الجمعة 20 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
أنوح على نفسي وأندب نبلها
أنوح على نفسي وأندب نبلها
14 أغسطس 2013 19:45
ابن شُهَيْد الأندلسي، بضم الشين وفتح الهاء وتسكين الياء هو واحد من شعراء الأندلس الذين تركوا أثرهم الواضح على نهضة الشعر الأندلسي في مختلف عصوره. وتشير المراجع التي لدينا أن ابن شهيد هو أبو عامر أحمد ابن أبي مروان عبد الملك بن مروان بن أحمد بن عبد الملك ابن عمر بن محمد بن عيسى بن شهيد الأشجعي الأندلسي القرطبي، وأسرة بني شهيد واحدة من أشهر الأسر الأندلسية في الزمن الأموي، حيث كانت العاصمة هي قرطبة، وهي مركز الخلافة والدولة. فأولاً جده أحمد بن عبد الملك، كان وزير الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر، وكان أول من تسمّى بذي الوزارتين في الأندلس. وثانياً والده عبد الملك أبو مروان كان من شيوخ الوزراء في الدولة العامرية، وكان مقرباً من المنصور بن أبي عامر، أمير الأندلس في دولة هشام بن المؤيد، وقد وضعه المنصور والياً على الجهات الشرقية (بلنسية وتدمير).. ولكن هذا الرجل والد ابن شهيد وعلى غير عادة الولاة، شعر بالسأم من هذه الخدمة بعد تسع سنوات فطلب من المنصور إعفاءه، فلبى المنصور رغبته وعاد عبد الملك أبو مروان والد شاعرنا ابن شهيد إلى قرطبة معززاً مكرماً، صاحب ثروة كبيرة ليعيش مع أسرته في رفاه ورخاء. تحت مظلة هذه الأسرة الثرية المتنفذة ولد شاعرنا ابن شهيد ونشأ وتكوّنت شاعريته. ولد ابن شهيد في حي من أحياء قرطبة سنة 283 هـ، وشهد عز أبيه في ظل العامريين، وعاش بترف، إلى أن هوت دولة العامريين في قرطبة سنة 399 هـ الموافق لسنة 1559 ميلادية. حصل ابن شهيد على كمٍ كبير من العلم والثقافة، حيث كانت طبيعة المجتمع الأندلسي تحتم على من يريد تحقيق المجد في الحياة أن يتسلح بالعلم والثقافة والأدب، ولكن كان يعاني من ضعف السمع الشديد الذي شكل بالنسبة إليه تحدياً كبيراً، ولعلني أستطيع تفهم هذا التحدي أكثر من غيري لسبب بسيط وهو أنني بدأت أعاني من ضعف السمع بحكم مرور السنين وهذا ما يجعلني أتحاشى الجلوس أحياناً مع كبار القوم والمسؤولين الذين يظنون أن التحدث بصوت منخفض يضفي عليهم الهيبة أو الأهمية ولا يدركون مدى العذاب الذي أشعر به وأنا أصغي ولا أسمع وأقابل أسئلتهم أحياناً بالصمت، والذي يفسر أحياناً بما لا أحب. ولكن مع هذه العاهة التي أصيب بها ابن شهيد منذ طفولته وعاش بها حياته كلّها دون أن يستعين مثلي بسماعات تخفف من حدة هذه المشكلة فإنه تغلب عليها وعاش حياته معها ممارساً كل وسائل اللهو ومعطيات الثراء. حتى إنه كان ينظر إلى الحياة بأنها مجموعة أو مزيج من الحسن والخمر والأدب.. هي وجه أصبح، أو كأس مترعة، أو رسالة أنيقة، فإن خلت الدنيا من بعض ذلك فالعيش لغو وفضول وعيش الأديب فيها عبء ثقيل. عاش ابن شهيد كريماً إلى درجة الإسراف والتهور، ولكنه كان يخص بجوده وكرمه المستحقين وأصحاب الحاجة.. وكان أهل قرطبة يتناقلون حكايات كرمه الأسطورية التي أوصلته في كثير من الأحيان إلى الفقر والإملاق. كان ابن شهيد شاعراً مجيداً، ولكنه في الوقت نفسه كان ذا أسلوب آسر في النثر، جعلت بعض النقاد يزعمون أن نثره تفوق على شعره. من الكتب النثرية التي ألفها ابن شهيد: كتاب الدك وإيضاح الشك. ورسالة التوابع والزوابع (لم يصل منها إلا فصول أثبتها ابن بسام في ذخيرته). والرسائل النقدية: وهي أهم أعمال ابن شهيد. الرسائل الأدبية. وكان في أسلوبه النثري يميل إلى الفكاهة والسخرية ومدة الطبع في الإجابات. كانت قرطبة لابن شهيد هي الوطن، سقط الرأس ومهد الطفولة وحديقة الشباب.. فأحبها إلى درجة أنه لم يستطع مفارقتها عندما انتهى حكم العامريين وزالت المظلّة التي كانت تحميه وعائلته من نكبات الدهر وتسلط الحكام كما فعل غيره من شعراء الأندلس، بل إنه أصرّ على البقاء في ظل حكم يكن له العداء ويعرضه لأشد أنواع الظلم والقهر والأذى، وعندما كان يسأل: لماذا لا ترحل؟ كان يرد: ـ لأنها قرطبة.. وأنا العاشق المتيم.. إنها الروح ولا يفارق إنسان روحه طائعاً مختاراً. ثم ينشد: عجوز لعمر الصبا فانية لها في الحشا صورة الغانية تريك العقول على ضعفها تدار كما دارت السانية(1) ترديت من حزن عيشي بها غراما فيا طول أحزانيه ورغم الشهرة التي حازها ابن شهيد كواحدٍ من أهم شعراء الأندلس إلا أنه مع الأسف لم يصلنا ديوانه، بل جمع الباحثون شعره من بعض المراجع التي سجلت بعض قصائده. وقد اهتم المستشرق (شارل بلا) بجمع ونشر قسم من شعره تحت عنوان “ديوان ابن شهيد الأندلسي”، ولكن بقي هذا الديوان ناقصاً.. حتى قام الباحث أو الدارس محي الدين ديب بجمع وتحقيق شعر ابن شهيد فبلغ عدد القصائد والمقطوعات التي جمعها سبعة وسبعين. وإذا كان شعر ابن شهيد قد سار على نهج القدماء في المدح والوصف والغزل والرثاء، إلا أن نزعة التجديد كانت واضحة من خلال صوره الشعرية ولغته السهلة الممتنعة. أصيب ابن شهيد في أواخر أيامه بالفالج.. (الشلل) وبدأ يرى الموت ويدرك من خلال هذه الرؤية مدى الخطايا التي اقترفها في شبابه، وتحوَّل إلى حالة الزهد والنسك والاستعداد لملاقاة وجه ربه.. ورغم أن الشلل الذي أصيب به كان (الشلل النصفي) والذي لم يكن يمنعه من الحركة كلياً إلا أنه سلّم أمره وامتنع عن المقاومة، وبدأ ينظم الشعر الذي يتمحوَّر حول فكرة واحدة.. وهي الموت. يقول ابن شهيد: أنوح على نفسي وأندب نبلها إذا أنا في الضراء أزمعت قتلها رضيت قضاء الله في كل حالةٍ عليَّ وأحكاماً تيقنت عدلَها وأنعي خسيسات ابن آدم عاملاً براحةِ طفلٍ أحكم الضرُّ نصلَها فمن مبلغ الفتيان أن أخاهمُ أخو فتكة شنعاء ما كان شكلَها عليكم سلامٌ من فتى عضه الردى ولم ينس عيناً أثبتت فيه نُبلَها يبين وكف الموت يخلع نفسه وداخلها حبٌّ يُهوِّنُ ثُكلَها ولعلّ ما نظمه ابن شهيد خلال فترة استعداده للرحيل عن الدنيا يظل أصدق ما نظّم من شعر وأرق ما خطه على الورق.. وكان على ما يبدو يخفف عن نفسه بهذا النظم أو بعبارة أخرى.. كان يحاول رثاء نفسه.. في قصيدة أشبه بخطاب الوداع خاطب فيها صديقاً له هو أبو محمد علي بن سعيد بن حزم وهو شاعر معروف من قرطبة يقول: فمن مبلغٌ عني ابن حزم وكان لي يداً في ملماتي وعند مضايقي عليك سلام الله إني مفارقٌ وحسبك زادا من حبيبٍ مفارقِ فلا تنس تأبيني إذا ما فقدتني وتذكار أيامي وفضل خلائقي وفي سياق الشعور بالذنب والندم على الخطايا، نظّم ابن شهيد العديد من القصائد: تأملت ما أفنيت من طول مدتي فلم أره إلا كلمحة ناظرِ وحصلت ما أدركت من طول لذتي فلم ألفه إلا كصفقة خاسرِ وما أنا إلا رهنُ ما قدمت يدي إذا غادروني بين أهل المقابرِ وآخر قصيدة نظمها ابن شهيد، كانت عبارة عن قصيدة وداعية لإخوانه وأصدقائه ومحبيه وفيها يقول: أستودع الله إخواني وعشرتهم وكلَّ خرقٍ إلى العلياء سبّاقِ وفتية كنجوم القذف نَيِّرُهم يهدي وصائبهم يودي بإحراق توفي ابن شهيد ضحى يوم الجمعة، آخر يوم من جمادي الأولى سنة 426 هجرية في قرطبة.. ودفن يوم السبت ثاني أيام وفاته في مقبرة سلمة، ولم يشاهد على قبر أحد ما شوهد على قبره من البكاء والعويل وقد أنشد العديد من الشعراء مراثيهم لابن شهيد على قبره ومنها قصيدة طويلة لأبي الأصبع القرشي يقول فيها: شهدنا غريبات المكارم والعلا تبكي على قبر الشُهيدي أحمدا وما زال أهل الدين والفضل والتقى عكوفاً به حتى حسبناه مسجدا ولكن القصيدة التي أوصى ابن شهيد عندما نظمها في أيامه الأخيرة بخطها على شاهد قبره هي التي اخترناها اليوم لنسجل أن شعراء الأندلس كانوا يهتمون بنهاياتهم وبما يخطونه على شواهد قبورهم كما فعل أبو العلاء المعري قبلهم حينما خط على شاهد قبره: هذا جناه أبي عليّ وما جنيت على أحد..فالمعتمد ابن عباد خط على شاهده قبره قصيدته “قبر الغريب”. وهذا ابن شهد الأندلسي يخط أيضاً: يا صاحبي قم فقد أطلنا أنحن طول المدى هجودُ فقال لي: لن نقوم منها في ظلها والزمان عيدُ وكم سرورٍ همى علينا سحابُهُ ثرةً تجودُ كلٌ كأن لم يكن تقضّي وشؤمُه حاضرٌ عنيدُ حصَّلَهُ كاتب حفيظٌ وضمه صادق شهيدُ يا ويلتا إن تنكبتنا رحمةٌ مَنْ بطشُهُ شديدُ يا رب عفواً فأنت مولى قصَّرَ في شكرهِ العبيدُ المراجع: 1 - تاريخ الأدب الأندلسي/ الدكتور إحسان عباس. 2 - ابن شهيد الأندلسي/ سيرته ومكانته الأدبية/ الأستاذة عطية فاطمة الزهراء 3 - ديوان ابن شهيد الأندلسي/ محيي الدين ديب هامش: 1 - السانية: الناقة يستقى عليها من البئر.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©