الاتحاد

دنيا

تركيا بين سندان الحداثة ومطرقة التقاليد


اسطنبول ـ سيد عبد المجيد:
في سيواس وسط شرق الأناضول، رأى عبد الرحمن كايا، في منامه أن زوجته تخونه فما كان منه إلا أن قام من نومه، وقتلها ذبحا أمام أطفاله، والغريب أن تحريات البوليس لم تثبت أي شيء يخدش سلوك الضحية·
شخص آخر اتصل بهيئة الرقابة على التليفزيون شاكيا إحدى القنوات التليفزيونية لأنها أظهرت في أحد الإعلانات عن المنتجات الألبانية وبشكل ملفت ثدي بقرة وهذا لا يليق بالأخلاق والقيم المتعارف عليها في المجتمع وطالب في شكواه بمعاقبة القناة التليفزيونية لجرأتها وذلك بحجبها يوما عن البث·
بلاغ مثير عن أتوبيس لنقل الركاب جاء إلى إحدى مديريات الأمن، وبسرعة تحركت قوة، ولم تمض دقائق إلا وكانت في مكان الحادث، تم ضبط الأتوبيس موضع البلاغ وبصعوبة بالغة حالت قوة البوليس بين السائق والمتجمهرين الذين كادوا يفتكون به، وتبين أن السائق، يدير في الحافلة شبكة لممارسة الفجور، وعندما سأله المحقق وقد ظهرت عليه علامات الغضب والاشمئزاز: قال إنني أحاول أن أقدم متعة للركاب في رحلتهم الطويلة!
لماذا لا تكوني مثلهن؟
في انطاليا الساحلية على البحر المتوسط ثار رجل بالغ من العمر 68 على زوجته قائلا لها وفي عبارات جارحة: لماذا لا تكوني مثل 'المانيكانات'؟ ثم انقض عليها بالضرب المبرح، الطريف أن الرجل على ما يبدو نسي عمر الزوجة الذي بلغ نحو 72 سنة·
ومن المشاهد التي تبدو غريبة على القادمين إلى تركيا، أن المرء حين يذهب إلى مقر لإحدى شركات الأتوبيس الخاصة بنقل الركاب بين الأقاليم، وقد لا يكون ملما بتقاليد المجتمع، فسوف يجد الموظف، يسأله رجل أم سيدة، بالطبع الموظف لا يقصد الاستهزاء، فقد يكون هذا الرجل الواقف أمامه لا يريد التذكرة له شخصيا فربما هدفه ابتياع واحدة لزوجته أو ابنته أو شقيقته أو حتى صديقته· لكن للسؤال حكمة غير هذه، فالسيدة التي تركب الأتوبيس بمفردها لا يجلس على المقعد المجاور لها سوى سيدة مثلها تكون بمفردها، وإذا فرض وأن الأتوبيس محجوز بالكامل ولم يبق فيه سوى مقعد واحد فيمكن للأتوبيس أن يبدأ رحلته رغم وجود من يريد شراء تذكرة والسبب أن الجميع رجال وهكذا يظل المقعد شاغرا طوال الرحلة وهذا العرف لا يقتصر على نوعية محددة من الشركات فجميعها سواء كانت فاخرة أو متوسطة لابد وأن تلتزم بهذا العرف·
وقد يحدث خطأ غير مقصود من الموظف فيحجز مقعدا لرجل وينسى أن المقعد المجاور لسيدة، وعندها لا بد من إصلاح الخطأ فورا، وغالبا ما يوافق الرجل برضى وقناعة على النزول من الحافلة منتظرا أخرى سوف تتحرك بعد ساعة أو ساعتين·
'أمينتي'·· أودى بحياته!
Eminem اسم يطلق على السيدات وهو تصغير لأسم أمينة، ويعني أمينتي، المهم أن هذا الاسم أودى بحياة شاب لم يتجاوز عمره الثالثة والعشرين، فقد تصادف أن مر رجل في أحد الشوارع التجارية باسطنبول، وتوقفت عينه على تي شيرت في فترينة محل كتب عليها اسم Eminem، وعندها استشاط الرجل غضبا ودخل المحل يسب ويلعن كيف تكتبون اسم أمي على تي شيرت، فيما البائع الشاب يحاول عبثا أن يقول أن الاسم لمطرب شهير، إلا أنه لم يقتنع وبسرعة أخرج مسدسه لتنطلق منه رصاصة وتستقر في قلب الفتى!
بحكم قانون القيافة في أماكن العمل لا يحق للموظفة ارتداء البنطلون لكن في السنوات الأخيرة تم التغاضي عن هذا القيد وعرفا بات مسموحا للموظفات ارتداء البنطلون، ويبدو أن معظم النساء هنا ولدواعي الحشمة والاعتدال يفضلن طريقة الملبس هذه· لكن بعض الفتيات يرتدين الملابس القصيرة مما يخلق لهن مشكلة عند الجلوس، لكن الحيلة لا تنقصهن، إذ وجدن الحل في حقائب اليد بوضعها على الساقين وبعضهن يضعن منديلا (إشارب) داخل الحقيبة معد خصيصا للغرض نفسه، وثمة وظيفة أخرى للحقيبة فساعة اللزوم تحجب الصدور إذا كان هناك ما يدعو الفتاة للالتقاط شيء ما وقع منها على الأرض، مع ذلك فالمعاكسات هنا سواء كانت فجة أو غير فجة والتعليقات أيا كان نوعها أمور نادرة الحدوث بل وتعتبر من الكبائر!
أما عن السبب الذي يجعل الفتيات يفعلن ذلك، الإجابة أنه حياء الانثى فكيف يمكنها التخلص من قيم وتقاليد صارت في الدم·
قبل الزواج·· ممنوع
قد تجد فتاة منهن تتأبط ذراع صديق لها في أحد الميادين العامة وربما شعرت بيده تتلمس خصرها، لكن لا أكثر من ذلك، إلا بالذهاب إلى إمام خطيب (أي الزواج على سنة الله ورسوله) ثم مقر البلدية لعقد القران الميمون·
ومن ثم لم يكن في الأمر غرابة أن نجد في نتائج أحد الاستطلاعات أن 80 % من العينة التي شملها الاستطلاع وكلهن نساء يعشن في مدينة اسطنبول رفضن مبدأ أن تكون هناك حياة جنسية قبل الزواج، ونفس النسبة رفضن أيضا رد خيانة الزوج بالخيانة· وفي استطلاع آخر شمل الشباب شدد 88 % على أهمية عذرية عروس المستقبل، وأنهم لا يقرون العيش المشترك دون زواج، فهذا لا تقره المعتقدات الدينية التي تلعب دورا كبيرا في حياة المرء الجنسية بقدر ما تلعبه في مجالات الحياة الأخرى·
بين العرف والقانون
القانون التركي يجرم القتل من أجل الشرف والرجل الذي يقتل زوجته إذا وجدها في الفراش مع رجل آخر توجه له تهمة القتل مع سبق الإصرار والترصد·· كل هذا صحيح لكن ما يحدث في أرض الواقع شيء آخر تماماً· فالرغبات مكبوتة، محاطة بقيود شديدة الصرامة، وتلك ليست مدونة أو مؤطرة في قوانين وإنما هي العادات والأعراف· وبيوت الرذيلة مرخصة (في المدن الكبيرة فقط) أما في عمق الأناضول لا مكان لها· أما الأماكن غير المرخصة فهي عرضة لمداهمات بوليس الآداب· وهنا تكون الفضيحة بجلاجل، فالكاميرات التليفزيونية غالبا تأتي مع مداهمات البوليس، وهكذا يجد متسول المتعة نفسه على شاشات التليفزيون الذي ينتهز الفرصة ليعيد ويزيد صوت وصورة 'وكل من يشتري يتفرج' وفي أحيان لا يجد البعض مفراً سوى أن يضع حدا لحياته فسمعته باتت في الوحل!
في المدن الكبيرة فقط هناك دوريات 'خلاعية' تجدها عند باعة الصحف والمجلات ولكنها منزوية في الأركان حيث يلتقطها الراغبون وهم يشعرون بالخجل من نظرة البائع، ورغم الانترنت وما يحتويه، إلا أن أسعارها هي نار الله الموقدة· وفي هذه الحالة قد يشترك اثنان أو أكثر لشراء واحدة كل واحد يحتفظ بها لمدة يوم وفي اليوم التالي يسلمها لصديقه وهكذا·
في بعض المدن قد تكون هناك دار عرض سينمائي متخصصة في أفلام خلاعية، الإشارات على واجهة الدار مقتضبة توضح بكلام فقط، وفي الداخل لقطات مصورة وقد وضعت شرائط سوداء أحيانا تخفي اسم الفيلم الذي سيدار بواسطة ببوبينات خلت من مجسم الصوت رديئة الصنع وبطبيعة الحال لا يهم اسم الفيلم أو حتى المشاركين فيه، وغالبا ما تكون دار العرض مكمورة وكأنها قبر تفوح منه رائحة أنفاس تتراكم وتحاول عبثاً أن تجد منفذا لها وكأن نظام التهوية لم يخترع بعد· ولإحساس كل من يرتادها وكأنه يفعل الخطيئة يشعر أن الجميع ينظرون إليه ويمطرونه في صمت باللعنات ومن المستحيل أن تجد فتاة أو سيدة تقف أمام دار العرض هذه حتى ولو من باب الفضول أو المعرفة·
هكذا يبدو الجنس تابو 'قدس الأقداس'، صحيح أن مساحات الحرية قد تبدو من الوهلة الأولى واسعة إلا أنها لا تتعدى المظهر في معظم الأحيان، أما الجسد فهو محاط بتلال من قيم وعادات الأناضول، وبما أن الجميع له جذور في عمق الأناضول فليس هناك فرق بين هؤلاء الذين يعيشون في المدن الكبيرة وهؤلاء الذين يسكنون في أحضان الأقاليم·

اقرأ أيضا