الاتحاد

الملحق الثقافي

وطن عنوانه المنفى

 هل ينحصر الوطن بين غلافي جواز السفر؟ (أرشيفية)

هل ينحصر الوطن بين غلافي جواز السفر؟ (أرشيفية)

رضاب نهار

انظر حولك.. المنفى لم يعد مكاناً غريباً، ففي الغالب يحدث أن يعتاده المنفيون ويألفونه إلى درجة مطلقة الحميمية. وتصبح تفاصيله المرمية عبثاً على الشرفات والأسطح وفي الشوارع والحارات، مفاتيح مثيرة للروح، للحب وللحزن وللكتابة.. ومن دون أن ندري، ومن دون أن نعدّ لحظات العمر. يتحوّل المنفى إلى وطن، كبيراً جداً، يحتضنك، يعتصرك، وقد يخنقك. لكنك لا تفارقه أبداً لأن فيه بقاياك القديمة وحاضرك المستمر، ممسياً هو القدر.. في معجم المعاني الجامع للغة العربية، يفسّر المنفى بأنه اسم مكان من نفى، أي: مكان إقامة المطرود من بلاده. ويُقال: عاد من منفاه إلى أرض الوطن. لكن للمنفى بعده المعنوي غير المادي، الخارج عن نطاق الجغرافيا والأراضي. فثمة منافٍ روحية وأخرى فكرية، يختبرها الأشخاص داخل أوطانهم، وما أصعبها وأفظعها. ومنذ بدء الحياة على وجه الأرض، وعند كل الشعوب في العالم، اقترن مفهوم المنفى بالسؤال والفضول، وبالاختلاف. وصار فعلاً موازياً للوعي المهلك الذي يصاب به الإنسان، ويجعله علامة مميزة خارج السرب، خارج القطيع. وأن تكون فضولياً يعني أن تطرد بعيداً، فأنت في هذه الحال، كائن يتسبب بالمشاكل ويعترض على بديهيات ليس من حقك أن تسأل عنها. حينها يُفضّل أن تُسجن، تُقتل، وفي أفضل الأحوال يمكن لك أن تُنفى فتحمل بعضك وترحل إلى مكان تستطيع فيه أن تجيب عن أسئلتك بنفسك، وبصمت. لكن الآخرين لا يعرفون أبداً، أن معاقبتك بالنفي يعني اقتلاعك من جذورك ونثر شذراتك على مساحة خريطة باردة لا تعرفك ولا تعرفها. فتثمر بذورك وتخضّر أوراقك.. أيضاً، لطالما اقترن المنفى بالكتابة التي صارت متنفساً روحانياً، في محاولة للإجابة عن أسئلته المتخبطة بين الألفة والاغتراب، حيث مرّ كتّابه على العديد من مراجع التاريخ والفلسفة، وقطعوا الكثير من خرائط الجغرافيا، بغرض الوصول إلى إجابة محددة لكن دون فائدة مطلقة أو حتمية. فهل ينحسر الوطن بين غلافي جواز السفر أو في رقعة جغرافية وحيدة؟ وهل يمكن له أن يترحّل معنا في الحقائب؟

عند هذه الأسئلة التقى الأدباء والمفكرون العرب والأجانب، مؤكدين أن الضعفاء والفاشلين فقط هم الذين لم يتصالحوا مع منافيهم، وسمحوا لها أن تقتل حبهم للحياة.

***
المعرفة ينبوع حياةٍ متحوِّلةٍ، إلاَّ أنها شُرِطَت بنفي مَن يطلبها. إذن متى نعرفُ من دون أن نُنْفى، ومتى لا تصبح المعرفة منفى؟
الوطن الحقيقي للمنفى، هو خارج الزمان والمكان، خارج كل الأوطان والبلدان، بل هو خارج كل عتاقة وماضوية. إنه هناك، في تجليات الجديد دائماً. لا يحكمه أحد، ولا يحرسه أحد، ولا يوجد على الخريطة، ولا يصل إليه كل من هبَّ ودبّ كذلك.

عبد العزيز جاسم:
دهليز المنفى وشمسه
***
النفي هو أحد أكثر الأقدار مدعاة للكآبة. وفي أزمنة ما قبل العصر الحديث كان الإبعاد عقاباً مرعباً بصفة خاصة، لأنه لم يكن يعني فقط أعواماً يعيشها الإنسان تائهاً من دون هدف، بعيداً عن الأسرة وعن الأماكن المألوفة، بل لأنه يعني أيضاً أن يكون أشبه بمنبوذ دائم، لا يشعر أبداً كأنه بين أهله وخلّانه، لا يتفق البتة مع محيطه، لا يتعزّى عن الماضي، لا يذيقه الحاضر والمستقبل إلا طعم المرارة.
***
عندما تترك موطنك، لن تتمكّن ببساطة أينما حللت من أن تستأنف حياتك وتصبح مجرّد مواطن آخر في المكان الجديد. أو إذا أصبحت هكذا، فإن الجهد المبذول يشتمل على قدر كبير من الإحراج الذي نادراً ما يستحقه هذا العناء. بإمكانك أن تمضي جانباً كبيراً من وقتك متندماً على ما فقدت، حاسداً المحيطين بك ممن هم دائماً بين أهلهم وخلّانهم، وقرب أحبتهم، يعيشون حيثما ولدوا ونشأوا دونما أن يضطروا أبداً إلى اختبار فقدان ما كان يوماً لهم فحسب، بل وفوق ذلك أيضاً مقاساة الذكرى المعذّبة لحياة لا يستطيعون العودة إليها.
إدوارد سعيد:
صور المثقف
***
يتوق كل مصري أعرفه إلى أن يُدفن بتراب مصر بعد وفاته، إلا أنني أخبرت ابتهال لو توفيت بالمنفى، فعليها ألا تعيد جثماني للوطن لدفنه. بعد أن أصدرت المحكمة حكمها بأنني مرتد، شعرت وكأن أمي نبذتني، كيف سأرقد في سلام وقد عاملتني بهذا الظلم؟ بعد فترة وجيزة من وجودي بالمنفى، قمت بزيارة إحدى جامعات واشنطن، وهناك قابلت أحد المصريين يحضر الندوة التي كنت موجوداً بها، سألني: هل أنت جاد؟ هل أخبرت ابتهال ألا تعيد جثمانك للوطن؟، أجبت بنعم، فقال: «لا بد أن يشعر كل مصري بالغضب تجاهك»، فأجبت فوراً: أنت ترى مصر كمقبرة، لكنني أراها وطناً.

نصر حامد أبو زيد:
صوت من المنفى -
تأملات في الإسلام
***
أماه يا أماه
لمن كتبت هذه الأوراق
أي بريد ذاهب يحملها؟
سدّت طريق البر والبحار والآفاق..
وأنت يا أمّاه
ووالدي، وإخوتي، والأهل، والرفاق..
لعلّكم أحياء
لعلّكم أموات
لعلّكم مثلي بلا عنوان
ما قيمة الإنسان
بلا وطن
بلا علم
ودونما عنوان

محمود درويش:
رسالة من المنفى

***
شكراً لمنفاي الجميل.. فإنه
أهدى إليّ حضارة.. وخرائط.. وموانئ..
وقصائد وقوافيا..
لم يكسر المنفى عظام أصابعي
أبداً.. ولم يخفض جبيني العاليا.
فلقد زرعت على الكواكب حنطة
وغرست فوق الأطلسيّ دواليا..

نزار قباني:
صباح الخير أيها المنفى
***
كان آباؤنا يحدثوننا بفخر عن مآثرهم وعن الحروب التي شاركوا فيها دفاعاً عن الوطن. أما نحن فلا نملك مثل هذه الذكريات. إذ باستطاعتنا أن نحدّث أطفالنا عن المنفى والسجون والشرطة والمحاكم والتحقيقات فقط. والغريب في الأمر، أنني لست حاقداً على أولئك الذين عذبونا واحتقرونا. ربما من واجبي أن أشكرهم، لأنني خرجت من التعذيب أكثر صلابة، ولأنني صقلت روحي في النضال ضدهم.
عزيز نيسين: ذكريات من المنفى
***
ما كان المنفى أوقيانوس الجغرافيا والنأي عن الوطن، إنما كان هذا الوجيب الراشح بالحزن والمرارة. الوجيب الذي ينبض في الأعماق شبيه نبتة تنمو في شقوق الصخر. في هذه المرحلة غير السعيدة، لكن الغنية في تجربة الكتابة واكتشاف البشر والأماكن، عرفت أوطاناً أخرى غير وطني الأول. لقد تأقلمت مع هذه الأوطان والتحمت بها. وكما كنت وفياً ومحباً لوطني، ما اختلف الأمر بالنسبة لهذه الأوطان.
حيدر حيدر:
أوراق المنفى -
شهادات عن أحوال زماننا
***
النفي هو تجريد القانون، وليس ثمة شيء أفظع منه. ولكن بالنسبة لمن هو فظيع؟ بالنسبة للمحكوم عليه بالنفي؟ كلا، إنه فظيع بالنسبة إلى من قضى به. فالقصاص ينقلب على الجلاد فينهشه.
النفي ليس شيئاً مادياً، إنه شيء معنوي، كل أركان الأرض عنده سواء. ضاحكة، تناسبه كل الأحلام. على أن يكون في ركن مظلم، وأفق فسيح.
فيكتور هيجو: رسائل وأحاديث من المنفى
***
يمرّ الليل عن جفني ويسألني
متى تشفى من الشجن؟
أحبائي سؤال الليل يؤلمني
ويحزنني
لأني كل ما أدريه أني بتّ منفياً
وأنّي لم أزل حياً

محمد القيسي:
في المنفى
***
وماذا من وراء الصدق تنتظرُ؟
سيأكل عمرك المنفى
وتلقى القهر والعسفا
وترقب ساعة الميلاد يومياً
وفي الميلاد تحتضرُ!
وما الضررُ؟
فكل الناس محكومون بالإعدام
إن سكتوا، وإن جهروا
وإن صبروا، وإن ثأروا
وإن شكروا، وإن كفروا
أحمد مطر: حوار على باب المنفى


اقرأ أيضا