صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

العمالة الوافدة لا تزال تعاني فخ «الاستغلال الممنهج» في قطر

دينا محمود (لندن)

في ضربةٍ قاصمة لحملات التضليل الواسعة التي أطلقها النظام القطري على مدى الشهور الماضية للترويج لإصلاحاتٍ مزعومة أدخلها على نظام العمل لديه بهدف تخفيف وطأة الانتقادات اللاذعة التي يواجهها في هذا المجال، أكد تقرير دولي جديد أن العمال المهاجرين الذين يشاركون في تشييد المرافق التي تستضيف بطولة كأس العالم لكرة القدم التي يُفترض أن تستضيفها قطر عام 2022، لا يزالون يتعرضون لعمليات «استغلال» منهجية.
ويوحي استخدام مصطلح «منهجي»، أن الانتهاكات التي تتعرض لها العمالة الوافدة، والتي تثير غضباً دولياً واسع النطاق منذ سنوات، تتم بعلم السلطات القطرية، وربما بإشرافها وليس بعيداً عن أنظارها، كما يشير ضمناً إلى أن المعاناة التي يكابدها العمال الأجانب هناك، لا تشكل حوادث فردية وإنما تعبر عن سياسة متبعة ومعتمدة كذلك. ونقلت صحيفة «الجارديان» البريطانية عن تقرير أعدته منظمة العفو الدولية قوله: «إن العمال المهاجرين الذين يشيدون الملاعب الرياضية من أجل إقامة كأس العالم في قطر، لا يزالون محاصرين في حلقة خبيثة من الديون والاستغلال»، في مؤشرٍ واضح على ضآلة الأجور التي يتقاضاها أولئك العمال.
وأشارت الصحيفة في تقريرٍ إلى أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) يتعرض لضغوطٍ من جانب مجلسه الاستشاري، لاتخاذ إجراءاتٍ على صعيد مواجهة نظام «الكفالة» سيئ الصيت، الذي ينظم وضع العمالة الوافدة في قطر، والذي يعتبر الكثيرون أنه أقرب إلى «العبودية الحديثة»، أو «العمل القسري». وأشار المجلس إلى أن مسؤوليات «الفيفا» ينبغي أن تتجاوز مجرد بناء الملاعب الرياضية، لتشمل البنية التحتية الأوسع اللازمة لتنظيم كأس العالم 2022. كما طالب بـ «معلوماتٍ أكثر تفصيلاً بشأن الوفيات خارج نطاق العمل ذات الصلة بالبطولة».
ومن بين الأعباء المفروضة على العمال الأجانب في قطر بفعل اتباع هذا النظام الجائر، كما كشف التقرير كون ثلثا هؤلاء العمال دفعوا «رسومَ توظيفٍ مُبالغاً فيها أو غير قانونية» من الأصل. وكشف النقاب في دراسة شملت 414 عاملاً نيبالياً في قطر، عن أن 88% منهم دفعوا هذه الرسوم إلى وكلاء توظيف خارج البلاد. وقيل إن تلك الرسوم كانت «باهظة إلى حد أن غالبية العمال اضطروا لاقتراض أكثر من نصفها، من المرابين الذين يعيشون في قراهم، ما جعلهم مديونين».
ويشير إجراء المنظمة الحقوقية الدولية لهذه الدراسة، إلى الصعوبات التي تواجه جهود التحقق من حقيقة أوضاع العمالة الأجنبية في قطر على الأرض، في ظل عراقيل بلغت حد إسكات ألسنة من يجرؤ من هؤلاء العمال، على كشف حقيقة المعاملة المهينة التي يلقاها وزملاؤه، من قبيل ما حدث في سبتمبر الماضي عندما تم فصل عامل نيبالي روى تفاصيل معاناته لوفدٍ أمميٍ زار الدوحة، لتفقد أوضاع العمال الأجانب هناك. وبرغم هذه القيود والعراقيل فقد سبق أن وثقت صحفٌ عالمية عام 2015 وفاة نحو ألف عامل تقريباً من العمال المشاركين في تهيئة البنية التحتية الخاصة بكأس العالم 2022. وقبل ذلك بثلاث سنوات، أُميط اللثام عن أن عام 2012 وحده شهد وبحسب أرقام الحكومة القطرية نفسها وفاة 520 عاملاً من الهند وبنجلاديش ونيبال، من بينهم 385 توفوا لأسبابٍ لم تكشف عنها السلطات في الدوحة. كما أشارت وسائل الإعلام العالمية إلى ارتفاع معدل الوفيات بين العمال النيباليين بشكلٍ خاص، الذين تبين أنهم يلقون حتفهم في قطر بمعدل عاملٍ واحد كل يومين.
وفي تقريرها الأخير، قالت منظمة العفو الدولية: إن 53% ممن شملتهم دراستها المسحية، قالوا إنهم يحصلون على رواتب شهرية أقل مما وُعِدوا به من جانب وكلاء التوظيف الذين فاتحوهم في العمل في قطر في بادئ الأمر، وارتبطوا معهم بعقودٍ في هذا الصدد. ونقلت «الجارديان» عن جيمس لينش نائب مدير برنامج القضايا العالمية في «أمنستي» قوله: «إن العمال النيباليين المهاجرين يُوضعون في شِراكٍ على نحو منهجي وبلا رحمة». وأوضح أن هؤلاء العمال «يُجبرون على الاستدانة من أجل دفع الرسوم الباهظة لوكالات التوظيف، تلك التي تحصل على أموالٍ منهم من أجل تشغيلهم في الخارج».
وأشار المسؤول الحقوقي الدولي إلى أن ذلك يؤدي إلى أن يصبح أولئك العمال المهاجرون «مدينيين بشدة، ما يجعلهم بلا خيارٍ آخر سوى البقاء في وظائف، يتبين أنها خطرة أو يحصلون فيها على رواتب متدنية». ويبدو أن السلطات القطرية تستبيح حقوق مثل هؤلاء العمال البؤساء، لإدراكها أنهم جاءوا من دولٍ فقيرة لن تستطيع الدفاع عنهم أو تدرأ عنهم ما يتعرضون له من انتهاكات، وهو ما يشير إليه لينش ضمناً بقوله إن ضعف قدرة الحكومة النيبالية على تطبيق القانون يصب مباشرة في صالح المرابين ومبتزي الأموال.
ونسبت الصحيفة البريطانية إلى المسؤول البارز في «أمنستي» تأكيده على أنه غالباً ما ينتهي المطاف بالعمال الأجانب - في قطر بطبيعة الحال- إلى وضعٍ «يدمر أرواحهم، ويتمثل في أنهم يعملون في الخارج لسنواتٍ، فقط لتسديد الرسوم الباهظة التي دفعوها للحصول على وظائفهم، والتي تكون في الأغلب غير مشروعة». وشدد في ختام التقرير على أن مواجهة «صناعة الاستغلال هذه يشكل «مسألة عاجلة».
ويأتي هذا التقرير، ليؤكد المخاوف التي عبرت عنها المنظمة نفسها قبل أقل من شهرين، عندما وقع النظام القطري اتفاقاً مع منظمة العمل الدولية، زعمت الدوحة أنه يمهد الطريق أمام إجراء إصلاحات حقيقية في أوضاع العمال الأجانب الموجودين في أراضيها المعزولة خليجياً وعربياً، إذ سارعت المنظمة في ذلك الوقت للتأكيد على أنها ترحب «بشكلٍ مشوبٍ بالحذر» بهذا الاتفاق، وشددت على ضرورة أن تنفذه الحكومة القطرية بالكامل. وأشار مسؤولو المنظمة إلى أن الإجراءات التي سيقوم بها النظام القطري في الفترة المقبلة هي التي ستحدد ما إذا كان هذا التوقيع يمثل تغييراً حقيقياً أم لا.
ولم يفت أولئك المسؤولون الإشارة إلى السجل الأسود للدوحة في التضليل والخداع، قائلين إنها زعمت في وقت سابق أنها «ألغت نظام الكفالة في حين تركت بنوداً أساسيةً كما هي، (ما) يعني أن العمال (الأجانب) لا يمكنهم مغادرة البلاد أو تغيير العمل من دون إذن أصحاب العمل». ومن هذا المنطلق، يؤكد صدور التقرير الجديد - بما تضمنه من إشارة إلى قضايا أخرى كبيرة ما تزال تشوب نظام العمل في قطر - صحة ما توقعه كثيرٌ من المراقبين من أن توقيع النظام اتفاقه الأخير مع منظمة العمل الدولية، لم يكن سوى محاولةٍ منه لتجنب صدور قرارٍ من اجتماع المنظمة الذي عُقد الشهر الماضي بتشكيل لجنة تحقيق رسمية لبحث فشل الدوحة في المعالجة الفعالة لمشكلة العمل بالسخرة، وهو ما كان سيشكل إحراجاً كبيراً لها.