الأربعاء 25 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
ذاكرة الأقليات الأوروبية
14 أغسطس 2013 19:55
يبلغ بوريس باهور Boris Pahor من العمر 100 عام، غير انه لا يزال يتمتّع بصحّة جيّدة، ويسافر إلى عواصم أوروبا ليقدّم كتبه التي يتحدثّ فيها عن أحداث كبيرة ومهمّة عاشها، وعاشتها القارّة العجوز في فترات مختلفة من القرن العشرين. وهو من سلوفينيا غير أنه أمضى الشّطر الأعظم من حياته في مدينة ترياست الإيطالية التي عاش فيها جيمس جويس حوالي عقدين من الزمن. وهي أيضا مسقط رأس كتّاب كبار من أمثال إيطالو سفيفو، وأنطونيو صابا، وكلاوديو ماجريس... وفي ملحقها الثّقافي الصّادر يوم الجمعة 5 يوليو 2013، كتبت عنه صحيفة “لوموند” الفرنسية تقول: “باهور يرغب في أن يكون ذاكرة وصوت الشعب السلوفيني. غيرأنه ضمير أوروبا أيضا، في الوقت الرّاهن. وهو يطالب بأن يقوم الإيطاليّون بتسليط الضّوء على ماضيهم الفاشي، و”ألاّ يكتفون بالاحتفال بذكرى الضّحايا الذين ناضلوا في ترياست عام 1945 لكي لا تصبح ترياست يوغسلافيّة”. وهو يندهش لأن الفرنسييّن لا يعرفون معسكرات الاعتقال في جنوب أوروبا مثلما هو الحال بالنسبة لمعسكر “ياسنوفاك” في كرواتيا، والذي لم يشرف عليه النازيّون، والذي كان مرعبا. وهو يطالب أيضا بإعادة الاعتبار لكلّ ضحايا النّازيّة، وضحايا العنصريّة، والاعتراف بحقوق المبعدين السياسييّن. وصعود الأحزاب اليمينيّة المتطرّفة يخيفه مثلما تخيفه جميع الديكتاتوريّات السياسيّة، والاقتصاديّة”. عن نشأته يقول بوريس باهور: “كان والديّ من بسطاء الناس... ولدتّ في ريف سلوفينيا. وقد جاءت والدتي إلى ترياست لتعمل طبّاخة عند عائلة. وكانت قد ذهبت الى المدرسة في عهد “الهابسبورج”، واهتمّت بالشّعر. أما والدي فكان مصوّرا في الجندرمة”. بعد الحرب الكونيّة الثّانية، أصبحت ترياست إيطاليّة بعد أن كانت تابعة للإمبراطوريّة النمساويّة التي انقرضت لتتقلّص الى ما يسمّى النمسا اليوم. وكان حرق دار الثّقافة السلوفينيّة في المدينة المذكورة، والذي كان من تدبير الفاشيّين أوّل حدث فاجع عاشه الطّفل بوريس باهور وهو في السّابعة من عمره. بعدها صدر قرار بمنع اللّغة السلوفينيّة في الحديث، وفي التعليم. وكانت الفتيات اللاّتي تتجرّأن على التكلّم بهذه اللّغة يحبسن مع العاهرات. وستكون المرأة التي سيتزوّجها فيما بعد من ضمنهنّ. ويصف باهور ذلك بـ”التّطهير العرقيّ” وكان الفاشيّون بقمصانهم السّوداء يرهبون السلوفينيّين يوميّا ويقولون ساخرين: “هل للبقّ والصّراصير جنسيّة؟”. مع ذلك تعلّم الطفل من الكتب التي كان يقرأها بنهم في ذلك الوقت أنه يمكن مقاومة القهر، والظلم، والكراهيّة، وأن الفاشيّة لا يمكنها أن تدوم إلى الأبد. وفي السنتين الأخيرتين من الحرب الكونيّة الثانية، انضمّ بوريس باهور الى حركة المقاومة ضدّ الفاشيّة، وشرع يتكلّم من جديد لغته الّأم متحدّيا الفاشيّين.. وبتلك اللغة كان قد قرأ كبار الشعراء، والكتاب.. غير أن الفاشييّن ألقوا القبض عليه، وسلّموه الى الألمان الذين أودعوه معسكرا للاعتقال. وعن تلك التجربة المريرة، ألّف باهور كتابه الرائع: “سائح بين الظّلال”. ثمّ توالت الكتب بعد ذلك ليصبح باهور مرجعا أساسيّا لفهم خفايا فواجع الحرب العالميّة الثانية، وما جرّته بالخصوص على الأقلّيات العرقيّة في أوروبا الشرقيّة، والوسطى. لهذا السبب رشّح لنيل الجائز نوبل للآداب وهو في الثّمانين من عمره. عند بلوغه 100 سنة من عمره، صرّح بوريس باهور لجريدة “لوموند” الفرنسيّة قائلا: “ليست حياتي هي المهمّة، وإنّما الأسئلة التي تخترقها طولا وعرضا. ولو كانت أوروبا ذكيّة، وحكيمة، وواعية بمصيرها، وبمستقبلها لكانت أقامت فيديرالية دول، وإلاّ كيف يمكن لبلد صغير مثل سلوفينيا أن يزاحم بلدا كبيرا مثل ألمانيا؟ ليست هناك حضارات صغيرة. أوروبا منطقة لها خصوصيّتها في العالم، ومن واجبها أن تضع عولمة محترمة”.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©