صحيفة الاتحاد

دنيا

نفيسة البيضاء سيطرت على قلوب المصريين بجمالها وذكائها

السبيل والكتاب والوكالة

السبيل والكتاب والوكالة

كانت امرأة “استثنائية” ليس لجمالها البارع الذي اشتهرت به، ولكن قبل ذلك وبعده لشخصيتها الفريدة وذكائها المتوقد إنها “نفيسة” البيضا أو المرادية، كما تشير إليها كتب التاريخ. جارية كانت في البدء وعجوز فقير في مشهد النهاية المحتومة لكل البشر. وفيما بين علامتي الظهور والاختفاء حياة حافلة بالأحداث والتقلبات الحادة ليس في حياتها الشخصية فحسب، بل وفي الحياة السياسية لمصر والشرق العربي.

أتت نفيسة جارية جليبة إلى مصر في بعض سنوات القرن الثاني عشر للهجرة “18م”، وهي غالباً شركسية الأصل، ولما كان لون بشرتها فاتحاً بدرجة ملحوظة فقد عرفت بـ”نفيسة البيضا”، واشتراها رجل مصر القوي آنذاك “علي بك الكبير” كبير طائفة الشراكسة في القوة العسكرية التركية بالقاهرة والذي صار “شيخاً للبلد”.
وافتتن الشيخ بجمال وثقافة جاريته فقرر أن يعتقها ويتزوجها في وقت كان يسعى فيه للاستقلال بحكم مصر عن الدولة العثمانية وكاد الرجل يصل لبغيته لولا أن أدركته مؤامرة عثمانية ألبت عليه صهره وساعده الأيمن “محمد بك أبا الذهب” الذي قاد تمرداً مملوكياً ضده وهو بجبهات القتال بالشام، ونال جزاء ذلك منصب “شيخ البلد”.
أصبحت “نفيسة البيضا” أرملة، لكنها لم تدخل فيما ورثه أبو الذهب عن سيده “علي بك” لأنه وافق على أن تكون زوجة للأمير مراد بك نظير مساعدته له للتخلص من زوجها فلما قتل علي بك تزوجها مراد وصارت تعرف تبعاً لذلك بنفيسة المرادية.
نشاطها التجاري
تعايشت “نفيسة” مع وضعها الجديد ورضيت بأن تكون زوجة لأمير مملوكي يحكم مصر مناصفة مع قرين آخر هو “إبراهيم بك” بعد أن كانت زوجة لرجل يحلم بأن يكون ملكاً متوجاً على مصر وأجزاء من بلاد الشام.
ولما كانت وريثة لثروة علي بك في زمن ولت فيه الطموحات السياسية، فقد أعادت استثمار أموالها في التجارة وصارت واحدة من أثرياء البلاد، ويكفي أنها امتلكت عدداً من القصور والبيوت ووكالات التجارة وجيشاً صغيراً مؤلفاً من 400 من المماليك فضلاً عن عدد كبير من الجواري والخدم في قصرها.
في تلك الفترة بدأت شخصية نفيسة تفصح عن نفسها كسيدة على إلمام بالثقافة التركية وموحية لزوجها المتغطرس بالتخفيف من سطوته على الناس وذاع صيتها بين المصريين عندما شيدت لنفسها “وكالة” للتجارة يجاورها “ربع” لسكنى فقراء الحرفيين، وألحقت بهما سبيلاً للماء يعلوه “كُتاب” لتعليم الأطفال الأيتام مبادئ القراءة والكتابة والقرآن الكريم.
ويعد مشروعها المعماري الذي شيد على قيد خطوات من “بوابة المتولي” أو “باب زويلة”، من مشروعات البر والإحسان فإلى جانب إيواء فقراء الحرفيين نظير أجرة شهرية بسيطة كانت إيرادات الوكالة والربع توجه للإنفاق على وظائف التدريس بالكتاب وعلى قيام السبيل بتوفير ماء الشرب للمارة في تلك المنطقة التجارية.
نابليون بونابرت
وعندما أخذت الدنيا زخرفها وبان أنها قد دانت لنفيسة البيضا في عام 1798م جاءها “بونابرت” من حيث لم تحتسب ليهزم المماليك بقيادة زوجها مراد بك، ويحتل القاهرة وفر مراد نحو الصعيد تاركاً زوجته تواجه سلطات الاحتلال الفرنسي.
وفي تلك المرحلة الدقيقة برهنت نفيسة البيضا على أنها جديرة بأن تكون سيدة أولى إن لم يكن لمصر كلها فعلى أقل تقدير لنخبة المماليك الجراكسة المهيمنة على البلاد.
وبفضل شخصيتها وثقافتها وحسها التجاري المرهف حصلت زوجة الأمير الطريد على احترام سلطات الاحتلال الجديدة، وذلك عندما سمحت أولاً بأن يتلقى بعض الجنود الفرنسيين من الجرحى العلاج داخل قصرها الذي ورثته عن علي بك بالأزبكية وكان مواجها لمقر إقامة بونابرت.
وحاول بونابرت أن يستميل مراد بك للصلح معه لوقف حشد القوات ضده بالصعيد بحسن معاملة زوجه نفيسة البيضا، وبالغ الرجل في الأمر حتى أنه منحها هدية ثمينة من الحلي، يعتقد أنها كانت تحمل ألوان العلم الفرنسي، لكن ذلك لم يحقق شيئاً مما كان يطمح إليه الجنرال الفرنسي فقلب لها ظهر المجن.
بدأ بونابرت بتنفيذ سياسته الانتقامية بتوجيه تهمة إخفاء ثروات المماليك الفارين للصعيد، وفتش قصرها أكثر من مرة، وصودرت بعض ممتلكاتها، ثم أعقب ذلك بالقبض على حريم أمراء المماليك، مما اضطر نفيسة البيضا لدفع الغرامات التي فرضت عليهن نظير الإفراج عنهن وصيانة كرامتهن وتجاوز ما دفعته المليون ريال.
كليبر
وعندما اشتد الطلب عليها رهنت بعضاً من مصاغها ومن ضمنه قطعة الحلي الفرنسية التي أخذها بونابرت وأهداها لعشيقته.
ورغم ذلك ظلت نفيسة البيضا قادرة على رعاية حريم المماليك وموضع احترام سلطات الاحتلال خاصة بعد سفر بونابرت وتولي كليبر قيادة الجيش الفرنسي، وعندما نجح الأخير وربما عبر نفيسة البيضا في إقناع “مراد بك” بالتخلي عن السلاح، ورضي بأن يحكم الصعيد بوصفه نائباً عن “الفرنسيس”، وظنت نفيسة أن الزمان يوشك أن يعاود ابتسامته لها. لكن وهي تتأهب لاستقبال زوجها مراد أتاه وباء الطاعون ليحصد روحه في عام 1801م. وفي نفس العام رحل الفرنسيون عن مصر، ولكن الحاكم التركي الجديد “أحمد باشا خورشيد” سلط رجاله على نفيسة البيضا، وصادر أموالها غير مرة، ولاحت في الأفق بوادر ثورة شعبية ضد ظلم خورشيد، وسرعان ما نجحت الثورة الوليدة في طرد الوالي العثماني وتعيين محمد علي عوضا عنه.
لم يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للسيدة التي تقدم بها العمر وفقدت جزءاً كبيراً من سطوة جمالها إذ شرع محمد علي في استئصال ما تبقى لها من ثروة ولم يتركها في بيت زوجها الأول علي بك الكبير إلا بعد أن صارت فقيرة معوزة وماتت كذلك في عام 1816م بعد أن كانت ملكة غير متوجة لمصر.
وقد تركت نفيسة البيضا مجموعة معمارية متكاملة بالطرف الجنوبي من شارع المعز لدين الله داخل باب زويلة، وهي تتألف من وكالة وربع وسبيل يعلوه كُتاب، وكانت تعرف إجمالاً باسم “السكرية” نسبة لسوق تجار السكر والحلوى بتلك البقعة.
سبيل نفيسة البيضا

يعد “سبيل نفيسة البيضا” أبرز مكونات هذه المجموعة، وهو يطل على الطريق العام وبواجهة نصف دائرية مشيدة بالحجر بوسطها شباك تسبيل أو توزيع الماء وهو من مصبعات حديدية تشبه الدانتيلا في جمالها الزخرفي وقد تعرض نتيجة لإنشاء شبكة التزود بمياه الشرب في بداية القرن الماضي للتهدم الجزئي وأعيد تجديده في عام 1995م في إطار مشروع القاهرة التاريخية.
ويمتاز السبيل بأن خزان الماء الخاص به قد شيد تحت بناء الوكالة وليس تحت حجرة التسبيل، كما هو الحال في باقي أسبلة القاهرة ويتفرد أيضاً بنقش زخرفة تشبه “النهدين” في واجهته، وهو ما اعتبر إشارة رمزية للعطاء الذي ارتبط بسيرة نفيسة البيضا.