الجمعة 27 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
صباح الدبي: القصيدة ترمم هزاتنا الداخلية
صباح الدبي: القصيدة ترمم هزاتنا الداخلية
14 أغسطس 2013 19:52
صدر للشاعرة المغربية صباح الدبي مؤخرا ديوانها الثاني بعنوان “سِدرة الضَّوء”، وفيه تواصل نحت تجربتها الشرية الشابة، التي تبني فيها قصيدتها بعناية على تجاور سردي وإيقاعي، باعتبار أن القصيدة عندها هي فيض من الصور والمعاني المتحولة. وتؤكد صباح الدبي، أنها عندما تكتب قصيدة لا تعتني بما سيليها من مقاربات نقدية، فهي تؤمن بأن الإبداع سابق زمنيا على النقد، وبالتالي فإن مهمة الناقد هي استنباط مكنونات الشعر باستخدام أدواته العلمية. مع الإيقاع بدأ الصوت يستدل على نفسه.. صار كلمات تسير وفق الحركة فنشأت بينهما (الإيقاع والصوت) توأمة غنائية. صارا صنوين هائمين في بحر الخيال.. وعلى هذا الأساس ابتكر العرب الحداء، السحر الذي يعين الإبل على قطع مراحل طويلة، في صحراء أشد طولاً، من دون أن ... تتعب. كانت تلك هي طفولة الموسيقى - إذا جازت العبارة - فقد كبرت الصغيرة بسرعة قياسية. ابتكر لها الإنسان آلات تتحقق فيها بعيداً عن الأصوات الطبيعية التي تحيط به. أظن أن الإنسان شعر بالوحشة ذات مرة، فقرر أن يستحضر الصوت على مزاجه. صنع الآلات من الحجارة والجلد والقصب والأوتار لكي يستمتع بالنغمات المتنوعة التي تصدرها. نفخ في القصب فولد ناي ترجم حالاته الانفعالية؛ يعطيه نغماً مفرحاً إذا كان يشعر بالسرور.. وفي الحزن يتحفه بنوح يأتي من أقاصي الوجود البعيدة.. وهكذا مع القيثارة والربابة والعود والكمنجات التي أظن أنها حزينة هذه الأيام إذ تستعيد رحيل شاعر كتب عنها وهي ترثي عرباً في غروب أندلسي عتيق. بأصابعه أولاً ثم بريش الطيور أو الخشب الدقيق مارس الإنسان العزف على آلاته.. ثم تطور الأمر إلى الأوتار التي كثيراً ما تبدو مشدودة إلى أوتار قلب العازف عندما يكون مبدعاً.. يتقن العشق، ويجعل آلته تبوح. ما أقدمها..! يقال إن الموسيقى وجدت في أغلب الحضارات القديمة. السومريون عرفوا الهارب، واستعملها الأشوريون، وربطها الهنود بمعتقداتهم وتقدمت عند الفرس ونهضت عند المصريين القدامى، وعرفها العرب بموسيقاهم التي جمعت بين البساطة والطرافة والتأثير حتى على الحيوان. في ذلك الزمان لم يكن مسموحا لكل أحد أن يغني. لم تكن الأذن قد فسدت. كان الغناء صافياً كنبع يطلع من شقوق الصخر. كيف لا وكل الباحثين والمختصين في الموسيقى الشعبية والغناء الشعبي يجمعون على أنه ترجمان المجتمع، صورته، مرآته التي تبرز قسماته وملامحه الثقافية والاجتماعية والحضارية وحتى الاقتصادية. زمان لم يكن المغني ليغني إلا إذا كان صوته جميلاً. كان الصوت هو الحيلة والذخيرة، كما يقال في المثل الشعبي، قل، إن شئت، هو العدة والعتاد. لم يكن ممكناً لأي أحد أن يتسلل حافياً إلى حديقة الغناء مستعيناً بآلات ترطن بما هبَّ ودبَّ من الكلام. كان الرتم عذباً والإيقاع رائقاً والكلمات ألصق ما تكون بالناس البسطاء.. حتى أعتى المطربين كانوا يبدون “غلابة” أمام غنى وثراء الذاكرة الشعبية وشجنها الجميل. يكاد المرء يصرخ الآن: ما أحوجنا إلى الغناء العليل فيما تبدو الأشياء على شاشة الذاكرة على حافة زمن بعيد. لقد تغير شكل البلابل فعلاً. حدث خلل في الذوق، كما في الحواس، كما في الفكرة، كما في خفقة القلب. ساحرة هي ثقافات الشعوب، يدرك سحرها من يغرق في بحرها لا من ينظر إليها من الشاطئ. ثمة علاقة روحية هائلة بين الناس وغنائهم وموسيقاهم، تلك العلاقة الفاتنة التي استمرت منذ عصور البشرية الأولى ورافقتها في مسيرتها إلى اليوم.. لم تكن أغاني الشعوب مجرد ساعات مرح. لم تكن فناً تسلوياً بل جمعت في أحضانها ميراث الإنسان في المكان والتاريخ. كتاب الذاكرة أبوظبي تتألق لؤلؤة في بحر الأصيل. الشمس تلفظ آخر أشعتها البرتقالية وهي تغطس في البحر بغروبها المهيب، معلنة نهاية اليوم.. البيدار طالب خميس حميد “أبوخميس” يترنم بأغنية قديمة على إيقاع الصوت الطالع من اليازرة (الجازرة)، وهي تدور حاملة الماء من البئر.. قرية التراث القديمة التي كانت تجاور الرمل الذهبي الممتد في نهايات شارع المطار دعوة مشرعة للروح لكي تسافر في الحنان إلى مطارح جديدة. بهذا المشهد الذي وقعت عيني وأذني عليه في نهايات عام 1993 من القرن المنصرم بدأت علاقتي بالغناء الشعبي في الإمارات.. كان بعضه قد داعب سمعي في مناسبات مختلفة، لكن وقعه في تلك المرة كان له عذوبة لم تنبغ إلا له.. مذاك انفتحت أمامي عوالم صغيرة ساهم في تغذيتها أكثر فأكثر الشاعر والمبدع الراحل أحمد راشد ثاني، الذي كان هو الآخر يقبع في مكتبه بالمجمع الثقافي وفي رأسه مشروعات لا تنتهي فيما يتعلق بجمع التراث الإماراتي لا سيما ما ينتسب منه إلى الشق غير المادي/ الشفاهي. ومن دون الغوص في مجالات التراث الشعبي والفروقات التي تفصل بينها أو التقاطعات التي تجمعها على حال واحدة، يمكن الإلماح إلى أن كل عنصر من العناصر التراثية يشكل بحد ذاته نقطة مركزية في الذاكرة المجتمعية؛ وهي كلها معاً تؤدي وظائف اجتماعية ونفسية وروحية وجمالية، فضلاً عن كونها الحبل السرّي الذي به تنتقل المعرفة من جيل إلى جيل.. هي بكلمات أخرى ذاكرة الناس التي لا تجتمع على باطل، بل تلتقي على الحب خلافاً لفنون أخرى قد تكون سبباً للمباغضات أو المشاحنات الفردية منها والجمعية. هي كتاب الذاكرة التي تحتفظ للشعوب بكل لحظاتها الفارقة؛ الجميلة والحزينة.. وما من شيء كالموسيقى والغناء يعكس العادات والتقاليد والقيم والحالات المختلفة التي تشكل كينونة المجتمع، وربما يتضح ذلك من طبيعة الرقصات الشعبية في الإمارات التي تعبر عن السرور تارة وعن المعاناة تارة أخرى وعن الفخر بالنصر ثالثة وهكذا... كما يقوم التراث بوظيفة نقدية تربوية، فالمجتمع أحياناً يوظف بعضاً من عناصر تراثه الشعبي في نقد السلوكيات التي تتعارض مع فلسفة المجتمع، وكل ذلك يتم بطريقة غير مباشرة عن طريق النادرة والنكتة والحكاية. ويرى رفعت محمد دويب في كتابه “أغاني الأعراس في دولة الإمارات” أن أهم خصائص وسمات الموسيقى الشعبية لأغاني أعراس الإمارات تتمثل في المرونة سواء من حيث الشكل أو المضمون، ما يجعلهما قادرتان على التعبير عن احتياجات المجتمع المتغيرة، ومواكبة ما يجري فيه مع الاحتفاظ بروحهما التقليدية الأصيلة، وكذلك ما يمنحهما القدرة على استيعاب الألحان الوافدة.. ناهيك عن سرعة حفظها ومن ثم سرعة انتشارها بين عامة الناس لبساطة تركيبها وسهولتها. وثمة سمة تميز الموسيقى الشعبية في الإمارات وهي حضور الرقصات الشعبية معها جنباً إلى جنب. يكاد لا يحضر الغناء إلا إذا حضر الرقص. قلما ينفصلان.. كأنه بالرقص يقارع المجهول، يروضه، يزيل عنه السحر والفخاخ. كانوا يغنون ويهزجون وهم ذاهبون إلى الغوص.. وفي عودتهم منه. يترنمون إذا ظهر القمر.. يغنون وهم يفلقون المحار. وكأنهم برغبتهم هذه في إشاعة الغناء والرقص يعلنون رغبتهم عالية في الحياة. توأمة تعد فنون الأداء الشعبي من الميادين الأساسية المؤلفة للتراث الشعبي، وتشتمل الفنون الشعبية على ثلاثة فنون هي: فن الموسيقى الشعبية، فن الغناء، فن الرقص. والموسيقى الشعبية واحدة من مجالات التراث الشعبي الأكثر قدرة على تجسيد الحالة الوجدانية والشعورية لأي مجتمع، من دون أن يعني ذلك التقليل من أهمية المفردات الأخرى التي تشمل كل مناحي الحياة تقريباً. ومن يتقصى منابع الموسيقى الشعبية وأغلب القوالب الغنائية والإيقاعات والنغمات التي تمارسها أو تحتويها الأغنية المتوارثة في دولة الإمارات خاصة، ومنطقة الخليج العربية عامة، يجد أنه امتداد لدور الإيقاع في التراث الموسيقي العربي. وقد وفدت هذه الألحان والضروب اللحنية والموسيقية مع الوافدين من القبائل العربية الآتية من الجزيرة العربية، ثم سرعان ما اندمجت وانصهرت في بوتقة البيئة ومع ما كان موجوداً في الإمارات. وتنقسم الآلات الموسيقية التقليدية التي تشترك في أداء كل الفنون الغنائية الرئيسية بالإمارات إلى ثلاثة أنواع: الدفوف والطبول بأشكالها وأحجامها المختلفة، ومنها ما يعزف عليه بالعصي، ومنها ما يضرب بالكف أو يتم النقر عليه بالأصابع. آلات النفخ. الآلات الوترية التي يعزف عليها بالقوس وتصدر أصواتاً مثل الربابة والطنبورة. وتشكل القاسم المشترك في أداء كل فن جماعي، وهي من أقدم الآلات الموسيقية العربية. ومن بين الدفوف ما يعرف باسم الطار، وهو ذو شكل دائري ويضرب باليد، وتحيطه قطع من النحاس بحجم صغير لكي يصدر الرنين المطلوب. والدف نوعان أحدهما مربع، والآخر مستدير، وهو الغالب. ويمكن اعتبار الدف أو الطار أشهر آلة موسيقية في المنطقة، وجذوره تضرب في التاريخ القديم. عرفه العرب الجاهلية باسم الصنج، ومن المعروف أن النابغة الذبياني سمي “صناجة العرب” لأنه كان يقرأ شعره على قرع الدفوف، وفي رواية أخرى لما يتميز به شعره من إيقاع عالٍ. ومن بين الطبول: ? الرحماني: طبل كبير، يضرب باليد. يصنع من جلود الحيوانات التي تشد على تجويفين من الخشب. ? الجاسر: طبل صغير يضرب بالعصا. يصدر صوتاً عالياً وحاداً يسمعه الناس من مسافات بعيدة. ? الطاسة: قطعتان من النحاس الأصفر على شكل نصف كرة، حوافهما مسطحة. يصدر الصوت عندما يصطفقان ببعضهما بعضاً. أصيل و.. وافد ويميز الباحثون بين قسمين أساسيين في الفنون الشعبية: الفنون الأصيلة، والفنون الوافدة. الأولى نشأت في الإمارات ونموذجها من الفنون البحرية (العيالة، المالد، الأهل، العرضة، الدان، تقصيرة، هولو، العرضة على السفينة، النهمة، الخطيفة). أما بالنسبة لأهل البادية فهي: (الونة، الرزيف، الحربية، الطازج، العازي، التغرودة، السامري، الردحة، ورقصة المناهيل). ويلاحظ المتابع لهذا المنحى في التراث الشعبي الإماراتي أن الكثير من الفنون الموسيقية والرقصات الشعبية وردت إلى المنطقة لكونها بيئة منفتحة على من حولها، فقد ربطت بينها وبين الدول المجاورة علاقات اقتصادية قوية. من هنا، نجد الأثر الإفريقي أو الهندي أو الإيراني في بعض هذه النماذج التي ذابت تماماً في التراث المحلي، وخضعت لتعديلات وتطويرات جعلتها ذات نكهة إماراتية محلية. وتعتمد هذه الفنون الوافدة على الآلات الموسيقية الوترية وآلات النفخ التي لم تكن معروفة في الفنون العربية الأصيلة، ومن أهم النماذج على هذا النوع من الفنون الوافدة: (الليوه، الهبان، النوبان الفجرى، مكوارة.. وغيرها). واليوم تحظى الفنون الشعبية باهتمام خاص، وتوجد الفرقة القومية للفنون الشعبية، التابعة لوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وفرقة أبوظبي للفنون الشعبية والاستعراضية، التابعتان لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث، في كل المناسبات الوطنية المحلية أو المعارض والفعاليات الثقافية التي تقيمها الدولة في الخارج. وغالباً ما تحظى بإعجاب وإقبال الزوار لاسيما الأجانب الذين ينبهرون من حيويتها وخصوبتها والدلالات التي تنطوي عليها.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©