صحيفة الاتحاد

رمضانيات

مئذنتا المؤيد شيخ.. أبرز المعالم لزائر القاهرة التاريخية

القاهرة – د. أحمد السيد:

السلطان المملوكي الملك المؤيد شيخ رجل الاختيارات الصعبة والفريدة، ذلك ما يشير إليه مسجده المهيب الذي يقع على يسار الداخل الى القاهرة من خلال باب زويلة، المعروف لدى أهل القاهرة باسم بوابة المتولي·
فقد اختار السلطان لجامعه بقعة من الأرض كانت في الاصل سجناً لارباب الجرائم اسمه ''خزانة شمائل'' وكان المؤيد قد سجن به وقت أن كان اميراً وقاسى في حبسه شدائد وأهوالاً من حر الصيف ولدغ الحشرات، فنذر حينئذ إن أنجاه الله تعالى ليبنينه مسجداً·

محاسن البيان
ووفى المؤيد شيخ بنذره حينما ولي سلطنة المماليك بمصر والشام، فهدم السجن وضم إلى أرضه قطعة أخرى حتى توفرت له مساحة هائلة، وشيد مسجده هذا في ست سنوات ''818-824هـ''، ويستحق هذا الجامع بفخامة زخارفه ما أسبغه عليه المؤرخ المقريزي من أوصاف، كان من جملتها انه ''الجامع الجامع لمحاسن البنيان يحتقر الناظر له عند مشاهدته عرش بلقيس وايوان كسرى أنوشروان، ويستصغر من تأمل بديع اسطوانه الخورنق وقصر غمدان··'' ويحق لمؤرخنا العظيم أن يصفه بذلك، فقد عاصر الجامع وهو في أوج ازدهاره وقبل أن يفقد بعض روائع أعمال الرخام التي كانت تزين جدرانه·
وثنى السلطان اختياراته الغريبة بأن انتهز فرصة وجود برجي باب زويلة بجوار المسجد، فاتخذ من نهاية البرجين الفاطميين قاعدتين لمنارتي الجامع، وهو عمل في نظر الآثاريين اعتداء صارخ على بناء قديم، ولكن مهندس الجامع وفق كل التوفيق في عمله وأعطى ارتفاعا إضافيا لمئذنتيه·· وليس أدل على نجاح هذه الحيلة المعمارية، من أن محافظة القاهرة تتخذ من بوابة المتولي ومئذنتي جامع المؤيد فوقها شعاراً لها بوصفهما أبرز المعالم التي يراها زائر القاهرة التاريخية·

توازن فني
والمئذنتان متشابهتان تماماً، جريا على المألوف في الفن الاسلامي من توخي التوزيع المتماثل للعناصر المعمارية والزخرفية، بالشكل الذي يحفظ لمجموعة الوحدة الفنية توازنها الدقيق·· وتتميز المئذنتان برشاقة معهودة في منارات العصر الجركسي، إذ ترتكز كل مئذنة أولاً على قاعدة مربعة حولت في نهايتها إلى مثمن بواسطة شطفات على هيئة مثلث قاعدته لأسفل، على غير ما كان متبعاً في المآذن المملوكية·· وبعد هذه القاعدة تأتي الدورة الأولى المثمنة الأضلاع، وقد ازدانت بعقود مدببة صماء محمولة على أعمدة صغيرة، وفتح في اثنين منها نوافذ لإضاءة سلم المئذنة الداخلي·
وتنتهي الدورة الأولى بصفوف من المقرنصات الحجرية الدقيقة، تتحمل شرفة الأذان الأولى، وقد جاءت هي الأخرى على هيئة المثمن·· وتنطلق الدورة الثانية من شرفة الأذان السابقة، وكانت على هيئة بدن ثماني الأضلاع زخرفت أوجهه بزخارف هندسية وكتابية محفورة في الحجر، وتنتهي هذه الدورة بصفوف من المقرنصات تحمل بدورها شرفة الأذان الثانية·
أما الدورة الثالثة، فهي عبارة عن جوسق مفتوح به ثمانية أعمدة تحمل شرفة أذان ثالثة، توجت بقبة صغيرة تعرف باسم القلة، وفوقها ثلاث كرات من نحاس تحمل هلالاً·· وترك مهندس المئذنتين اسمه مسجلاً في كل واحدة منهما، فعلى المئذنة الشرقية نجد هذا النقش ''عمل هذه المئذنة المباركة العبد الفقير الى الله تعالى محمد بن القزاز، وكان الفراغ أول رجب سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة''· وعلى المئذنة الغربية ''أمر بإنشاء هاتين المنارتين المباركتين سيدنا ومولانا السلطان المالك الملِك المؤيد أبوالنصر شيخ عز نصره، وذلك في نظر العبد الفقير الى الله تعالى محمد بن القزاز والفراغ في شهر شعبان المعظم قدره سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة''·· ويفسر النص الأخير ما ذكرته المصادر التاريخية، من أن بناء المئذنة الغربية كان قد تم بالفعل في عام 821 هـ، أي قبل بناء المئذنة الشرقية بعام تقريباً، ولكن المئذنة الغربية سقطت بعد بنائها بوقت قصير، فأعيد تشييدها في وقت لاحق· ومما هو جدير بالذكر أن سقوط المئذنة أدى الى هلاك بعض المارة تحت أحجارها، واضطر المشرف على بناء الجامع وهو المؤرخ بدر الدين العيني ''صاحب قصر العيني'' إلى إغلاق باب زويلة أمام المارة لعدة أيام·· وعندما سقطت المنارة أراد حافظ الوقت شهاب الدين بن علي بن حجر أن يعرض بالعيني المشرف على بناء الجامع، فأنشد قائلاً:

لجامع مولانا المؤيد رونق منارته تزهو من الحسن والزين تقول وقد مالت عليهم تمهلوا فليس على جسمي أضر من ''العين''·
فما كان من بدر الدين العيني إلا أن رد عليه بأشعار أكد فيها ان المنارة لم تسقط من الحسد ''حسد العيني'' ولكن من ''خسة الحجر''·
وقد ذكر المؤرخ علي بن داود الجوهري في كتابه ''نزهة النفوس والأبدان'' أنه كان لجامع المؤيد شيخ ثلاث منارات إحداها بالواجهة الغربية، ولكن هذه المنارة فقدت ويبدو أنها سقطت لخلل في بنائها، وإن لم تشر المصادر التاريخية إلى تاريخ سقوطها·

أضخم المساجد
وجامع المؤيد شيخ من أضخم المساجد المملوكية بالقاهرة وأحفلها زخرفاً، وشيد على طراز المساجد الجامعة، بحيث تغطي ظلة القبلة بأسقف مستوية محمولة على بوائك من أعمدة رخامية وعقود مدببة·· وألحق المؤيد بمسجده قبة ضريحية دفن بها إبنه ابراهيم الصارمي وكذلك أخوته المظفر احمد وأبوالفتح موسى·
وللجامع مدخل رئيسي في الواجهة الشرقية الشاهقة، ولهذا المدخل سلم مزدوج من الرخام، وكسي المدخل بالرخام الملون وغطي بالمقرنصات، وعلى جانبيه مسطبتان طويلتان بهما مزررات رخامية، وكتف باب الدخول من قطعتين كبيرتين من الجرانيت الأحمر المرقط، يحملان عتباً لبس بالرخام، ويحيط بالباب إفريز من الرخام مقسم إلى دوائر ومسدسات مطعمة باللونين الأزرق الفيروزي والأحمر·
ويبدو أن السلطان كان يتعجل الانتهاء من إنشاء هذا الجامع، حتى أنه نقل الباب الخشبي لمدرسة السلطان حسن، الى مدخل هذا الجامع، وما زال هذا الباب المصفح بالنحاس يحمل اسم السلطان حسن وتاريخ صناعته في سنة 764هـ·· والباب لم يكن مستخدماً في مدرسة السلطان حسن، بعد سد فتحته خوفا من المماليك المتمردين، وهو ما حمل السلطان على الاستجابة لمشورة المهندسين، وإن كان في نظير ذلك قد أمر بأن توقف قرية قها بالقليوبية على مدرسة السلطان حسن، مع دفع 500 دينار ثمناً للباب·· وعين المؤيد شيخ مدرسين للمذاهب الأربعة بالجامع قبل الفراغ من تشييده وذلك في جمادي الأولى عام 822هـ ''1419م''، وفي يوم الجمعة 21 شوال 822هـ أمر السلطان بإعداد سماط عظيم، وأن تملأ الفسقية بالصحن بالسكر المذاب في الماء واحتفل بافتتاح الجامع وأنعم على الخطيب والمدرسين بحضور كبار رجال دولته وإبنه الصارمي إبراهيم·
وتوفي المؤيد شيخ في الثامن من محرم 824هـ ''1421م''، ودفن بالقبة الشمالية قبل أن تتم، واستمر العمل في الجامع حتى اكتمل في شهر رمضان، وإلى ذلك الوقت كان كثير من ملحقات الجامع لم يشرع فيه، مثل القبة الجنوبية وبيوت الصوفية بالخانقاه الملحقة بالجامع·
ويحتوي جامع المؤيد شيخ على أعمال فنية رفيعة المستوى، فبالإضافة إلى أعمال الرخام التي نهبت عند مشارف العصر الحديث بصورة أضرت بجمالياته، نجد أيضاً الأسقف الخشبية النادرة المثال، والمنبر الخشبي الدقيق المطعم بالعاج ·· وبهذا الجامع دكة رخامية للمبلغ، وهي عند نهاية ظلة القبلة من ناحية الصحن، وبوسط هذا الصحن فسقية من الرخام الأبيض·

حصن دفاعي
ودب التلف سريعاً إلى جامع المؤيد شيخ، بسبب متانة بنيانه التي دفعت بعض فرق العسكر في العصر العثماني إلى التحصن به في مواجهة السلطات الحاكمة، وفي سنة 1076هـ ''1665م'' تحصن به بعض الطغاة المعروفين بالزرب وقد كثر فسادهم وقتئذ بمصر، فاستفتى عمر باشا والي مصر العلماء، فأفتوه بأن يقابلهم بما يقابلونه به من عدوان وإذا ما تهدم شيء من الجامع يعاد تشييده فأمر العسكر بالزحف عليهم ومعهم اثنا عشر مدفعاً، وصوبت نيران المدفعية على الجامع منذ مطلع الشمس وحتى وقت العصر، فاستسلم الزرب وفتحوا أبواب الجامع فقبضوا عليهم وقتلوهم، ولكن الوالي اكتفى من فتوى العلماء بشقها الأول وبقي المسجد الذي أضرت به نيران المدفعية مهملاً خرباً، رغم الجهود التي بذلت لترميم بعض الأجزاء لإقامة الشعائر، مثل تلك التي قام بها أحمد باشا والي مصر في سنة 1102هـ ''1690م''·
وعند القرن التاسع عشر كان الجامع مهدماً كلياً فيما عدا ظلة القبلة، فتداركته لجنة حفظ الآثار العربية منذ عام 1881م وحتى عام 1884م عندما أعيد افتتاحه للصلاة· ثم أعيد تجديده مرة اخرى واستكمال عناصره المعمارية والزخرفية في اطار مشروع ترميمي كبير ضمن خطة وزارة الثقافة المصرية لإحياء القاهرة الفاطمية·