الاتحاد

الملحق الثقافي

الدَّمار كعمل فني

«القُبلة» لوحة الفنَّان غوستاف كليمْت تنتصب فوق منزل مهدم (أرشيفية)

«القُبلة» لوحة الفنَّان غوستاف كليمْت تنتصب فوق منزل مهدم (أرشيفية)

د. أم الزين بنشيخة المسكيني

لليونان تراجيديا ديونيزوس، وللمحدثين جماليّات العبقريّة، وليهود المحرقة استطيقا الكارثة، أمّا نحن العرب الحاليّون فهل يكون نصيبنا هو جماليّات الدمار؟ وبمعنى آخر هل يكون مفهوم الدمار هو المفهوم الجمالي والفلسفي الذي بوسعه أن ينخرط عربيّا ضمن التاريخ الكونيّ لجماليات المريع (sublime). ثيودور أدرنو المفكّر الألماني المعاصر كآخر صاحب أهمّ نظرية إستطيقيّة في القرن العشرين، حينما كتب في ستّينيات القرن الماضي: «لم يعد ثمّة من جمال، لأنّ الجمال لم يعد موجودا»، وهو في ذلك إنّما يتّخذ من مفهوم القبح براديغما جماليّا ناظما لجملة كتاباته حول الفنّ الحديث.
من الجميل إلى المريع
لكن يبدو أنّ ما يحدث لنا في هذا الواقع العربيّ المتخم بالدمار الموحش قد لا تستوفيه مقولة القبح، فالقبيح يفترض جميلا ما يوجد في مكان آخر، غير أنّ الدمار لا يفترض غير خراب المشهد وخلاء المكان وغياب الجمال نفسه. فالدمار أكثر من أن يكون قبيحا فقط.. فكيف سنكتب عن مجازرنا اليوميّة في المدائن العربية؟ كيف سنرسم محارقنا فنّيا؟ وكيف سنكتب عن دمار مدننا جماليّا؟
في هذا الزمن المثقل بالضحايا، بالمفقودين والمقتولين والمحترقين والغارقين واللاجئين والمجوّعين، إنّ ما نعيشه قد لا يقبل التمثيل ولا التخييل، لذلك هو ينتمي الى جماليات المريع. أيّ شكل من التفكّر الجماليّ يناسبنا؟ ولأنّنا صرنا نحن هم السكّان الأصليّون لمناطق ترويج صناعة الدمار، ربّما يكون الأجدر بنا أن نجعل من فكرة الدمار نفسها مفهوما ناظما لإمكانيّة تأسيس جماليّاتنا الخاصّة بنا عربيّا. على أنّه ينبغي علينا أن ننبّه ههنا إلى أنّنا لا نروم التأسيس لأيّة عدميّة سلبيّة جديدة ولا إلى أيّة بكائيّة على طريقة البكّائين المعاصرين بانتماءاتهم المختلفة. آن الأوان أن نكون قادرين على التماسك صُلب الخراب في ضرب من المقاومة له في آن معا. نحن ههنا صامدون، وهذا وحده يكفينا. على إيقاع آلامنا سوف نبدع أمكنة أخرى. وستكون أفراحنا ممكنة ضمن ضرب من الرغبة العميقة في المستحيل. لا وقت للتشاؤم ولا للتفاؤل. نحن فقط نقاوم بأغنيات أخرى فيما أبعد من البشر. ونحن فقط نكتب قصائد أخرى على إيقاع إعدام شاعر هنا أو هناك. ننشد أغاني للحياة حتى وإن لم تبق غير أغانينا، فقد تصل تِلكم الأغنيات يوما إلى مكان ما.
في هذا المقال نكتفي بترصّد بعض تجلّيات مفهوم الدمار، كمشكل إستطيقيّ، في الشهادة بالفنّ على معاناة الشعب السوريّ الموجعة كما صوّرتها أعمال الفنّان السوريّ تمّام عزّام. وهي أعمال تعبّر بالصور على خواء الأمكنة في سوريا اليوم وهي تحيا تحت قصف القنابل وتفجيرات الإرهابيّين تحت كلّ عناوين الإرهاب المحلّي والعالميّ. فالموت في سوريا لا يشبه أيّ موت آخر، لأنّه موت يوميّ ولا أحد يعلم نهاية هذه المجزرة الكبرى. بل إنّ الناس في سوريا لا يموتون بل يُقتلون. بين أن تموت وأن تُقتل ثمّة مسافة موجعة. لأنّ من لا حقّ له في الموت لا حق له في الحياة أيضا. ورغم ذلك يبدو الواقع السوريّ هو أبشع وأفظع بكثير ممّ تلتقطه الصور أو تعبّر عنه الرسومات الفنّية. تلك هي الأطروحة الجماليّة العميقة للفنّان تمّام عزّام بحسب بعض أقواله. سنكتفي بتصفّح عمله الأخير الذي يُعرض تحت عنوان «الطريق رقم 1» ضمن معرض الطريق بدبي. ونحن نقترح ههنا بعض خطوط التفكير تحت راية جماليّات الدمار كبراديغم قراءة بوسعه هدينا إلى وجهة جمالية مغايرة تتّخذ من المقاومة أفقا لها.
وبوسعنا اقتراح بعض ملامح جماليّات الدمار التي تؤسس لها بعض أعمال الفنّان الرقمي تمّام عزّام، في الأفكار التالية:
ــ إنّ الموضوعة الأساسيّة التي تتفنّن في تخريجها أعمال تمّام عزّام هي موضوعة المكان بما هو مكان لم يعد هناك. وهو معنى الدمار كرسالة فنّية تنثرها أعماله في كلّ مرّة. لكنّ اشتغاله على الدمار بما هو التجلّي الأساسيّ للواقع السوريّ اليوم كما تلتقطه أعماله، لا يهدف إلى إثارة أي شكل من البكائيّات على طريقة فنّاني المحرقة الذين حوّلوا الفنّ إلى ما يسمّيه الفيلسوف الفرنسيّ دريدا «عملا للحِداد» على الغائبين. إنّما نحن نلمس في أعماله ضربا من البرودة والوحشة وصمت الخراب. إنّه يذهب في التهكّم الأسود بالصورة إلى أقصى ما بحوزتها. الفنّ بين يدي تمّام عزّام هو فنّ يفكّر. وذلك بدلاً من فنّ يبكي. وحده القادر على التهكّم الأسود من أوجاعه الدفينة، بوسعه أن يفكّر. إنّ فنّانا من هذا القبيل إنّما يصنع من آلامه حبلا لصعوده. ولأنّه لا يتألّم وحيدا، فهو بوسعه أن يحلّق أكثر في سماء العالم. وحده من يكون جديرا بأن يُؤتمن على معاناة شعبه، بوسعه أن يبدع لهذا الشعب عالما آخر. وهو ما تجسّده فكرة السفر ضمن «رحلة ميمونة» في شكل قطعة من دمار دمشق تجوب سماء العالم، تحملها بالونات ملوّنة بكلّ الألوان. وكأنّما ألوان الرسّام وحدها بوسعها جعل الدمار نفسه قادرا على التحليق في السماء رغم كونه دمارا. وربّما وحدها الألوان لا تُقتل في سوريا.
ــ ينتمي فنّ تمّام عزّام إلى فنّ المريع Sublime وليس الى فنّ الجميل بما هو فنّ يخلق الصدمة والاستفزاز بدلاً من المتعة والطمأنينة. فهو فنّ يفزع ويسائل ويحاكم ويستنطق. إنّه يخلق الفنّ الهجين بدلاً من الفنّ للفنّ أو الفنّ الملتزم بالمعنى المباشر والمبتذل لعلاقة الفنّ بالسياسة أو بالايديولوجيا أو بالثورة. وهو ما نراه بخاصّة في السلسلة الرائعة الخاصّة «بالغسيل القذر»، غسيل كلّ الأيادي القذرة ينشرها عزّام على سطح العالم ناشرا غسيل كلّ الخيانات والخطط الموبوءة ضدّ الشعب السوريّ في شكل أشلاء ودماء وبقايا صادمة.
ــ ليس ثمّة ذات في أعمال تمّام عزّام في معنى الذات الحديثة بنفوذها الكلاسيكيّ وذوقها الجماليّ وإرادة الحقيقة الخاصّة بها. فهو ينتمي برسوماته إلى عصر نهاية الذات وكأنّما الرسّام نفسه قد رحل ولم يترك غير المصوّر أو المشتغل على الصور. فهو لا يرسم بالمعنى التقليديّ، بل يرحل إلى مرسم افتراضيّ بعد أن فقد مرسمه الأوّل بل وبعد أن هاجره غصبا عنه. هو فقط يصوّر ما يحدث، وهذا وحده كثير في عالم يتأرجح كل يوم نحو فظاعة الحروب والعنف والقتل اليوميّ البارد. إنّه يعيد إلى العالم فظاعاته في شكل دمار فنّي قائلا له ما قاله يوما ما بيكاسو عن غيرنيكا لأحد الجنود الألمان الذي سأله عن غيرنيكا: «هل أنت هو من رسمها؟» فأجابه بيكاسو:» بل أنتم من فعل ذلك».
ــ تمّام عزّام يجري تحويرا عميقا على العلاقة بين المرئيّ واللامرئيّ: ثمّة القليل من الأشياء التي تُرى في سماء الدمار الملبّدة بالغيوم، وثمّة الكثير من العمى في العتمة. ثمّة ضرب من ضجيج العميان يتصادى في شكل أصوات لا نراها لأنّه لا شيء تبقّى من أجل أن نراه، لكن تبقى الأشياء المهملة والتفاصيل بوسع الفنّان أن يشكّل منها عالما آخر.
ــ قليلون هم البشر الذين نراهم في أعمال تمّام عزّام. بحيث نراه يختار ألاّ يشتغل على صور القتلى والجثث والدماء كما يفعل فنّانون آخرون، وكأنّه إنّما يؤسّس لضرب من فنّ الغياب ضدّ فنّ الحضور الذي يشتغل على المشاهد والمناظر ويتفنّن في رسم الوجوه أو البسمات أو النظرات، كما الفنّ الكلاسيكيّ عموما، رسم البورتريه أو المناظر الطبيعيّة أو الانطباعات. فلا أحد ينظر إلينا من داخل أعمال تمّام عزّام، لأنّ الجميع قد رحل بعدُ عن هذا المكان: مكان الصورة ومكان التاريخ ومكان الجغرافيا الحزينة.

الرسم المتسلسل
يستعمل تمّام عزّام تقنية الرسم وفق السلسلة كما نقول سلسلة من الهجمات على دمشق حلب أو حمص.. وكما نقول «الجريمة المتسلسلة». وقد رسم بعض كبار الفنّانين وفق هذه التقنية مثل فان غوغ الذي رسم أحذيته أكثر من ثماني مرّات.. فالفنّ أيضا يمكنه أن يصوّر وفق السلسلة من أجل خلق الكثرة والكثافة تعبيرا عن كثافة ما يحدث وعن عمق المأساة وعن عجز عمل واحد عن الإيفاء بحجم الوجع.. ونجد هذا الأسلوب بخاصّة ضمن سلسلة «رحلة ميمونة» وسلسلة «غسيل قذر».
وأخيراً، إنّ أهمّ ما أثار النقّاد في أعمال تمّام عزّام وهو أمر يمثّل طرافته الخاصّة هو تحديدا استدعاؤه لأكبر الأعمال الفنّية الغربيّة العالميّة وزرعها في قلب صور الخراب السوريّ. فأنت ستعثر فوق بناء كبير مدمّر بدمشق على لوحة القبلة لكليمت أو على لوحة المونايزا لدفنشي أو على لوحة الليلة القمراء لفان غوغ.. والمثير للتفكير حينئذ هو التالي: لماذا يقتلع تمّام عزّام إبداعات الغرب من متاحفها الفاخرة ليزجّ بها في صُلب معمعة الحرب السوريّة؟ هل ليؤثّم العالم وبخاصة الأجندات الغربية والأميركية أم ليجعل كبار الفنّانين شاهدين على فظاعة الأحداث اليومية المفزعة في سوريا؟ لماذا يؤثث عزّام الخراب العربيّ بالإبداعات الغربيّة؟ هل نحتاج دوما إلى الغرب حتى للشهادة على أوجاعنا؟

الدمار في عُريه المحض
وهو ما يجسّده بخاصّة عمله الأخير تحت عنوان «الطريق 1» ضمن معرضه الأخير في مدينة دبي بالإمارات العربيّة. وتمثّل الصورة مبنى مدمّرا خارج لتوّه من تحت القصف. وهو بناء يخلو من سكّانه الذين رحلوا قتلا أو تهجيرا. يبدو الدمار في هذه الصورة دمارا محضا لا أحد هناك يشهد عليه أو يسمّيه أو حتّى يبكيه. ويبدو البناء المدمّر عاريا من كلّ لون غير ألوان الموت. وعزّام يترك الصورة وحيدة فلا يتدخّل لتزويقها ولا لإثرائها ولا لإغراء المشاهدين للاقتراب منها. ومن يجرؤ على الاقتراب من هذه المواقع الملغومة، مواقع الموت والخراب.؟ لا أحد يتقن مغازلة الخراب لا قولا ولا فعلا غير المخرّبين. هل نقول ههنا إنّ الفنّان يترك الصورة وحيدة ويفزع إلى مكان آخر؟ أم نقول مثلما قال مارلوبونتي الفيلسوف الفرنسي المعاصر «وحده الفنّان له الحقّ في التلصّص على العالم» أو نقول مثلما قال ليوتار «ثمّة القليل من الأشياء ههنا تصلح لأن تُرى»؟. خراب وأيّ خراب هو حيث لا أحد من البشر يمرّ من هناك. ولا شيء يرانا من داخل هذا الأثر الفنّي لأنّهم جميعا قد رحلوا.. وحدها الصورة مطالبة بالكلام ووحده الخراب مطالب أيضا بالصمت بما يليق بحجم الخراب. لأنّه لا شيء يغطّيه ولا شيء يدعمه ولا أحد بوسعه أن يبرّره أو أن يضمن فيه. هو عين الدمار في عريه الجماليّ المحض. كما لو كان الفنّ ههنا يكتفي بالإشارة إلى موقع الخراب دون أن يسمّيه ودون أن يتورّط بمنطقه ودون حتّى أن يمنحه لونا ما.

ثمّة دوما «ليلة قمراء»
أيّ طريق يقترحه علينا الفنّان؟ ومن أين سندخل للوطن؟ من أرواح الضحايا وآنّاتهم الأخيرة، من معاناة المهجّرين، من موت المجوّعين؟ من مأساة اللاجئين على حدود الدول؟ إنّ أعمال تمّام عزّام توقّع الكثير من الإشارات الرمزيّة المفزعة في تاريخ الفنّ: انهزام التاريخ وفشل الجغرافيا، بتحوّل خريطة سوريا إلى بقعة من الدم، في حين يهجّر أطفالها إلى خارج الكرة الأرضية نفسها وذلك ضمن صورة مرعبة تؤشّر فيها طفلتان تلتفتان عنّا إلى الأبد، على «أنّا كنّا هنا».
وصفوة القول إنّه في أعمال تمّام عزّام ثمّة الكثير من النهايات الموجعة: نهاية المكان، نهاية الإنسان، قلق مرعب في المستقبل وأشباح أطفال كانوا هنا في قاعات درس صارت ركاما.. وصمت الخراب. لكن ثمّة أيضا الكثير من الطرق التي لم تنته. فاللانهاية أيضا سمة جوهريّة من أعماله ضمن «درج السماء» مثلا. ثمّة دوما «ليلة قمراء «في مكان ما كما تشير علينا رائعة فان غوغ التي زرعها تمّام عزّام في قلب الخراب السوريّ. فلا شيء إذن قد انتهى لأنّ حياة الصور تجعلنا نواصل الحياة بأشكال مختلفة. وذلك مادام الفنّ قادرا على تعرية سياسات الدمار ومواقع الخراب ونشر كلّ غسيل قذر. ثمّة دوما في أعماق الظلمة نجوم أخرى.

«طريق» عزام في دبي
ينظم «غاليري أيام» في دبي، في الفترة من 18 يناير لغاية 3 مارس 2016 معرضاً للفنان السوري تمام عزام بعنوان «الطريق». يضم المعرض مجموعة مختارة من سلسلة لوحات فنية جديدة عمل عليها مؤخراً طوال السنوات الأربع الماضية منذ مغادرته دمشق.
يفتتح المعرض في السابعة مساء حتى التاسعة مساء في مقر «غاليري أيام» في منطقة القوز- دبي.

شيء عن الفنان
ولد تمام عزام في دمشق عام 1980، يعيش ويعمل في دبي. تخرج في كلية الفنون الجميلة في دمشق. أقام العديد من المعارض منها: مهرجان في الطريق (FUU) سراييفو 2015، ويسترن سوبر مير 2015، فينيسيا 2015، مهرجان أبوظبي 2015، أمستردام 2015، نيويورك 2014، بينالي فوتوفيست، هيوستن 2014، غاليري أيام لندن 2013، بينالي فنون الغرافيتي سلوفينيا 2013، غالير أيام في دبي 2009,2012، غاليري أيام دبي المركز المالي 2011.

حطام الحرب

تضع اللوحات الجديدة المشغولة على أسطح كثيفة وواسعة المتفرج على بداية طريق ساكن وفارغ ولا يتصف بوجود نهاية أو حتى اتجاه، بل على العكس هو طريق ذو مسارات لا حصر لها ومليء بعقبات غيبية غير واضحة الملامح على الرغم من شكلها الواقعي المكون من مشاهد مركبة تصور حطام الحرب، هذا وتغيب مظاهر الحياة اليومية مهما كانت عن تلك الطرق المهجورة ما يضيف شعور الوحدة والانعزال إلى جو اللوحة الكثيف ويأخذ المتفرج نحو التساؤل والتخمين عن كيفية، أو إمكانية استمرار الحياة خلف جدران تلك الأبنية المدمرة ذات الطرق المتعددة.

كتالوج المعرض
«غاليري أيام»

اقرأ أيضا