منى الحمودي (أبوظبي)

امتلك المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، رؤية استشرافية عميقة لطبيعة دور القوات المسلحة تتجاوز بكثير المهام العسكرية والدفاعية إلى المهام الإنمائية والإنسانية، بل إنه -طيب الله ثراه- كان يراها الأقدر على إعداد أبناء الوطن وتأهيلهم جسدياً وذهنياً وتربوياً وثقافياً، وأنها بحق «مصنع الرجال»، بما تمتلكه من مؤسسات وخطط تدريبية وعلمية وأكاديميات متطورة تسهم في بناء الكوادر المواطنة وتأهيلها، كي تكون قادرة على قيادة مسيرة التنمية والدفاع عنها، وتوفير ما تحتاج إليه من خبرات بشرية وإدارية وتخطيطية، بحكم أن المؤسسة العسكرية قائمة بالأساس على مقومات وركائز وعوامل تؤهلها للعب هذه الأدوار وأداء هذه المهام الوطنية.

لاشك أن نجاح تجربة الخدمة الوطنية والاحتياطية في الإمارات خير شاهد على عمق الرؤية الاستشرافية للشيخ زايد، طيب الله ثراه.

مصنع الرجال
وحرصت دولة الإمارات -منذ عهد المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، وحتى وقتنا الراهن- على تسخير الإمكانات والموارد كافة لتعزيز دور القوات المسلحة، باعتبارها ركيزة القوة الشاملة للدولة، التي تقوم بحماية المنجزات وتصون المكتسبات، حيث توجد علاقة قوية بين بناء القوة العسكرية ودعم وتوسيع مجالات التنمية، باعتبار أنهما الضمانة الحقيقية لتوازن مسيرة النهضة الشاملة والتنمية المستدامة.
وقد أثبتت القوات المسلحة الإماراتية أنها مصنع الرجال ومدرسة الانتماء وساحة التضحية والفداء بكل غالٍ ونفيس من أجل الوطن؛ ولهذا تعد دعامة أساسية من دعائم الوحدة والتنمية في الدولة.
إن توحيد القوات المسلحة بمنزلة اللّبنة التي أكملت البناء الاتحادي، وعزّزت قواعده، والشاهد على بعد نظر القادة المؤسّسين، وعلى رأسهم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي حرص، منذ بداية تجربة الاتحاد، على تحقيق هذا الهدف بما ينطوي عليه من تعميق لفكرة الوحدة، وتكريس لمعاني الوطنيّة والانتماء إلى الأرض والولاء للوطن والقيادة في عقول المواطنين وقلوبهم، ليس فقط لأنها تربط أبناء الإمارات برباط مقدس هو رباط الدفاع عن الوطن وبذل الروح والدم في سبيله، وإنما أيضاً لأنها تعزز من الوحدة الوطنية، وتقوي من أواصر التلاحم والتماسك الوطني.

توحيد القوات المسلحة
كان قرار توحيد القوات المسلحة تعبيراً صادقاً عن الإيمان بالأمن الوطني الواحد الذي لا يتجزأ، وبأن الوحدة هي الضمان الأساسي لتحقيق هذا الأمن واكتساب القوة والمنعة، حيث ربط هذا القرار التاريخي بين أبناء الوطن برباط الواجب المقدس، وعزز من مفهوم الهوية والانتماء إلى الأرض الواحدة والشعب الواحد في مواجهة التحديات الواحدة.

تطوير القوات المسلحة
كانت رؤية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مستشرفة المستقبل حين ارتأى ضرورة توحيد القوات المسلحة؛ ولذلك جاءت مقولته الشهيرة في السابع من مايو عام 1976 «إن بناء القوات المسلحة في أي بلد، إنما هو عمل عزيز على أبنائه، ومن هذا المنطلق دعتنا الحاجة الماسة، للعمل على دمج قواتنا المسلحة في دولة الإمارات العربية المتحدة». وبعد إنجاز المهمة وتحققها على أرض الواقع، قال القائد المؤسس في السادس من مايو 1988: «لقد كان قرار توحيد القوات المسلحة.. تحت علم واحد، وقيادة واحدة، قراراً تاريخياً تحقق به نشر الأمن والطمأنينة في نفوس المواطنين، تحقيقاً لاستقرار دائم لا تنمو بدونه شجرة التنمية والتقدم والرفاهية، وصولاً لمجتمع الكفاية والعدل».
لقد بذلت دولة الإمارات العربية المتحدة في عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، كل ما في وسعها، في سبيل تطوير القوات المسلحة، حماية للوطن، وجعلها ذخراً وسنداً للدولة وأشقائها، كما دعمت الدولة قوات الشرطة لتوفير الاستقرار والطمأنينة في أرجاء البلاد.

القوات المسلحة.. تاريخ من التضحيات
من أقوال المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لأبنائه في صفوف القوات المسلحة: «إن دولتكم، دولة الإمارات العربية المتحدة، يا أبنائي سخرت ما أفاء الله عليها من خير، في خدمة الإنسان على أرضها.. لقد تحملتم أنتم مسؤولية شاقة، فأنتم درعها الواقية، وحصنها الأمين، فعليكم تقع مسؤولية حماية هذا الخير.. والمسؤولية هنا هدف أساسي لابد أن يكون واضحاً أمامكم، مسطوراً في قلوبكم».

قيم التضحية والفداء
لقد غرس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، قيم التضحية والفداء لدى أبطال القوات المسلحة، الذين لا يهابون الموت، ويقدمون أرواحهم فداء للوطن، لكي تظل رايته مرفوعة خفاقة في ميادين الحق والواجب. أما مقولته الخالدة «النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي»، فليست بعيدة عن معاني التضحية والفداء التي بثها المغفور له الشيخ زايد في قلوب أبنائه بالقوات المسلحة، بل هي امتداد لهذه المعاني الخالدة على الصعيد القومي العربي، بأن الدفاع عن الأوطان يتطلب التضحية بكل غالٍ ونفيس، حتى لو كانت أرواح الجنود في ساحات الحق والواجب. لقد قدم العديد من أبطال قواتنا المسلحة أرواحهم الطاهرة دفاعاً عن وطننا الحبيب، ففي عام 1971 صعدت روح الشهيد سالم بن سهيل بن خميس إلى بارئها، ليسجل اسمه في التاريخ كأول شهيد إماراتي.


وفي اليمن الشقيق ومنذ مشاركة الإمارات في عملية عاصفة الحزم دفاعاً عن الحق والشرعية، كان استشهاد العشرات من أبطال قواتنا المسلحة، تأكيداً على أن تضحيات أبناء الإمارات لا تتوقف سواء للدفاع عن وطننا الغالي أو لنجدة الأشقاء والوقوف بجانبهم في أوقات المحن والأزمات. وقدم المواطنون الإماراتيون، في كل إمارات الدولة، ملحمة حقيقية في الانتماء الوطني العميق، والولاء المطلق للقيادة والاستعداد للتضحية بكل غالٍ ونفيس في سبيل الدفاع عن دولة الإمارات العربية المتحدة وجعل علمها خفاقاً في الآفاق.

عاصفة الحزم مناسبة فارقة
وإذا كان وفاء شعبنا لقيادته ووقوفه وراءها في كل المواقف وإيمانه بأن كل قراراتها وسياساتها من أجل مصلحة الوطن ومواطنيه، هي من السمات الراسخة لدولة الإمارات العربية المتحدة منذ نشأتها، فإن تضحيات شهدائنا الأبرار على أرض اليمن، كانت مناسبة فارقة للتعبير عن هذا الوفاء والتأكيد عليه أمام أعين العالم كله، حتى غدت الإمارات محط تقدير وإعجاب العالم بما أظهره شعبها من تلاحم مع قيادته وولاء لها.
وبقدر ما تكون التضحيات يكون التقدير والتكريم، هكذا تعلمنا في مدرسة زايد الخير، التي تسير على نهجها القيادة الرشيدة في الإمارات، والتي من بينها مبادرة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بجعل الثلاثين من نوفمبر من كل عام يوماً للشهيد، لتؤكد على الفخر والاعتزاز بتضحيات شهداء الإمارات الأبطال، والاحتفاء بهم سنوياً، ليكونوا القدوة والنموذج والدليل على أصالة هذا الشعب الأبي.

مدرسة الوطنية
سعى القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لتوظيف جميع الموارد لخلق مواطن يشعر بالانتماء والولاء للوطن وقيادته، وذلك باهتمامه بعناصر المواطنة، التي تعمل لتشكيل شبكة من العلاقات الاجتماعية لأبناء المجتمع ليكونوا متلاحمين، ولديهم انتماء وولاء للوطن، وموجهاً من داخله إلى جذوره في المجتمع والوطن، حتى بات زايد صاحب مدرسة فريدة من القيم والمبادئ الوطنية، التي تمثل مصدر إلهام متجدد، يتعلم منها أبناء الوطن جميعاً كيف يكون الولاء والانتماء والتضحية بكل غالٍ ونفيس هي أسمى الغايات التي ينبغي التمسك بها والعمل من أجلها.

على نهج زايد يسير الأبناء
لقد علَّمنا المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أن حب الأوطان لا يمكن أن يبنى بالكلام ولا بالشعارات ولا بالأمنيات أو الطموحات، وإنما بالأفعال والعطاء والتضحيات.
كان نهج زايد، طيب الله ثراه، التضحية والعطاء، وسار على نهجه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وهو نهج راسخ وثابت يعكسه أبناء الإمارات بقيمهم الأصيلة في البذل والتعاون لأجل خدمة الوطن.


ومن فكر ورؤية زايد استلهم أبناء الإمارات، أبناء زايد الخير، الوفاء والانتماء لهذا الوطن والتضحية من أجله، وأينما توجهنا في ربوع الدولة نجد أبناء الإمارات من الجنسين يعملون بكل جد وإخلاص في مختلف الميادين والقطاعات، يردون الجميل لهذا الوطن العزيز بعطائهم وتضحياتهم في سبيل رفعته والذود عنه، وهم حريصون كل الحرص على استمرار مسيرة الوطن نحو المستقبل بكل أمل وطموح.
وفي الصورة المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، يشهد حفل تخريج إحدى الدفعات من كلية زايد العسكرية في العام 1972م.