونامي» غير المتوقع الذي هز إندونيسيا، تلك الكارثة التي ارتج من فرط عنفها محور الأرض.
وفيما يلي المقتطف:
«إنه مجرد بحث علمي.. هذا ما يؤكده الخبراء العسكريون، فيما يذهب دعاة السلام والعديد من العلماء ونشطاء المنظمات البيئية، إلى أنها محاولات عسكرية من أجل التلاعب بالتوازنات البيئية لأغراض عدوانية».

مشروع عملاق
في الظاهر، لا شيء قد يميز برنامج «هارب» عن برامج بحوث خاصة بالطبقة الإيونية تمارس هنا وهناك منذ سنوات، اللهم من حيث الطابع العملاق لهذا المشروع وخضوعه بصورة كلية للرقابة العسكرية. وذلك تحديداً هو ما يثير مشاعر الريبة تجاه أهدافه غير المعلنة، ريبة لا تنفك تتضخم بفعل اللغة الخشبية للقائمين عليه، وحرصهم على إحاطة برامجهم بالسرية المطلقة. فهل يكون مشروع «هارب» مجرد الجزء البارز لبرامج عسكرية جديدة، واستهلالاً لسباق آخر نحو التسلح؟ هل سيذهب هذا المشروع إلى حد إحداث أضرار بليغة بالبيئة تكون مبرمة ونهائية؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه توجساً لا يستدعي مثل هذا القلق والانزعاج؟
إن تغيير المحيط الحيوي من الغلاف الجوي لأغـراض عسكرية أو أية غايات عدوانية أخرى، أمر بات ممنوعاً عالمياً منذ 1977، أي منذ توقيع معاهدة «إينمود». ومع ذلك فإن مفهوم «الحرب البيئية» غدا أشبه بلازمة متواترة في اللغة المتداولة في المراجع العسكرية الأميركية، إذ منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، وفيما دخلت الولايات المتحدة طور «ثورة جديدة في المجال العسكري»، تهدف إلى تهيئة القوات العسكرية الأميركية لمهمات حربية مرتقبة خلال القرن 21، تعددت إشارات الخبراء إلى تقنيات قادرة على إحداث تغييرات جوهرية على التوازنات البيئية».
لو كان برنامج «هارب» حقيقة برنامجاً علمياً، فلا شك في أنه قد يعود بالنفع على الإنسان، ولكن طالما أنه بأيدي المتنفذين من الأقوياء والعسكرين وأصحاب القرار، فإنه لمن المتوقع أن يقود إلى حالات قصوى من الاستبداد والغطرسة، بل إلى كوارث قد لا تبقي ولا تذر. ودون التسرع في الحكم على المقاصد النهائية للولايات المتحدة، يحق لنا أن نسجّل من الآن أن برنامج «هارب» في تشابكه مع برامج عسكرية أخرى أضحى بلا شك قادراً على إحداث اختلالات جسيمة ضارة بالبيئة وبالإنسان.
ولئن لم يحظ برنامج «هارب»، بالنظر إلى طابعه السري، بالصدى الإعلامي الذي يستحق، فإنه يثير الكثير من التساؤلات والمخاوف، لأن هذه المشروع الأميركي يمكن أن يتحول إلى سلاح رهيب من جيل جديد: السلاح المناخي القادر على قلب موازين الطقس في أي منطقة من العالم يتم استهدافها، ولكن أيضاً التشويش على وسائل الاتصال الأرضي، وإقامة نظام جديد للعلاقات البشرية عن طريق التلاعب بتفكير الإنسان. فما بين الإشاعات استلهامات يرتفع هذا السؤال الملحاح: هل الولايات المتحدة تخطط كي تصبح مستقبلاً«سيدة السماء»؟

«هارب» في القطب
مقدمة رسمياً على أنها مشروع برنامج لدراسة «الإيونيسفير» والشفق القطبي، انتصبت هذه المؤسسة بصورة غير لافتة للانتباه في الجنوب الشرقي من ألاسكا سنة 1993، بموقع غير بعيد عن مدينة غاكونا.
يتكون الموقع من هوائيات باثّة موجهة نحو السماء، تقوم بإرسال موجات راديوية منخفضة التردد نحو الغلاف الجوي، فتسهم هذه الأخيرة في تسخين الإلكترونات وإثارة حالة من الفوران في «الإيونيسفير». وليس من قبيل الصدفة أن تكون هذه المنشأة قد تأسست على مقربة من القطب، إذ عنده تتجمع القوى المغناطيسية قبل أن تتصاعد إلى طبقات الجو العليا.
وحتى تكتسب اللاقطات الباثّة نجاعة قصوى، كان لا بد للمحطة من أن تتموقع بين خطى العرض 61 و65 درجة شمالاً (في الشمال كما في الجنوب). ولكن عما تراهم يبحثون، هؤلاء العلماء والعسكريون الأميركيون بإنشائهم مثل هذه المحطة؟ ألا يحق لنا التوجس من أن يكون مشروع بمثل هذا الحجم، وبصورة كلية، بين أيدي وزارة الدفاع التي تقوم بتمويله، دون أن يكون لأي باحث علمي مستقل ولا لأية لجنة دراسات محايدة، الحق الفعلي في متابعته ومراقبته والتثبت من حقيقة أبحاثه؟
لقد كان السكـان المستوطنون بالمناطق المتاخمة للمحطة، هم أول من أطلق صفّارة الإنذار سنة 1994، ومن بين هؤلاء.. قد نشير إلى نيك بيغيش الذي كتب يقول: «إن كانت هذه التكنولوجيا فاعلة حقاً، فهل يعقل أن تمسك بيروقراطية سرية لوحدها بأشيـاء قادرة على قطع كل أنظمة الاتصال الإلكتروني في العالم وتغيير الظروف المناخية على الأرض؟ فهل من فائدة قد تجنيها البشرية من ذلك؟». ويبدو التساؤل هنا في منتهى الوجاهة، لأن «هارب» أبعد من أن تكون مجرد جهاز بث راديوي بريء، إذ تفيد آخر المعلومات بشأنه، أن هذا المشروع بصدد إنتاج جيل جديد من الأسلحة السرية.. اللامرئية، تمنح المتنفذين فيه القدرة على التلاعب بالبيئة حسب ما تمليه مصالحهم.

مختبر عملاق
إن تغيير المناخ والظروف البيئية بوساطة تموجات خاصة ليست بالأمر الجديد، لأن عديد العلماء من العسكريين يشتغلون على مثل هذه المشاريع منذ بداية الستينيات. وقد عُرفت تلك الأشغال في الولايات المتحدة تحت اسم «الحرب البيئية». غير أن التكنولوجيا الراهنة، والتقدم المسجل في مجال الكهرومغناطيسية، باتت تتيح إمكانيات علمية وتكنولوجية جديدة، يعمل مشروع «هارب» على استثمارها إلى أبعد الحدود. ففي أغسطس 1996، لم تخف دراسة معمقة، أشرف عليها رئيس أركان سلاح الطيران الأميركي، الطموحات الأميركية في هذا الصدد. فتحت عنوان «سلاح الجو الأميركي سنة 2025»، لا يستبعد التقرير التلاعب بالمناخ لأغراض استراتيجية وعسكرية، واعتبر أن ذلك التلاعب سيغدو بحلول سنة 2020 عملية «ممكنة تكنولوجيا»، بل عملية «روتينية» سوف تتيح للولايات المتحدة في أفق سنة 2030 القدرة على فرض «رقابة مطلقة على السماء».
غير أن الكثير من التنظيمات البيئية لا تنفك تطلق صفارات الإنذار وتعلن مخاوفها من الانقلاب المحتمل الذي قد يحدثه ذلك المشروع، لأنه وفقاً لتصريحات العلماء المنخرطين فيه، لا يمكن أبداً التكهن بالنتائج الارتدادية التي قد تحدثها إثارة طبقة «الإيونوسفير». أضف إلى ذلك أن الجيش الأميركي نادراً ما يستخدم الاكتشافات العلمية في ما يعود بالخير على الإنسانية، وأن الهاجس الذي يحكم تلك الاكتشافات هو دائماً البحث عن قدرات دفاعية جديدة، تعزز نزعة الاستقواء الأميركي وتضاعف من قدرات جيوشه التدميرية. وقد نلمح في الأخير إلى أنه قد نخشى، أمام ندرة المعلومات التي ترشح عن هذا المشروع، وغياب دراسات تبين الوقع المحتمل لتجاربها الأولى على غلافنا الجوي، أن يكون كوكبنا الأزرق قد أصبح مرة أخرى محل استخفاف أهوج من قبل محترفي الحرب، وانتهاك فض لتوازناته الحيوية.

«مخربو» السماء
إنه لمن المهم التذكير بأن نظام «هارب» ليس النظام الوحيد في العالم الذي يهتم بطبقة «الإيونوسفير»، غير أن ما يميزه عن الأنظمة الروسية والأوروبية المماثلة، هي القدرات الهيرتيزية الموظفة، قدرات لم يتم اختبارها بعد بـ«حجمها الحقيقي».
ولكن كيف لنا تثمين تجارب تجري في الطبقات العليا للغلاف الجوي تعمل على تسخين اصطناعي لإشعاعات يتم إطلاقها من محطة «هارب»؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لمن البساطة بمكان: ليس بإمكاننا التكهن بنتائج هذا التدخل البشري، كما يكون من المتعذر علينا تحديد نتائج انفجار نووي قبل أن تجرى الاختبارات الأولية لهذا الانفجار بـ«حجمه الحقيقي».
وإنه لمن المتوقع أن يلجأ الخبراء العسكريون مرة أخرى إلى الإقلال من خطورة نتائج اختباراتهم، حتى وإن كان بعض الخبراء من أمثال الدكتور ريشار ويليام، قد لفتوا الانتباه منذ بداية التسعينات أنه بإمكان اختبارات من هذا النوع أن تسفر عن نتائج خطيرة، مبرمة ونهائية. هذا.. وإن نتائج هذه التجارب على طبقة الأوزون، على المدى البعيد، تظل مجهولة تماماً.
ويلخص كلار زيكور، مؤسس منظمة «لا.. لهارب» هذه الوضعية، معرباً عن استيائه منذ انبعاث هذا المشروع من استهتار الخبراء العسكريين واستخفافهم بـ«الأنظمة الطبيعية الحيوية»: «يحاول الخبراء الدوس على «الإيونسفير» وانتظار رد فعله، وسوف يسفر ذلك عن ظواهر تكون مباغتة.. هم الآن عاجزون تماماً عن توقعها». فمحطة «هارب» التي تعمل على التصرف في الطبقات العليا للجو، باتت قادرة الآن على توليد الشفق القطبي بطريقة اصطناعية.. وليس تلك سوى البداية، إذ يطمح الخبراء العسكريون إلى إثارة ما يشاؤون من عواصف وتقلبات جوية وموجات جفاف في أي منطقة من العالم تكون محل استهداف أميركي. فليس هذا المشروع حينئذ مجرد سلاح مناخي بصدد التطوير، إذ أن التموجـات ذات التردد المنخفض، يمكن أن تستخدم للتأثير في بعض المتغيرات الأخرى وإكساب الولايات المتحدة أسباب هيمنة مطلقة على العالم.

قدرات مرتقبة
هل يكون مشروع «هارب» السلاح الأخير لمحترفي الحرب؟
إنه لمن المتعذر، ما بين التضليل الإعلامي والتقولات عن مؤامرة عالمية، التطرق إلى التطبيقات المحتملة لمشروع «هارب»، الحال أن الجيش الأميركي لا ينفك يعلن بأعلى الصوت أن الهدف الأول من هذا المشروع هو بكل بساطة دراسة طبقة «الإيونوسفير» وتحسين وسائل الاتصال، وهو الأمر الذي لا يبدو قابلاً للتصديق.. وفي ما يلي، سنحاول ضبط قائمة القدرات المرتقبة لمشروع «هارب» على المستويين المدني والعسكري.
ففي مجال الاتصال، تتيح التموجات الراديوية ذات التردد المنخفض لـ»هارب» اتصالاً غير مسبوق مع الغواصات في عمق المحيط، ولكن أيضاً التشويش على كل أشكال الاتصال الأرضي والبحري أو الاتصال بالأقمار الصناعية في أنحاء كثيرة من العالم. وبمثل هذه الإمكانيات يكون بالإمكان تعطيل الاتصالات لدى العدو وقطعها، مع الإبقاء على فاعلية أجهزة الاتصال الأميركية.
وبواسطة «هارب»، يكون بإمكان وسائل الاستكشاف الجيوفيزيائي رصد الطبقات المنجمية والغازية والبترولية الباطنية، بل أيضاً تحديد مواقع ثروات منجمية تقع على عمق عديد الكيلومترات من سطح الأرض، وذلك لأن التموجات المنخفضة التردد قادرة أكثر من التموجات الأخرى على اختراق أعماق القشرة الأرضية أو المحيطات.
أما عن الجانب التدميري، فبتسخين طبقة معينة من «الإيونوسفير»، يكون بإمكان العسكريين بوساطة الحرارة المرتفعة تدمير أي قمر صناعي أو طائرة أو صاروخ يقتحم مجالاً جوياً محرّماً. كما يكون بالإمكان الإضرار بأنظمة الرادار والملاحة التي تكون بحوزة العدو، وتدميرها بصورة جزئية أو كلية. أما قوة الدفع المتاحة، فبإمكانها أن تكون لها قوة مماثلة لانفجار نووي، على أن الأسلوب المستخدم يكون أكثر سـرية ولكنه قابل للاستخدام بلا حد. ويعتقد البعض أن مشروع «هارب» حين سيبلغ أوج فاعليته، قد يستعمل لتدمير أي كويكب يهدد الأرض، وذلك بتسخينه حد الانفجار.
أما على المستوى المناخي، فحدث ولا حرج؛ فبتغيير البنية الكيميائية للطبقات العليا من الغلاف الجوي، سوف يكون بإمكان «هارب» تغيير الظروف المناخية في أي منطقة محددة من العالم، وبشكل بالغ الدقة. ويتعلق الأمر هنا بتضخيم ظاهرة طبيعية موجودة من قبل أو بإلغاء هذه الظاهرة تماماً. فبتغيير دورة الرياح في الطبقات الجوية العليا مثلا، سيكون بالإمكان أيضاً إرباك دورة «الجات ستريم».
وبالنتيجة، يمكن أن تتحول محطة «هارب» إلى «أداة كونية»، فيها تتجمع وفي جهاز أوحد، كل تقنيات الدفاع والاتصال القادرة على تدمير أي عدو مرتقب.


التحكّم بالإنسان
هل أنه السعي إلى مراقبة أفكارنا؟
لقد بات من الثابت أن إحدى التخطيطات الغامضة لبرنامج «هارب» هو أيضاً استخدام التموجات المنخفضة التردد للتلاعب بسلوكاتنا وأفكارنا.. فمنذ قرابة الأربعين سنة، ضاعف الروس والأميركيون التجارب، يحدوهم الأمل في ترويض الحشود الغاضبة أو إرباك توازن جنود أعداء محتملين. ولا شيء يمنع برنامج «هارب» نظرياً من تحقيق مثل هذه المهمة. إذ يكفي العثور على تردد الأمواج الصحيحة المتفاعلة مع الدورة الكهربائية السارية في خلايانا الدماغية. والدماغ سريع التأثر بالحقول الكهرومغناطيسية الخارجية، قد تستفزه تلك الحقول إلى إفراز مواد كيميائية تسهل إثارة الأعصاب أو الألم.. أو النوم. فبتحقيق حالة من التناغم مع تردد الإفرازات الكيميائية الطبيعية، يمكن أن تتحول «هارب» إلى أداة لإحداث تلاعب ذهني يتعذر رصده. وفي هذا الصدد يتم الحديث عن «أسلوب للمراقبة البيولوجية»، مفهوم ورد في وثيقة رسمية صادرة عن علماء سلاح الجو الأميركي. وفي هذه الوثيقة جاءت أهدافهم المرسومة خالية من كل لبس:
«قبل أن ندرك أواسط القرن الواحد والعشرين، سيكون علم الأعصاب قد شهد ثورة كبرى، ثورة قد تجعلنا نتوقع تطوراً في استخدام الطاقة الكهرومغناطيسية، لتصبح إشارات هذه الطاقة قابلة للدفع والتنسيق والتوجيه، ومتقارنة مع جسم الإنسان بطريقة يمكن أن يجعلها تعيق حركاته العضلية الإرادية، وتراقب انفعالاته وتصرفاته، وتولد لديه حالات من النعاس، وتنقل إليه بعض الإيحاءات، أو أن تتفاعل مع ذاكرته.. ويبدو أنه بالإمكان أيضاً بث خطاب بجودة عالية في جسم الإنسان، يولد لديه إيحاءات ما.. (...)، فيكون هكذا بالإمكان التحدث إلى الخصوم بطريقة تزيد في إرباكهم».
من المتوقع حينئذ أن يلتحق «التحكم العقلي» في مستقبل منظور بترسانة «الأسلحة القاتلة» الأخرى لبرنامج «هارب». فهل تكون هذه الأسلحة، رداً على المخاطر المرتبطة بالإرهاب ومكافحة أعمال الشغب أو اختطاف الرهائن؟ فبرنامج «هارب» يبدو مرشحاً هو الآخر لاختبار مثل هذا المفهوم الجديد لمراقبة الشعوب.

الصحة والكهرومغناطيسية
بقي أن نتساءل عن وقع تلك الذبذبات البالغة الانخفاض على النبات والحيوان والإنسان. يبدو من المفيد هنا التذكير أنه رغم استعمالها منذ عقود، لا يزال من المتعذر تقدير التأثير الذي تخلفه الموجات المنبعثة من هواتفنا النقالة. فإذا كان الأمر كذلك مع هواتفنا النقالة، فكيف لنا أن نتخيل النتائج البعيدة المدى لتموجات قادرة على اختراق القشرة الأرضية أو الغوص في الأغوار السحيقة للمحيط؟ فلو غدا استعمال نظام هارب منتظما في العقود القادمة، سوف نخشى لا محالة من النتائج الناتجة عن بث الملايين من الموجات الكهرومغناطيسية في قلب طبقة «الإيونوسفير»، لأن تلك الأمواج المنخفضة التردد قادرة على اختراق كل الكائنات الحية دون استثناء، والإضرار بها.

الأهداف الحقيقية
بالنتيجة، يبدو أن برنامج «هارب» لا يقتصر على دراسة علمية بريئة لطبقة «الإيونوسفير»، وأنه بعث لتحقيق أهداف محددة بدقة، هي بالأساس أهداف عسكرية واستراتيجية. لذا، فإن استخدام تطبيقاته العسكرية هي التي تجعله يكتسي مثل هذه الخطورة، إذ بات هذا البرنامج يوفر في ذات الوقت سلاحاً مناخياً، وأدوات تشويش على الرادارات في العالم، أداة سبر لخبايا الأرض ووسيلة اتصال بالغة الفعالية.. ولن يكون من المستغرب ألا يقتصر الأمر لدى العسكريين على استعمالاته العلمية فحسب.
وفضلا عن ذلك، ينبغي لنا أن نظل على حال من اليقظة حتى لا نفاجأ باستخدام تطبيقات هذا المشروع كسلاح للتلاعب بالعقول، لأن العقل البشري، وكما هي الحال بالنسبة للنظام البيئي، يخضع هو الآخـر لتأثير الموجات الكهرومغناطيسية، ومتى استخدمت تلك الموجات وفق ترددات مناسبة، يمكن أن تؤثر بنجاعة في تصرفاته وأفكاره وتوازناته البيولوجية.
غير أن التضليل الإعلامي الذي تعمل على إشاعته وزارة الدفاع الأميركية، الخبيرة في المكر وفي خلط الأوراق، يجعلنا غير قادرين على التمييز بين ما هو نظري والمقاصد الحقيقية البعيدة المدى للدولة الأميركية.

برامج هتلر السرية
تذكر الدراسات التاريخية أن الزعيم النازي أدولف هتلر، كان أول من فكّر وسعى في العصر الحديث، إلى وضع برامج سرية لتطوير تكنولوجيا عسكرية فتّاكة. ومن تلك الأسلحة، رشاشات تطلق الأشعة السينية ومدافع صوتية وسيارات لاند كروزر متطورة.
وكشفت مجلة Weapons of WWII «أسلحة الحرب العالمية الثانية» في عددها الصادر خريف 2015، عن مجموعة من الأسلحة النازية المتطورة مثل القنبلة Fritz X التي تعتبر الجيل الأول من القنابل الذكية التي تستخدم حالياً في المعارك الحربية وعمليات القصف، إلى جانب قنابل تتصل بالراديو وتحمل قدراً ضخماً من المتفجرات تصل إلى 20 ألف قدم.
وهناك أيضاً الطائرة القادرة على حمل 2000 رطل من الأسلحة والانتقال بسرعة تصل إلى 600 ميل بالساعة على ارتفاع يصل إلى 49 ألف قدم فوق سطح الأرض.
وصمم مهندسو الحقبة النازية بألمانيا أول طائرة Stealth بمحركين في العام 1944، وكلف ذلك المشروع خزينة الجيش أكثر من نصف مليون مارك في عهد الرايخ.
وتوصل النازيون إلى ابتكار دبابات صغيرة الحجم تبدو مثل الخنافس تعمل إما بمحرك كهربائي، أو بالوقود وكانت مهمتها، إما البحث والكشف عن الألغام أو تفجير دبابات العدو.

المناخ.. الضحية
يقول الدكتور كولن سامرهايس رئيس جمعية تكنولوجيا ما تحت الماء وزميلٌ فخريٌّ في معهد سكوت للبحوث القطبية في جامعة كامبريدج ـ إنجلترا، إن الأخطار المحدقة بالمناخ العالمي تتضاعف يوماً بعد يوم، بسبب عوامل كثيرة، منها التدخلات التكنولوجية العملاقة، التي تجريها الحكومات.
ويعتبر سامرهايس، إن هناك مشكلة تعتري العلاقة بين وكالات الأرصاد الجوية التي تقيس تغيّر المناخ والوكالات المسؤولة عن الرعاية الصحية. ويدعو في هذا الإطار إلى تعاون إقليمي ودولي.
ويعطي مثالًا على الأخطار المقبلة، بما قام به مجلس القطب الشمالي، وهو هيئةٌ حكوميةٌ دوليةٌ نفذت في عام 2005 تقييماً حول تأثير المناخ في القطب الشمالي. وهدفَ التقييم إلى معرفة التغيّرات في صحة السكان من رعاة قطعان الرنة وشعب الإسكيمو، وكذلك على الحيوانات مثل الدببة القطبية، بسبب تركّز الملوثات الناتجة عن صناعاتٍ مختلفةٍ.
ورغم كل التحذيرات المتعلقة بالمناخ العالمي، فإن حكومات كثيرة تضرب عرض الحائط بالأخطار المحدقة، ولا تتخذ الإجراءات الكافية لوقف الإساءات للطبيعة، والحد من تأثير البرامج السرية على حاضر ومستقبل الطبيعة والبشرية.

................................................
هامش:
(*) نشر هذا المقال على الموقع الإلكتروني:
https:/‏/‏chocverite.jimdo.com/‏2017/‏01/‏16/‏dossier-haarp/‏