الاتحاد

الملحق الثقافي

الإمارات.. «مصدر» للطاقة البديلة

مدينة مصدر (أرشيفية)

مدينة مصدر (أرشيفية)

الفاهم محمد

عاش الإنسان لآلاف السنين في انسجام مع الطبيعة، لكن ومنذ الثورة الصناعية تغيرت هذه العلاقة بشكل جذري، لقد أصبح في مواجهتها، بل هو يريد ممارسة سيادته وهيمنته عليها طبقاً للشعار الديكارتي الشهير. وها نحن اليوم قد وصلنا إلى نتيجة هذه المواجهة التي أعلنها الإنسان على الطبيعة الأم.. حضارتنا حاليا لا تهدد هذا الكائن أو ذلك، بل هي تهدد بقاء الحياة ككل بما في ذلك حياة الإنسان ذاته. هذا ليس مجرد غلط أو عثرة بسيطة يمكن تجاوزها بسهولة، الأمر يتعلق بخطأ جسيم يقع في صلب الحضارة المعاصرة مثلما تقع الدودة في الثمرة. فإذا كانت التقنية هي قدر الميتافيزيقا كما قال هيدغر، على غرار ذلك يمكن أن نقول إن الانهيار البيئي والجناية على الطبيعة تقع في قلب التقنية.

حضارتنا اليوم تستهلك من الطاقة أضعافا مضاعفة ما استهلكه الإنسان منذ ظهوره على الأرض. مع ذلك ودائما تبعا للفكر الهيدغري هذه التقنية التي كانت تهدد وجود الإنسان هي نفسها يمكن أن تؤسس خلاصه. نعم ثمة طرق كثيرة لإعادة التصالح مع الطبيعة، وهذه الطرق تتخذ اليوم اسم الطاقات البديلة. نحن على أبواب ثورة جديدة يطلق عليها الثورة الرابعة بعد الثورة الزراعية والثورة الصناعية والثورة التكنولوجية تخص بالأساس رصد هذه المرحلة الانتقالية التي تعيشها الحضارة المعاصرة من الوقود الأحفوري إلى الوقود النظيف والمستدام. ولكن قبل الحديث عن هذه الثورة الطاقية الجديدة دعونا نلقي نظرة سريعة أولا على حجم الخراب الإيكولوجي الذي وصلنا إليه اليوم.

جناية البشر على الطبيعة
كتب إريك فروم في كتابه: «تشريح التدميرية البشرية» مميزا بين البيوفيليا أي حب الحياة والنيكروفيليا وهي على النقيض حب الجثث واشتهاء الموتى يقول: «يمكن توصيف النكروفيليا بمعناها في علم الطباع بأنها الانجذاب العاطفي إلى كل ما ميت، ومتفسخ، ومتعفن، وسقيم، إنها الشغف بتحويل ما حي إلى شيء غير حي، وبالتدمير من أجل التدمير، والاهتمام الحصري بما هو ميكانيكي خالص. وهي الشغف بتفكيك كل البنى الحية» (1).
لا يصف إريك فروم هنا فقط حالة سريرية بل هو يشخص أيضا المرض العام الذي يميز حضارتنا. تشخيصه هذا ينطبق بالضبط على التدمير المنهجي الذي أخضع له الإنسان المعاصر الطبيعة. كل الأنشطة الصناعية التي يقوم بها الإنسان لها نتائج مدمرة على الطبيعة، فالحضارة الاستهلاكية القائمة على توفير الرخاء المطلق للإنسان أخلت بشكل كبير بالتوازنات البيئية، لدرجة أصبح معها الإنسان هو ذاته سرطان للكرة الأرضية يزحف بشكل سريع على اخضرارها. سبق للرئيس الأمريكي باراك أوباما أن صرح مرة بأن الخطر البيئي يفوق في حدته الخطر الإرهابي، وهذا صحيح تماما دون أن ننسى أن أميركا هي واحدة من أكبر الملوثين للأرض حاليا إضافة إلى الصين والهند وروسيا.
بشكل عام يتلخص جوهر حضارتنا في القانون الآتي: كلما ارتفعت وتيرة التقدم والتنمية ارتفعت نسبة انبعاث الكربون وازداد الاحتباس الحراري. وكلما ارتفعت درجة حرارة الأرض جرت وراءها العديد من الظواهر الأخرى، مثل ذوبان الجليد والاضطرابات والتغيرات المناخية وتلوت المياه وتصحر الأراضي، بعض الإحصاءات تقول إن حوالي 13 مليون هكتار من الغابات تختفي كل سنة، إضافة إلى انقراض بعض الكائنات الحية وغيرها. إن ما يطلق عليه «البصمة الإيكولوجية» له تأثير كبير على فيزيونومية الأرض. لكن المشكلة تزداد حدتها عندما نعلم أن كل هذا له تأثير على المجال الإنساني أيضا، يوما عن يوم ثمة جماعات بشرية كثيرة في العالم تجد صعوبة كبيرة في الوصول إلى المياه الصالحة للشرب أو ري الأراضي الزراعية. نوع جديد من الهجرة يضاف اليوم إلى الهجرات التي كان سببها فيما مضى الأزمات الاقتصادية أو السياسية، إنه الهجرة الإيكولوجية والنزوح بسبب الكوارث البيئية. من المسؤول عن كل هذا؟ إنه بالتأكيد الطاقة الأحفورية وما تنفثه من غاز ثاني أكسيد الكربون، ولكنه أيضا الرأسمالية التي تهدف إلى تسليع العالم، إلى تحويل كل ما هو حي إلى سلعة قابلة للبيع. نحن نعيش في عالم موات، اقتصادنا ليس اقتصادا أخضر، نشتهي البضائع والاستهلاك، وكل ما هو ميكانيكي، هذا هو جوهر التدميرية التي تعرفها حياتنا اليوم.

نهاية الوقود الأحفوري
نحن على أبواب منعطف تاريخي كبير فالبترول يقترب من نهايته، في أقل من قرنين من الزمان قمنا بحرق ما تطلب آلاف السنين من الطبيعة حتى تكونه. نمط الحياة العصرية التي نعيشها يقوم على استهلاك مفرط للمحروقات، والدول النامية الجديدة مثل الهند والصين تزيد في ارتفاع الطلب حول المحروقات. يقال مثلا إنه في الصين يتم بيع كل يوم حوالي 1500 سيارة لقد تم التخلي عن الدراجة الهوائية التي كانت رمزا للصين الشعبية. إن الرغبة في الرفاهية والاستفادة من الرخاء الذي توفره الحضارة، إضافة إلى تعميم النموذج الغربي التحديثي على باقي البلدان يوسع حظيرة السيارات في العالم. بواسطة البترول بنينا الحضارة المعاصرة ورفعنا من الإنتاجية، ولكن البترول يتناقص ويقترب من نهايته. لقد استهلكنا نصف الاحتياطي الذي أهدتنا الطبيعة إياه وما تبقى منه لن يمكننا من الوصول إلى نهاية هذا القرن، كما أن ثمنه يرتفع يوما عن يوم. صحيح هناك احتياطات أخرى مثل النفط الرملي في كندا ونفط أعماق البحار ونفط القطب الشمالي غير أن هذه كلها كلفتها الإنتاجية غالية جدا كما أن تأثيرها على البيئة لا يطاق.
سنة 1956 قدم ماريون كينغ هوبرت مفهوم (قمة النفط - Peak oil) وهو مفهوم يدل على أعلى قمة إنتاجية للنفط يمكن أن يصل إليها العالم كي نبلغ الحد الأقصى ويبدأ الانخفاض التدريجي فيما بعد. ورغم أنه من الصعب تحديد هذه القمة بشكل دقيق نظرا لأنها تتأثر بالأحداث السياسية والاقتصادية التي تخفض أو تزيد الطلب، كما تتأثر أيضا بمواقف بعض الدول التي تعتبر أن حجم احتياطها النفطي هو سر من أسرارها الاستراتيجية، إلا أن الكل يعلم أن هذه القمة باتت وشيكة وأنه على الأرجح سنبلغها في منتصف هذا القرن.
أغلب المتتبعين لهذا المجال يرون أنه لم تعد الآن هناك حقول نفطية كبيرة لتكتشف. كما أن الكثير من الحقول تم هجرها بعد استنزاف مخزونها. الطاقات الأحفورية ليست طاقات دائمة. لكل هذه الأسباب إذا ما أردنا أن نجنب الأجيال القادمة ما يمكن أن نسميه بالصدمة الطاقية، علينا أن نفكر منذ اليوم في الطاقات البديلة التي تتمتع بميزتين أساسيتين، الأولى هي أنها طاقات نظيفة صديقة للبيئة، والثانية هي أنها طاقات متجددة غير قابلة للنفاد.

الطاقات البديلة المستقبلية
ظن العديد من الدول أنه بإمكانها تجاوز مشكل الطاقة عن طريق استخدام الطاقة النووية. لقد تبين الآن بالملموس أنها طاقة خطرة جدا خصوصا مع أحداث مفاعل فوكوشيما مؤخرا وقبله ثري ميل آيلاند بأميركا سنة 1979 وتشرنوبيل بالاتحاد السوفييتي سنة 1986. هكذا ورغم أن الطاقة النووية ليس بها انبعاث لثاني أكسيد الكربون إلا أنها تظل غير آمنة، إما بسبب خطأ بشري أو تقني أو طبيعي يمكن أن يصبح تهديدها مرعبا. 2 لهذا بدأت مجموعة من الدول الصناعية وعلى رأسها بلجيكا وألمانيا في التفكير جديا في ضرورة تقليص اعتمادها على الطاقة النووية، إذ بالإضافة إلى طابع الخطورة التي ينطوي عليها هذا النوع من الطاقة، هناك أيضا محدودية اليورانيوم في الطبيعة، كما أن النفايات النووية مضرة بالبيئة وبالتالي لا يمكن للطاقة النووية لا أن تكون نظيفة ولا أن تكون دائمة. من هنا التفكير في الطاقات البديلة، أو الطاقات المتجددة، أو كذلك الطاقة النظيفة، كلها تعابير اصطلاحية تدل على هذه المصادر الجديدة غير التقليدية التي يتم الحصول فيها على طاقة غير ملوثة عكس الطاقات الأحفورية. عادة ما نتحدث عن خمسة أنواع من الطاقات المتجددة هي كما يلي:
أولا: الطاقة الشمسية حيث يتم استغلال أشعة الشمس إما بواسطة محركات حرارية تعمل على تحويل حرارة الشمس إلى حركة ميكانيكية، أو بواسطة لوحات تعمل بواسطة الخلايا الضوئية أو ما يسمى باللوحات الفوتوضوئية، وهي لوحات تمتص ضوء الشمس وتحوله إلى طاقة كهربائية. هذا الشكل من استغلال طاقة الشمس هو الأكثر انتشارا نحن نجده في البيوت المنزلية لتسخين الماء أو الإنارة في الشوارع والمنشآت، بل هناك سيارات تعمل الآن بواسطة الطاقة الشمسية.
ثانياً: طاقة الرياح حيث تجمع بواسطة مراوح عملاقة في توربينات تحولها إلى طاقة كهربائية. ترتبط هذه الطاقة بالأماكن التي تهب فيها الرياح بقوة مثل الخلجان، وتعتبر الدانمارك أكبر دولة في العالم إنتاجا للطاقة الهوائية إذ يقدر أنها تغطي ثلث احتياجاتها من الطاقة.
ثالثا: الطاقة الهيدروليكية المستخرجة من أمواج البحر أو من السدود والأنهار، إذ تعمل قوة جريان المياه على تدوير توربينات ومعدات خاصة لتحويل حركة الأمواج سواء السطحية أو التيارات العميقة إلى طاقة كهربائية.
رابعا: طاقة الكتلة الحيوية وهي الطاقة التي تستخرج من المواد العضوية، كمخلفات الحيوانات أو النفايات المنزلية أو بعض النباتات كالطحالب البحرية أو الذرة وغيرها. لقد قام جوش تيكل - مثلا- في أميركا بجولة من أجل جمع الزيوت المستعملة في المطاعم وتحويلها إلى وقود حيوي للسيارات. هكذا تم استخراج غاز الميتان والميثانول من النباتات ومخلفات الأبقار. لكن من سلبيات الطاقة الحيوية أنها أحيانا تكون منافسة للزراعة المعاشية، فحقول الذرة - مثلا- عوض أن يذهب منتوجها للتغذية يوظف كوقود للآليات الميكانيكية.
خامسا: طاقة جوف الأرض حيث يتم مد خراطيم خاصة إلى عمق الأرض من أجل امتصاص حرارتها واستخدامها للتدفئة، وهي الطاقة البديلة الوحيدة التي لا تعتمد على الوضع المناخي، غير أن مشكلتها هي أنها باهظة التكاليف مقارنة بالأشكال الطاقية السابقة، إذ قليلا ما تتواجد فوق سطح الأرض وبالتالي ينبغي الحفر عميقا لكيلومترات حتى نصل إليها.
الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل هناك أحاديث كثيرة عن أنواع أخرى من الطاقات تقترب من حدود الخيال، لو وضع الإنسان يده عليها لتمكن من الوصول إلى طاقة أبدية لانهائية. نذكر على سبيل المثال ما يسمى بالاندماج البارد، وهو ضد الاندماج النووي الذي يتطلب طاقة هائلة حتى تندمج الذرات مع بعضها ونحصل على مادة جديدة، يكتفي الاندماج البارد بتفاعل يحدث ضمن درجة حرارة عادية جدا وبدون انبعاثات ملوثة. هذه الطاقة ما زال يحيطها الكثير من الغموض والسرية. هناك ما هو أغرب من هذا فقد صرح ستيفان هوكينغ في محاضرة له مؤخرا أنه بإمكاننا تزويد الأرض بالطاقة انطلاقا من ثقوب سوداء صغيرة يتم التحكم فيها. 3
يتحدث البعض أيضا عن معدن الثوريوم thorium وهو مادة مشعة لكنه أنظف بكثير من اليورانيوم المستخدم في المفاعلات النووية. يعتقد أن الكميات المكتشفة منه لحد الآن قد تكفي البشرية لعشرة آلاف سنة. هذا دون أن ننسى الحديث عن موضوع الطاقة المجانية التي بحث فيها العالم الاستثنائي نيكولا تسلا وهي طاقة تولد الكهرباء مباشرة من الهواء بدون الحاجة إلى الأسلاك الموصلة. وسواء تعلق الأمر بالطاقات البديلة المعروفة أو غيرها من الطاقات المستقبلية، فإن ما ينقصنا ليس البدائل العلمية في حد ذاتها فهي كثيرة وإنما ما ينقصنا هو الإرادة السياسية للمرور نحو الثورة الرابعة.

مشاريع إماراتية
قد يقول البعض ما حاجة المنطقة العربية إلى الاهتمام بموضوع الطاقات البديلة وهي تتوفر على أكبر احتياطات النفط العالمية. وكما ورد أعلاه النفط لا يمكن بأي حال اعتباره طاقة دائمة، كما أن التغيرات المناخية التي تحصل في الكرة الأرضية من شأنها أن تلحق الضرر بالجميع. يتحدث برايان فاغان في كتابه الصيف الطويل (4) عن تأثير المناخ في صعود وأفول الحضارات البشرية عبر التاريخ منذ العصر الجليدي وإلى يومنا هذا. ففي مؤتمر الطاقة الجديدة والمتجددة في الوطن العربي المنعقد بمصر سنة 2013 تمت التوصية بضرورة إنشاء الوكالة العربية للطاقة الجديدة والمتجددة والتفكير في الوضع العربي ما بعد النفط. ويلاحظ أن العديد من الدول العربية اهتمت مبكرا بموضوع الطاقات البديلة، مثل الطاقة الكهرومائية في مصر والعراق وطاقة الرياح في خليج السويس وفي الأردن وكذلك الطاقة الشمسية في بعض دول الخليج، إلا أن أكبر المشاريع الطاقية النظيفة نجدها حاليا في كل من الإمارات والمغرب.
من أكبر الإنجازات التي حققتها الإمارات كان فوزها سنة 2009 باستضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة IRENA في مدينة مصدر. هذه الوكالة التي تسعى إلى تشيع الانتقال نحو الطاقات البديلة على مستوى العالم. ومدينة مصدر القريبة من أبوظبي هي أول مدينة على المستوى العالمي خالية تماما من الكربون ومعتمدة بشكل كلي على الطاقة النظيفة وبالخصوص الطاقة الشمسية. تبدو المدينة بشوارعها النظيفة ومبانيها المشيدة بطريقة بيئية خاصة كما لو أنها قادمة من المستقبل. لقد أصبحت قبلة لكل العلماء والباحثين في مجال البيئة والطاقات النظيفة، من أجل استكمال بحوثهم ومشاريعهم التجريبية خصوصا في «معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا» الذي يعتبر أكبر جامعة في العالم متخصصة في الطاقات النظيفة. لا بل إن هذا المعهد يشرف اليوم على مشاريع طاقية كبيرة في العالم في إطار التعاون بين الإمارات وبعض الدول مثل إسبانيا وبريطانيا. بنيت المدينة هندسيا بشكل يجعل قاطنيها يستهلكون أقل نسبة من الطاقة، يمكن للمرء أن يقضي أغلب أغراضه مشيا على الأقدام، وإذا احتاج للتنقل لمسافات أطول فهناك عربات تشتغل بالطاقة الكهربائية. هي اليوم مثال يحتذى على الصعيد العالمي وتحدٍ حقيقي لكل من يعتقد أن الطاقات البديلة محدودة وغير قادرة على إدارة شؤون المدينة بكفاءة.
هناك أيضا مشروع (شمس 1) وهو مشروع ضخم ليس فقط في الإمارات بل في العالم كله، يقع بمدينة زايد، ويقوم على تحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كهربائية بقدرة إنتاجية تبلغ 100 ميغاواط. وكذلك مشروع نجم الذي افتتح سنة 2010 وهو برنامج يهدف إلى حث المباني والمنشآت على اعتماد الطاقة النظيفة، بغرض تقليص مساهمتها في خفض استهلاك الطاقة عن طريق زرع مجسمات تراقب ترشيد استعمال الكهرباء. هناك مشاريع أخرى ذات أهمية بالغة في السياسة البيئية التي تنهجها الإمارات مثل مشروع إنشاء 22 محطة لتحلية ماء البحر والمياه الجوفية عالية الملوحة واستخدامها في ري الأراضي باعتماد الطاقة الشمسية. وكذلك مشروع استخدام هذه الأخيرة من أجل توفير الطاقة النظيفة للمكيفات الهوائية. تعتبر الإمارات اليوم واحدة من الدول ليس فقط على الصعيد العربي ولكن على الصعيد العالمي التي تمتلك سياسة بيئية رصينة ذات منظور استراتيجي.
بالإضافة إلى الإمارات هناك أيضا المغرب الذي دخل مجال الطاقات البديلة بقوة من خلال مشاريع كبيرة مثل مشروع «منشأة الطاقة الهوائية الأكبر في إفريقيا» والواقع في شمال المغرب بين مدينة تطوان وطنجة حيث يكثر هبوب الرياح. كما دشن مؤخرا مشروع نور 1 بالقرب من مدينة ورزازات وهو الأضخم حاليا في العالم حيث من المنتظر أن يزود حوالي مليون منزل بالطاقة الكهربائية.

صعوبات الانتقال الطاقي
نعيش حاليا تطلعا نحو حضارة جديدة ولكن هل هناك سياسة موحدة لتحقيق الانتقال الإيكولوجي؟ هناك العديد من المؤتمرات والاتفاقيات حول التغيرات المناخية بدءا من مؤتمر ستوكهولم 1972 ومؤتمر ريو 1992 وصولا إلى بروتوكول كيوتو 1997 ومؤتمر جوهانسبورغ 2002 وغيرها، لكن رغم كل هذه المؤتمرات فإنها لم تستطع بعد أن تصنع إجماعا عاما حول المعضلة الإيكولوجية. الانتقال إلى الطاقات البديلة وحماية البيئة يتطلب تعاونا دوليا وإجماعا عالميا وهذا ما زال متعثرا اليوم. فما دامت السياسة الدولية قائمة على الرغبة في الهيمنة والتفوق فإن تحقيق هذا الانتقال ما زال بعيدا. يتطلب الأمر حصول تغيير جدري في طبيعة الرأسمالية ذاتها. إن المرور نحو الطاقات النظيفة مرهون بالتخلي عن العادات الاستهلاكية التي أصبحت مترسخة لدينا. لا يمكن اليوم تلبية حاجات البشر المتزايدة نحو الاستهلاك مع الحفاظ على التوازنات البيئية في نفس الوقت. بمعنى أن المعضلة البيئية التي نجد أنفسنا عليها اليوم تتطلب حلا مزدوجا:
أولا: تغيير السلوك البشري الذي أصبح بفعل العادة التي رسختها الدعاية يتعاظم حب الاستهلاك لديه يوما عن يوم.
ثانيا: تغيير طبيعة الرأسمالية القائمة على منطق: أكبر كمية إنتاجية بأقل تكلفة. بمعنى أن الرأسمالية تبحث فقط عن المردودية المرتفعة وهذا تحققه بواسطة تخفيض كلفة الإنتاج. بكلمة واحدة للخروج من المعضلة البيئة ينبغي الوصول إلى إنتاجية أقل وسلوك استهلاكي مخفض إلى درجته القوى. ولكن هل هذا ممكن؟ نلاحظ أن الدول النامية لا ترغب في تغيير سلوكها الاستهلاكي، أما الدول السائرة في طريق النمو فهي تسعى جاهدة إلى تقليد النموذج الغربي للتنمية بأي ثمن. (5)
عدد الدول المهتمة بالطاقات البديلة يتزايد يوما عن يوم، لكن رغم ذلك فهذه الطاقات ما زالت لم تستدمج بشكل كبير في اقتصاداتها إذ إن نسبة اعتمادها كطاقات ضرورية بدل الطاقات الأحفورية ما زال جد محدود.
يضاف إلى هذا أن مسألة الطاقات البديلة من شأنها أن تغير العلاقات الدولية وتدفع إلى خريطة جيو سياسية جديدة. الكل يعلم أن النفط لعب دورا كبيرا في التشكلات والعلاقات الدولية، ونفس الشيء من المنتظر أن تلعبه الطاقات المتجددة خاصة، ونحن نعلم أن المنطقة العربية تقع جغرافيا في الحزام الأرضي الذي يتلقى أكبر سطوع للشمس، كما أن الصحاري العربية شاسعة جدا بدءا من الصحراء المغربية ومرورا بصحراء الجزائر وليبيا ووصولا إلى صحراء الربع الخالي بالسعودية وصحاري دول الخليج والشرق الأوسط. باختصار تستحوذ المنطقة العربية على حصة الأسد في عدد ساعات سطوع الشمس مقارنة مع الدول الغربية، وهذا من شأنه أن يجعلها محط أنظار الاقتصاد العالمي. ستعرف الحضارة الإنسانية مستقبلا تراجعا كبيرا في الاعتماد على الطاقات الأحفورية سواء بفعل نضوبها أو بفعل المشاكل البيئية التي تفرض ضرورة تخفيض غاز ثاني أكسيد الكربون، وفي هذه الحالة ينبغي للمنطقة العربية أن تكون على كامل الاستعداد كي تلعب دورها الفعال في السياسات التي تفرضها الطاقات البديلة. كما عليها أيضا الاهتمام بتنمية التكنولوجيات المرتبطة بهذه الطاقات والتي بدون شك ستحاول الشركات الغربية التكتم عليها.
الانتقال الإيكولوجي صعب لأنه يتطلب إرادة سياسية حقيقية ووعيا إنسانيا بحقوق الأرض وحقوق الأجيال القادمة. مع ذلك تبقى أكبر معضلة تعترض المرحلة الانتقالية الطاقية التي نعيشها، تتعلق بمدى إمكانية التوفيق بين الاحتياجات المتزايدة للإنسان نتيجة التنمية والانفجار الديموغرافي نحن اليوم حوالي 7 مليارات ومن المنتظر أن نبلغ 9 مليارات نسمة في 2050 وبين الإنتاجية المحدودة والبطيئة التي توفرها الطاقات البديلة. بطريقة أخرى لكي نخفض من الاحتباس الحراري علينا أن نستهلك أقل مما نستهلكه اليوم، والحال أن الاستهلاك هو في تزايد مستمر والطاقات البديلة لن تستطيع تلبية كافة الاحتياجات، كما أنها تعترضها الكثير من المشاكل التقنية مثل مشكلة الانقطاع (الشمس ليست متوفرة طوال السنة والسحب كذلك تقوم بحجبها) ومشكلة التخزين لفترات طويلة وارتفاع الكلفة وغيرها. لكن مع ذلك ليس هناك من سبيل آخر لتجاوز هذه الصعوبات سوى المزيد من البحث العلمي. هناك آمال كبيرة تعقد اليوم على الطاقة الهيدروجينية لحل كل هذه المعضلات لكن الطريق مازالت طويلة. إن الدفاع عن الإيكولوجيا والحضارة الخضراء عليه ألا يسقطنا في نزعة مضادة للعلم، ففي الكثير من الأحيان تتحول الفلسفة الإيكولوجية المعاصرة إلى نوع من الروحانية المحافظة المشككة في قيمة العلم. الحديث عن الطاقات البديلة ينبغي أن يقودنا إلى ممارسة مغايرة للعلوم تراعي الغايات الإنسانية والطبيعية وليس إلى اللاعلمية الخفية التي يمكن أن تختفي أحيانا داخل الإيكولوجيا المعاصرة. نحتاج حاليا إلى أنسنة العلم وإلى تخليقه وليس إلى الحط من قيمته. طبقا للفكر الهيدغري: هنا حيث يجثم الخطر هنا حيث تلوح سبل النجاة.

الهوامش
1 إريك فروم: تشريح التدميرية البشرية، ترجمة محمود منقذ الهاشمي الجزء الثاني منشورات وزارة الثقافة بسوريا 2006 ص 96
2 فيجاي ف فيتيسواران: الطاقة للجميع، ترجمة د. إيهاب عبد الرحيم، سلسلة عالم المعرفة العدد 324 سنة 2005 الفصل العاشر
3 موقع أومن بالعلم http://ibelieveinsci.com/؟p=10521
4 براين فاغان: الصيف الطويل، ترجمة د. مصطفى فهمي، سلسلة عالم المعرفة العدد 340 سنة 2007
5 أكبر مثال يمكن أن نفهم من خلاله هذا الأمر هو مثال جنون البقر فلكي تصل الرأسمالية إلى درجة تمنحنا فيها البقرة أكبر كمية من اللحوم في أقل مدة زمنية عمدت إلى تغيير علفها بإعطائها علفا حيوانيا فالبروتينات هي التي ستمكن من رفع الإنتاجية. هكذا حولت الرأسمالية الأبقار من حيوانات عاشبة إلى حيوانات لاحمة بغرض تغطية السوق الاستهلاكية.

خطورة الطاقة النووية
ظنت العديد من الدول أنه بإمكانها تجاوز مشكل الطاقة عن طريق استخدام الطاقة النووية، لقد تبين الآن بالملموس أنها طاقة خطرة جدا، خصوصا مع أحداث مفاعل فوكوشيما مؤخرا، وقبله ثري ميل آيلاند بأمريكا سنة 1979 و تشرنوبيل بالاتحاد السوفياتي سنة 1986، هكذا ورغم أن الطاقة النووية ليس بها انبعاث لثاني أكسيد الكربون إلا أنها تظل غير آمنة، إما بسبب خطأ بشري أو تقني أو طبيعي يمكن أن يصبح تهديدها مرعبا. لهذا بدأت مجموعة من الدول الصناعية وعلى رأسها بلجيكا و ألمانيا في التفكير جديا في ضرورة تقليص اعتمادها على الطاقة النووية، إذ بالإضافة إلى طابع الخطورة التي ينطوي عليها هذا النوع من الطاقة، هناك أيضا محدودية اليورانيوم في الطبيعة، كما أن النفايات النووية مضرة بالبيئة، وبالتالي لا يمكن للطاقة النووية أن تكون نظيفة ولا أن تكون دائمة.

مشاريع الطاقة في الدولة
مصدر أول مدينة على المستوى العالمي خالية تماماً من الكربون ومعتمدة كلياً على الطاقة النظيفة
مشروع شمس ـ 1 أضخم مشروع للطاقة البديلة في العالم
مشروع نجم الذي افتتح سنة 2010 وهو برنامج يهدف إلى حث المباني والمنشآت على اعتماد الطاقة النظيفة
مشروع إنشاء 22 محطة لتحلية ماء البحر والمياه الجوفية عالية الملوحة، واستخدامها في ري الأراضي باعتماد الطاقة الشمسية.

كلفة عالية وأثر لا يطاق
إن الرغبة في الرفاهية والاستفادة من الرخاء الذي توفره الحضارة، إضافة إلى تعميم النموذج الغربي التحديثي على باقي البلدان يوسع حظيرة السيارات في العالم، بواسطة البترول بنينا الحضارة المعاصرة ورفعنا من الإنتاجية، ولكن البترول يتناقص ويقترب من نهايته. لقد استهلكنا نصف الاحتياطي الذي أهدتنا الطبيعة إياه، وما تبقى منه لن يمكننا من الوصول إلى نهاية هذا القرن، كما أن ثمنه يرتفع يوماً بعد يوم. صحيح هناك احتياطات أخرى، مثل النفط الرملي في كندا ونفط أعماق البحار ونفط القطب الشمالي، غير أن هذه كلها كلفتها الإنتاجية غالية جدا، كما أن تأثيرها على البيئة لا يطاق.

الأنواع الخمسة
توجد خمسة أنواع من الطاقات المتجددة هي: الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الهيدروليكية وطاقة الكتلة الحيوية وطاقة جوف الأرض، وثمة أنواع أخرى من بينها الاندماج البارد، وهي طاقة يحيط بها الكثير من الغموض والسرية، ناهيك عن معدن الثوريوم الذي يعتبر طاقة مبشرة، والكميات المكتشفة منه لحد الآن قد تكفي البشرية لعشرة آلاف سنة.

اقرأ أيضا