صحيفة الاتحاد

دنيا

كريمة المرزوية.. راوية البخاري وأم الكرام

أحمد مراد (القاهرة) - كريمة المرزوية، فقيهة وعالمة فاضلة، أطلق عليها المؤرخون لقب «أم الكرام» لدورها الكبير في خدمة الإسلام وعلومه، جاورت المسجد الحرام في مكة، ورحلت في طلب العلم مع والدها، وعاشت حياتها تحفظ وتروي وتتعلم وتُعلم، وتتلمذ على يدها كبار الفقهاء في عصرها، ووصفت بأنها كانت محدثة فاضلة ذات فهم ونباهة، وإليها انتهى علو الإسناد لصحيح البخاري، حيث اشتُهرت برواية صحيح البخاري وإسماعه، فارتبط اسمها باسم صحيح البخاري، فلا يكاد أحد يترجم لها إلا أشار إلى ذلك.
وفاتها
هي كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم المروزية، وخرج بها أبوها إلى بيت المقدس، وعاد بها إلى مكة، وماتت بعد أن بلغت المئة من عمرها. قال ابن نقطة: نقلت وفاتها من خط ابن ناصر سنة خمس وستين وأربعمئة. قلت: الصحيح موتها في سنة ثلاث وستين، وقال عبدالعزيز بن علي الصوفي: سمعت بمكة من مخبر بأن كريمة توفيت في شهور هذه السنة.
وقال أبوجعفر محمد بن علي الهمداني: حججت سنة ثلاث وستين فنعيت إلينا كريمة في الطريق، ولم أدركها. وقد ماتت بكرًا لم تتزوج أبدًا.
وكانت رحمها الله تعالى تتحيّن موسم الحج الذي كان ملتقى للعلم والعلماء من أجل تلقِّي العلوم من أفواه العلماء حتى بلغت درجة عالية من العلم والفَهم والنباهة وحدّة الذهن بحيث ترحَّلَ إليها أفضل العلماء، وعُقد لها مجلس بمكة المكرمة تجتمع فيه بالطلبة والأفاضل من رجال كل علم، وكان أكثر مَيْلها إلى الحديث، حتى بلغت فيه حدّاً لم يبلغه غيرها.
السبع أوراق
وتلقت أم الكرام علوم الفقه من كبار الفقهاء والعلماء أمثال زاهر بن أحمد السرخسي، وعبدالله بن يوسف بن بامويه الأصبهاني، وسمعتْ من أبي الهيثم الكشميهني صحيح البخاري، وقد روت “الصحيح” مرات كثيرة، مرة بقراءة أبي بكر الخطيب في أيام الموسم. قال أبوالغنائم النرسي: أخرجت كريمة إلي النسخة “بالصحيح”، فقعدت بحذائها، وكتبت سبع أوراق، وقرأتها، وكنت أريد أن أعارض وحدي، فقالت: لا حتى تعارض معي. فعارضت معها. قال: وقرأت عليها من حديث زاهر.
وكانت ــ رحمها الله ــ من المحدثات الشهيرات، بل هي من شهيرات النساء عموماً، وتلقى عنها الحديثَ جماعةٌ من الأعلام الكبار، منهم: الحافظ الخطيب البغدادي، صاحب تاريخ بغداد، وإمام علوم الحديث، والذي قيل عنه: كل من جاء بعده عيال على كتبه في علوم الحديث، كما تلقى الحديث عنها أبو عبدالله محمد بن نصر الحميدي، وأبوالمحاسن المصري المؤرخ المعروف، والحافظ السمعاني المحدث والنسابة المشهور، والحافظ أبوطالب الحسين بن محمد الزينبي، وأبوالغنائم النرسي، ومحمد بن بركات السعيدي، وعلي بن الحسين الفراء، وعبدالله بن محمد بن صدقة بن الغزال، وأبوالقاسم علي بن إبراهيم النسيب، وآخرون.
أعلام
وترجم لها الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء، فقال: “الشيخة، العالمة، الفاضلة، المسنِدة، أم الكرام، كريمة بنت أحمد ابن محمد بن حاتم، المروزية، المجاورة بحرم الله. وكانت إذا روت قابلت بأصلها، ولها فهم ومعرفة مع الخير والتعبد”. وقد ترجم لها جماعة من المؤرخين، منهم ابن الأثير في الكامل، وابن الجوزي في المنتظم، وابن كثير في البداية والنهاية، وابن العماد في شذرات الذهب، والزركلي في الأعلام، وغيرهم. وقال أبوبكر بن منصور السمعاني: سمعت الوالد يذكر كريمة، ويقول: وهل رأى إنسان مثل كريمة.
ولم تفرط ام الكرام في منهجها، لذا لم تقبل أن ينتسب إليها أبوبكر الخطيب في روايته للصحيح دون أن يقابل معها نسختها نسخته، وذلك بأن تقرأ عليه، ثم يقرأ عليها، وهي في خدرها من وراء حجاب، وقد بذلت جهدا كبيرا في سماعها للخطيب فقد قرأ عليها في خمسة أيام.