صحيفة الاتحاد

تقارير

اللاجئون والغذاء.. فجوة تتسع

فرت خديجة عبدي قبل ثمانية أعوام من قتال وفوضى أوديا بحياة والدها وشقيقها في الصومال إلى مخيم ملكاديدا للاجئين بإثيوبيا، وعبرت الحدود لتصل إلى هذا المكان الواقع جنوب إثيوبيا، الحياة ليست سيئة في المخيم، فقد تحولت الخيام بالتدريج إلى ما يشبه الأكواخ، وهي تشعر بالأمان وابنتها تذهب إلى المدرسة، لكن المشكلة تتمثل في عدم توافر ما يكفي من الطعام.
وأكدت خديجة أن حصص الطعام الشهرية من الحبوب والملح وزيت الطهي جرى تقليصها ثلاث مرات في عام 2017.
وقلص برنامج الغداء العالمي التابع للأمم المتحدة جرعة السعرات الحرارية التي يقدمها للاجئين في مخيمات إثيوبيا بنسبة 20% بسبب افتقاره إلى التمويل، ليصل ما يحصل عليه اللاجئ 1680 سعراً حرارياً في اليوم. وتشير وزارة الزراعة الأميركية إلى أن الرجل يحتاج إلى 2500 سعر حراري في اليوم، وتحتاج المرأة 2000 سعر حراري في اليوم، وإذا لم يأت تمويل جديد بحلول مارس المقبل سينخفض ما يحصل عليه اللاجئ إلى نحو 1000 سعر حراري في اليوم. وفي الوقت نفسه، يصل نحو 10 آلاف لاجئ جديد معظمهم من دولة جنوب السودان التي تمزقها الحروب إلى المخيم كل يوم.
والمشكلة ليست مقتصرة على إثيوبيا. فعمليات برنامج الغذاء العالمي، وهو أكبر مقدم لإعانات الغذاء في العالم وبفارق كبير، معرضة للخطر في الوقت التي تعرقل فيه أزمات عالمية قدرة الدول المانحة على العطاء، والأمر لا يتعلق أيضا بإرهاق المانحين. صحيح أن إدارة ترامب ربما هددت بتقليص المساعدات الإنسانية، لكن عام 2017 شهد أكبر تمويل أميركي لبرنامج الأغذية العالمي، حيث بلغ 2.4 مليار دولار مقارنة مع مـلياري دولار عام 2016، وفقاً لبيتر سميردون المتحدث باسم برنامج الغذاء العالمي في شرق أفريقيا، وصرح سميردون أن «الطلب الكبير هو ما أعجز قدرة المانحين على مواصلة تعزيز التمويل».
ومع وجود شبه مجاعة في جنوب السودان واليمن ونيجيريا والصومال، وأيضاً في ظل صراعات وأزمات لاجئين طويلة الأمد في مناطق مثل سوريا وإثيوبيا، هناك ببساطة حاجة كبيرة للغاية للتمويل.
وفي عام 2016، كان برنامج الغذاء العالمي يحتاج إلى 8.84 مليار دولار، لكنه تلقى 5.92 مليار دولار فقط منها ملياري دولار من الولايات المتحدة. وبعد ذلك بعام، زادت الحاجة إلى 9.6 مليار دولار، لكن البرنامج حصل على 5.96 مليار دولار فقط وبهذا تزايد العجز. وليس هناك من سبب لنتوقع أن حاجات عام 2018، ستتقلص مع استمرار الصراعات.
وصرح سميردون أن «المانحين يقدمون أكثر لكنني قلق من ألا يستمر هذا، التنمية وحدها هي التي ستصلح المشكلة وما نحن إلا ضمادة». لكن هذه الضمادة موجودة في كل مكان. وتقليص تمويل برنامج الأغذية العالمي سيؤثر على العدد الهائل من المحتاجين للمساعدات.
وفي سوريا، تدور حرب أهلية منذ ست سنوات وتهدأ حدتها ببطء في وسط دمار هائل ونزوح للسكان. ويتقلص عدد من يستطيع برنامج الغذاء العالمي إطعامهم كل شهر. فقد انخفض هذا العدد من أربعة ملايين في نوفمبر إلى 3.3 مليون في ديسمبر الماضي، ويتوقع أن يصل عددهم إلى 2.8 مليون في الشهر الجاري.
وفي اليمن جعلت حرب أهلية وحصار أجنبي من الصعب وصول الغذاء إلى البلاد ونصف الأشخاص البالغ عددهم سبعة ملايين ممن يحصلون على طعامهم من برنامج الغذاء العالمي أصبحوا يحصلون على 60% من حصصهم الغذائية أي 1260 سعراً حرارياً في اليوم. وفي الصومال التي يوجد بها ثلاثة ملايين لاجئ يتلقون مساعدات، اضطر برنامج الأغذية العالمي إلى وقف تقديم الحصص الغذائية لكثيرين وقلصها لآخرين.
وفي مخيم «داداب» المترامي الأطراف للاجئين في كينيا جعل تقليص حصص الأغذية كثيرين مما يزيد على 200 ألف صومالي يستدينون واضطروا إلى العودة إلى الحياة المروعة في الصومال كي يسددوا ما اقترضوه.
وفي إثيوبيا لا تضغط الحكومة من أجل ترحيل الصوماليين حتى الآن على الأقل. واللاجئون الصوماليون لا يفكرون في العودة بناء على ما يصلهم من أنباء مثل تفجير شاحنة في مقديشو تسبب في مقتل أكثر من 500 شخص في أكتوبر الماضي.
ويحاول معظم سكان المخيم بيع قسط من حصصهم الشهرية من الحبوب لشراء حاجات لا تقدمها وكالات الإغاثة مثل اللبن والسكر والكساء.
وصرح جورج وود رئيس المكتب المحلي للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن ما يحصل عليه اللاجئون من مساعدات غذائية «ليس فقط طعاماً لهم، بل دخلاً يوفرون به الحاجات التي لا نقدمها لهم من خلال نظام المقايضة»، وأضاف «وود» إن «ما نتطلع إليه أكثر هو التحول من الاعتماد على الخدمات والمساعدات الأساسية إلى الاعتماد على الذات». وقال محمد حسن وهو لاجئ فر من جماعة الشباب الصومالية المتشددة قبل تسع سنوات، ويقيم حالياً في مخيم «بوكولمانيو» الذي لا يبعد كثيراً عن مخيم «ميلكاديدا» إن حصة الفرد الشهرية من الطحين (الدقيق) تقلصت من ثلاثة أرطال إلى رطل واحد.مع استمرار دورة الصراع وتدفق اللاجئين في العالم هناك بصيص أمل للموجودين في إثيوبيا على الأقل، حيث تعهدت الحكومة بأن تدعم العلاقات بين اللاجئين والمجتمعات المضيفة لتساعدهم في القيام بأنشطة تدر عليهم دخلاً. ووعدت الحكومة أيضاً بتخصيص بعض الوظائف للاجئين في المناطق الصناعية الجديدة، ومخيمات اللاجئين في جنوب إثيوبيا من بين أفضل المخيمات ملائمة لهذه التجربة، فالإثيوبيون من أصل صومالي يتحدثون اللغة نفسها التي يتحدثها اللاجئون وفي حالات كثيرة ينتمون إلى القبيلة نفسها.
ومن بين أكثر المشروعات طموحا، تبرع الحكومة الإثيوبية بمساحة 24700 هكتار من الأرض وتوصيل مياه الري إليها والسماح للاجئين والسكان المحليين بزراعتها، والمشروع يجري العمل فيه بالفعل وقد يعيل في نهاية المطاف جانباً كبيراً من سكان المنطقة المنكوبة بالجفاف.

*صحفي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»