الاتحاد

الملحق الثقافي

محمد مراياتي: المعرفة العربية مشلولة

عمل فني يجسد تحول المجتمع نحو اقتصاد المعرفة (أرشيفية)

عمل فني يجسد تحول المجتمع نحو اقتصاد المعرفة (أرشيفية)

الاتحاد الثقافي - بيروت
أحمد فرحات

يعتبر د. محمد مراياتي أحد كبار العلماء المختصّين بـ «اقتصاد المعرفة» أو «الاقتصاد القائم على المعرفة» في المشهدين العربي والدولي. وهو دائم الاهتمام والهجس برسم استراتيجيات وخطط مثل هذا العلم الجديد، الذي بات يتوّج حيوية أي مجتمع معرفة متطور في العالم. وبما أن المعرفة بكثافتها وسرعة تناوباتها، باتت هي المحرك الرئيس لهذا النوع من الاقتصاد، فقد صارت تتطلّب، في المقابل، مهارات بشرية عالية لتلبيتها وترجمة مفاعيلها. ومن هنا صرنا نقرأ عن أن 75 في المئة من الرأسمال البشري العامل في حقل الاقتصادات المتقدمة، هم ممن باتوا يستخدمون عقولهم ومخيلاتهم اليقظة، أكثر من استخدامهم لأيديهم وعضلاتهم؛ وباتت صيرورة إنتاج الثورة التقنية، بدءاً من البحث والتطوير، مروراً بالتصميم والاكتشاف والاختراع، وانتهاء بالإنتاج والإنتاجية العالية، هي من يتحكّم باللعبة، وهي من تتولى عملية التحوّل والتغير باتجاه بلورة وتكوين مجتمع المعرفة العربي المطلوب، ذلك أن الاقتصاد القائم على المعرفة، يمثل في رأي د. محمد مراياتي شرطاً للتحوّل إلى مجتمع معرفي مستدام.
ومما يؤكد طول باع د. مراياتي في حقل اختصاصه، عدا مؤلفاته وأبحاثه العلمية المحكّمة، اشتغاله، سنوات طويلة، ككبير مستشارين في العلم والتكنولوجيا للتنمية المستدامة في الأمم المتحدة، وتحديداً في إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية (UN-DESA)، وهو مفرز الآن إلى وزارة الاقتصاد والتخطيط في المملكة العربية السعودية منذ العام 2006 ولتاريخه، كما أخبرنا.
هنا حوار بانورامي معه حول شؤون وشجون اقتصاد المعرفة، وشروط تحوّل العرب إلى «مجتمع المعرفة» المستدام.
-------
* في إطار شبكة الاقتصاد الجديد والمعولم، برز ما اصطلح عليه بـ «اقتصاد المعرفة»، أو الاقتصاد القائم على المعرفة؛ فهل تقدموا لنا تعريفاً جامعاً مانعاً لهذا المصطلح ودلالاته؟
** اقتصاد المعرفة هو الاقتصاد الذي تسهم فيه المعرفة إسهاماً واضحاً في النمو الاقتصادي وتكوين الثروة، وتمثل تقنية المعلومات أداته الرئيسية، ويكون فيها رأس المال البشري النواة، من خلال قدرة الإنسان على الابتكار والإبداع والتوليد والاستثمار للأفكار الجديدة، مع تطبيق التقنيات الحديثة واكتساب مهارات جديدة وممارستها. ومن أبرز خصائص الاقتصاد القائم على المعرفة، اعتماده على قوى عاملة ذات إنتاجية ومستوى تعليمي رفيع، وارتفاع نصيب الفرد من الدخل الوطني، وتوافر بيئة اجتماعية جاذبة للمواهب العالمية، وارتباطه الوثيق بمصادر المعرفة العالمية. في ضوء ذلك، أصبحت العوامل المحركة للنمو الاقتصادي مختلفة عما كانت عليه في السابق، وعليه لابدّ من أن يصحب هذا التحوّل تغييرا في بعض السياسات الاقتصادية، ومنها إيلاء اهتمام أكبر للابتكار واستثماره في القطاعات كافة، وإبراز دور جديد للتقنية واستثمارها، ونشاط ريادة الأعمال، والتعليم، والتعلّم مدى الحياة، وبناء مهارات القوى العاملة على أسس حديثة ومتقدمة، إضافة إلى انتقال الإدارة من الهياكل الهرمية إلى النوافذ الأفقية سريعة التفاعل. إن تبنّي هذه السياسات يؤدي إلى إحداث نقلة كبرى على صعيد القدرات التنافسية والإنتاجية للاقتصاد الوطني، تتسارع على إثرها وتيرة النمو الاقتصادي، إذ يرتفع معدل النمو بشكل ملحوظ، بحيث ينتقل من المعدلات السائدة لدى الدول النامية إلى المعدلات السائدة في الدول المتقدمة التي تحولت إلى مجتمع المعرفة، ومن أمثلة الدول النامية التي شهدت هذا التغير كوريا الجنوبية وسنغافورة.

شرط التحوّل
* ما العلاقة السببية والجدلية في آن معاً، بين اقتصاد المعرفة ومجتمع المعرفة؟
** شهد معظم دول العالم مؤخراً تحوّلاً اجتماعياً واقتصادياً واضحاً نحو ما يسمى بـ «مجتمع المعرفة». ويعرّف «مجتمع المعرفة» بأنه «ذلك المجتمع الذي يُولّد المعرفة وينشرها ويستثمرها لتحسين مستوى الإنتاجية والمعيشة ونوعية الحياة لمواطنيه بشكل مستدام». وينطوي التحوّل إلى «مجتمع المعرفة» على أبعاد اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية ومؤسسية، ومن ثم، تشمل المعرفة في هذا السياق معارف في كل القطاعات والأنشطة. ويمثل الاقتصاد القائم على المعرفة شرطاً للتحوّل إلى مجتمع معرفي مستدام. والأهم هو التحوّل إلى مجتمع المعرفة وليس فقط الاقتصاد القائم على المعرفة. فإهمال الأبعاد الاجتماعية كارثة تصيب الدول، وقد وقعت فيها معظم الدول المتقدمة و«النمور» الجدد ككوريا الجنوبية. وقد أفادني العديد من المسؤولين عن التخطيط التنموي في العديد من هذه الدول، بأنهم وقعوا في هذا الخطأ ويعملون على استدراكه؛ ولكن هناك العديد من الظواهر غير قابلة للإصلاح بسهولة، مثل تفتت الأسرة والعزوف عن إنجاب الأطفال وانتشار المخدرات وعزوف الشباب عن متابعة تحمل المسؤوليات المجتمعية والوطنية.

6 تحديات أمام العرب
* على المستوى العربي، كيف تقرأ حتى الآن، تجليّات بناء مجتمعات معرفية عربية واثقة، وأي دول من دولنا بلغت أكثر من غيرها مستويات متقدمة في هذا المضمار؟.. ولماذا؟
** هناك تحديات واضحة تواجه الدول العربية في بنائها لمجتمعاتها المعرفية، ويمكن تصنيفها في ستة محاور نذكرها فيما سيلي، وتتفاوت الدول العربية في تقدمها فيها. ومن مؤشرات قياس ذلك مؤشري البنك الدولي، الذي يصنّف الدول العربية وفق ذلك:
أولاً، التعليم ونشر المعرفة: يتطلب الوصول إلى اقتصاد قائم على المعرفة تطوير منظومة التعليم في مختلف مراحلها، بدءاً بالطفولة المبكرة وانتهاءً بالتعليم ما بعد الجامعي، الذي بدوره يتطلب توسعاً واهتماماً أكبر، من خلال تنفيذ برامج وطنية تهتم بإعداد المعلمين، وتوفير المعامل والمختبرات اللازمة لتكوين المهارات العلمية والعملية، إضافة إلى وجود بنية تحتية للمعلومات والاتصالات في مجال التعليم.
ثانياً، نقل المحتوى المعرفي وتوطينه: تتجسد المعرفة فيما يسمى بالمحتوى المعرفي الذي يمثل أحد الأصول غير المادية في الاقتصاد. وتواجه الدول العربية العديد من التحديات في مجال نقل المحتوى المعرفي وتوطينه، ومنها ما يتعلق بالمحتوى المعرفي في كل من المنتجات والخدمات، والصادرات والواردات، وفي الشكل الرقمي على الإنترنت؛ كما يرتبط نقل المحتوى المعرفي وتوطينه بقضيتي استقطاب العقول والاستفادة من التعاون الدولي.
ثالثاً، قدرات إنتاج المعرفة: يتمّ إنتاج المعرفة من خلال ثلاثة أنشطة هي: البحث العلمي، التطوير التقني، والابتكار؛ وهي أنشطة يتوجب مضاعفتها في جميع القطاعات، على أن تتوافق مخرجاتها مع متطلبات الاقتصاد الوطني، ويتطلب ذلك مواجهة العديد من التحديات، أبرزها: تكثيف الجهود الخاصة ببناء القدرات الضرورية لاستيعاب المعرفة وتوطينها، وزيادة حجم (موارد) البحث والتطوير والابتكارات المادية والبشرية، والتوسع في البحوث التطبيقية، وفي الابتكار والاهتمام بالمعارف، التي تتنافس الدول المتقدمة في امتلاكها ولا تنشر ولا يجري تبادلها، وتحفيز القطاع الخاص على إنتاجها.
رابعاً، تحويل المعرفة إلى منتجات: يُعد التعليم والتدريب والبحث والتطوير تحويلاً للثروة إلى معرفة، وحتى تكتمل الدورة المعرفية اقتصادياً ينبغي تحويل المعرفة إلى ثروة. وتواجه الدول العربية العديد من القضايا في سبيل تحقيق ذلك، من أبرزها: دعم الاستثمار وزيادته للأنشطة المعرفية لدى القطاعين العام والخاص، وتنمية الموهبة والإبداع وزيادة برامجها.
خامساً، إدارة المعرفة: تواجه الدول العربية أيضاً العديد من التحديات التي ينبغي معالجتها فيما يتصل بإدارة المعرفة، من أبرزها: رسم خريطة طريق بالتنسيق بين الجهات ذات العلاقة، والتنسيق بين المبادرات الوطنية العديدة في هذا الشأن، وتبني نظم إدارة المعرفة، وتوفير حِزم متنوعة من الحوافز للاستثمار في الأنشطة ذات الصلة بالمعرفة، وتطبيق معايير الجودة في الأجهزة الحكومية بغية الارتقاء بجودة العمل، واعتماد مؤشرات رقمية لقياس التقدم المحرز.
سادساً، المعرفة والمجتمع: يتطلب التوجه نحو الاقتصاد القائم على المعرفة تعزيز اهتمام المواطن بالمعرفة ومصادرها، فضلاً عن زيادة الوعي بأهمية العمل الجماعي وسيادة روح الفريق، إذ من دون ذلك يصعب إنتاج المعرفـة الحديثة.

دور اللغة في الاقتصاد
* هل يعني الانتقال المُلزم والضروري إلى «مجتمع المعرفة» كسر العلاقة بالمجتمع الصناعي التقليدي المعني بإنتاج السلع وتسويقها؟
** كلا، ولكن الفرق أن المحتوى المعرفي في هذه السلع والخدمات أصبح أكثر من المحتوى المادي. فخذ مثلاً السيارة اليوم، نجد أن كلفة وبالتالي ثمن ما فيها من البرمجيات والتصاميم أكثر مما فيها من مواد كالمعادن والزجاج وما شابه، وكذلك كل السلع والخدمات. وهنا يجب التأكيد أن الاقتصاد القائم على المعرفة يعني المعرفة في كل القطاعات دونما استثناء.
* عربياً، هل يمكن التحوّل إلى مجتمع المعرفة من دون التحوّل إلى الاقتصاد القائم على المعرفة؟
** إنَّ التحوّل إلى مجتمع المعرفة في أي دولة أو إقليم، يتطلّب تكاليف وأموالا وبنية تحتية وخدمات معرفية وتعليما وثقافة، ولا يمكن تمويل ذلك، من دون وجود اقتصاد قوي ينمو بمعدلات عالية ومستدامة، وهذا لا يتوفر اليوم إلا ببناء اقتصاد قائم على المعرفة، وفي الحقيقة هذا التحوّل يجب أن يراعي المحورين معاً.
* أيمكن للذي لا ينتج التكنولوجيا ويكتفي باستهلاكها، أن ينتج مجتمع معرفة أو اقتصادا مبنيا على المعرفة؟
** كما ذكرنا قبل قليل في التحدّيات التي تواجه الدول العربية في تحوّلها إلى مجتمع المعرفة، أن هذا التحوّل غير ممكن إلا باتباع مقاربة شمولية تقوم على نقل المعرفة (ومنها التكنولوجيا) ونشرها وإنتاجها واستثمارها وإدارتها.

السرّ في التخطيط
* برأيك، ما الذي يعيق قيام خطط جدّية ممنهجة ومدروسة في الوطن العربي لتبنّي سياسات وطنية قوامها التوجّه نحو بلورة أو صناعة اقتصادات مبنية على المعرفة؟
** ذكرت بالتفصيل في مبحث لي تحت عنوان «انعكاس الربيع العربي على سياسات التخطيط وهندسة التنمية المستدامة»، نشره «التقرير العربي السابع للتنمية الثقافية» الصادر عن «مؤسّسة الفكر العربي» - بيروت، وموضوعه «الربيع العربي في مرآة نتاجه الفكري والثقافي»، إن لعملية التخطيط والفكر التخطيطي في الدول العربية صفات وهياكل ومؤسسات، لابدّ من تقييمها والبحث فيما أسفرت عنه في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والأمنية. كما أن استدامة هذه التنمية تأثرت بشكل كبير بهذه الصفات. وعانت عملية التخطيط من قضايا وتحدّيات قبل «الربيع العربي» ولا تزال. ومن المهم إعادة النظر في منهجيات هذه العملية لحل القضايا وتغيير سياسات التخطيط، مستفيدين من الدروس التي كشفها «الربيع العربي»، وهي دروس بالغة الأهمية. وقد أوضحت ثغرات في وضع سياسات التخطيط وفي تنفيذها وتقييم أدائها. إذ لم يول الفكر التخطيطي في الدول العربية الاهتمام والجدية اللازمة للاستثمار في المعرفة في كل القطاعات والتحوّل إلى مجتمع المعرفة والاقتصاد القائم على المعرفة في كل القطاعات. ولقد أشرت إلى قضايا في مجال التخطيط العربي مثل: أهمية أن ترتبط سياسات التخطيط بمدى إجابتها للمسائل الأكثر راهنية، وأن ما هو مهم في الحالة العربية الآن، هو مواجهة إخفاق هذه السياسات في تحقيق إيجابيات على الصعيد العربي. كما ينبغي، أن تكون الأولوية في العديد من الدول العربية الآن لإصلاح مؤسسات القطاع العام أولاً، والحاجة لمزيد من التعاون والتنسيق بين خطط المؤسسات في الحقل المدني والاقتصادي والاجتماعي والدفاعي والأمني ثانياً، وضرورة النظرة الشمولية في أوضاع الخطط والاستراتيجيات وفي التنفيذ تأخذ بالاعتبار دور التقنية الجديد ثالثا، وتهيئة جيل جديد يشارك في قيادة التنمية (عبر كل مراحل التعليم) رابعاً، وزيادة عدد المختصّين في سياسات التنمية ومتابعة الأداء خامساً، وزيادة الإنفاق على البحث والتطوير والابتكار (GERD) سادساً، وزيادة امتلاك المعرفة التنافسية والوسائل والأدوات، ذاتياً ووطنياً سابعاً، وتحويل تدريجي للإنفاق على التسليح إلى استثمار في بحوث وصناعات التصدير والدفاع والأمن ثامناً، ودعم قيام الشركات الاستشارية المحلية وخصوصاً في سياسات التنمية القطاعية والتنمية الكلية تاسعاً، وتحفيز عمل المنظمات الأهلية ومبادرة إنشاء مؤسسات جديدة (معاهد بحوث السياسات، مجموعات ومجالس دراسات وعصف فكري، حاضنات تقنية..) في هذا المجال عاشراً، وأخيراً، تبني وإنشاء برامج توعية (الثقافة العلمية، نشر المعرفة...).
وكل هذا يحتاج إلى مزيد من التعاون العربي، إذ إن هذه القضية من قضايا التخطيط تحتاج لإعادة الاعتبار على المستوى العربي. فكل سياسات التخطيط على مستوى العالم تتجه بشكل جاد للتنسيق والتعاون والاتحاد على المستوى الإقليمي إلاّ المنطقة العربية. إن هذا التوجه ترابحي (Win-Win). والدول العربية بحاجة لتبني هذا النهج بصفة ترابحية تعيد للدول العربية قرارها للدفاع عن مصالحها تجاه المجتمع الدولي ولا بديل عنه.

تعريب المعرفة
* هل صحيح أنه لن يقوم مجتمع المعلومات المنتظر في دولنا العربية من دون وجود المعرفة والمعلومات العلمية والتقانية باللغة العربية. باختصار، ماذا تقول في تعليم العلوم باللغة العربية، وهي المسألة التي يتجنّب – صراحة – الكثير من المختصّين المعنيين التداول فيها، وفي جدواها على طريق إيجاد مجتمع معرفي عربي قوي يشارك في مسار الثورات المعرفية في العالم، ولا يكون مستهلكاً لها؟
** هناك حقيقة مهمة تجدر الإشارة إليها، وهي أن البحوث والدراسات في اقتصاد اللغة تكاد تكون معدومة في الدول النامية. على حين أن الاهتمام باقتصاد اللغة بدأ منذ عقدين في العديد من الدول المتقدمة، وما زالت البحوث والدراسات في هذا المجال تتزايد باطّراد. آية ذلك إنشاء مجموعات بحثية لدى مختلف أقسام الاقتصاد في الجامعات ومراكز البحوث لهذه الغاية.
هناك دور لاستعمال القوى العاملة للّغة العلمية والتكنولوجية في زيادة النمو الاقتصادي. وهذا الدور - حسب رأي بعض الاقتصاديين - أكبر أثراً بكثير من الدور الثقافي أو الفني أو الأدبي. على أن استعمال القوى العاملة للّغة العلمية والتكنولوجية، لن يتحقّق إلا إذا كان تعليم العلوم والتكنولوجيا يجري باللغة الوطنية لهذه القوى العاملة.
إن تعليم العلوم والتكنولوجيا بهدف استعمال القوى العاملة العربية لهذه اللغة، أصبحت مسألة جوهرية، ولها دور فاعل في النمو الحقيقي لاقتصادات الدول العربية، وفي تحوّلها من اقتصاد ريعي متواكل علمياً وتكنولوجياً، إلى اقتصاد ينمو نمواً مستداماً، مع إحراز قيمة مضافة عالية.
من جهة أخرى إن التعليم العربي بصورته الحالية، لم يؤدِّ، ولن يؤدي إلى نموٍّ اقتصادي في دولنا العربية، لأن ارتباط التعليم بالاقتصاد أساسي، إذ إن الشراكةَ بين الجامعات من جهة، والفعاليات الاقتصادية من جهة أخرى، هي شراكةٌ أساسية ومهمة في عملية التنمية، وهي على أهميتها تكاد تكون مفتقدة في الدول العربية؛ إذ ليس هناك لغة مشتركة بينهما. فالجامعات تتحدث في العلم والتكنولوجيا بلغةٍ هي غير لغة القوى العاملة في معظم الدول العربية. وواضعو سياسات التعليم العالي في الدولة، وفي الجامعات، يخلطون بين مسألتين مختلفتين تماماً، الأولى: تعليم العلوم والتقنية لأفراد المجتمع، والثانية: إتقان الخريجين للغةٍ أجنبية. ومع أن هاتين المسألتين مختلفتان تماماً، فإنه يجب الاهتمام بكلتيهما.
الخلاصة، إن نشر المعرفة في المجتمع لا يكون إلا بلغة المجتمع، ولسان قواه العاملة، إذ لم يشهد التاريخ تقدّم أمة من الأمم بغير لغتها. وأشير إلى أنني نشرت كتيّباً في هذا الموضوع لدى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم؛ وكان محطّ اهتمام الكثيرين دونما ادعاء.

العرب والتعمية
* يقال إن عولمة الإنتاج، هي من ظواهر الاقتصاد المبني على المعرفة، وطرق توليدها، وتبادلها كنشاط اقتصادي.. أين نحن، عرباً، من دورات هذا الواقع الذي يجتاحنا على غير إرادة منّا أو حتى ولو بإرادة منّا؟
** لا شك أن الدول العربية تحاول التفاعل عالمياً ودخول اقتصاداتها في توجّهات عولمة الإنتاج، إلا أن نجاح ذلك يحتاج إلى قوة اقتصادية وإمكانات معرفية أكبر من قوة كل دولة على حدة، فالتكتلات الإقليمية، هي التي تجعل دخول معترك عولمة الإنتاج ممكناً؛ ولهذا فالدول العربية لن تستطيع النجاح وفرض وجودها في هذا المجال، من دون تنسيق «ترابحي» جاد فيما بينها. ونؤكد هنا على البعد «الترابحي»، أي أن مسألة «رابح» هنا هي للجميع، وليست لدولة من دون أخرى.
* هذا يدفعني لسؤالك عن القصد من وراء الدراسة التي صدّرتها مع د. يحيى مير علم ود. محمد حسان الطيان حول «علم التعمية واستخراج المعمّى عند العرب»؟
** إن مدارس العلوم العربية لم تُدرس كما يجب. كما أن العديد من الأفكار الخاطئة حولها قد نشر، على الرغم من أنها مدارس لا يزال العلم يبني عليها، ولا تزال هي قائمة وتفاعلية إلى اليوم. من الأمثلة، أننا لا نعلم أن «علم التعمية واستخراج المعمى»، والذي نسميه اليوم «علم الشيفرة» أو «التشفير»، كان العرب أول من وضعه كعلم، وكانوا يستخدمونه - كما تقول بعض المصادر التاريخية - في مراسلاتهم الحربية والسياسية السرية، كي لا يستطيع أحد من أعدائهم فك مغاليقها أو رموز مضامينها.. وأننا ما زلنا نستعمل مبادئ هذا العلم كلنا كبشر في عالمنا اليوم، عندما نستخدم البريد الإلكتروني ونتبادل أمن الاتصالات والمعلومات.
وللعرب في «علم التعمية واستخراج المعمى» عشرات الكتب، ومدرسة من العلماء الثقاة استمرت قروناً، أخذ الغرب عنها وطوّرها في سياق مساره العلمي الناجح.
وهناك أمثلة أخرى، مثل علم الضوء والبصريات، وقد احتفل العالم والأمم المتحدة العام الفائت 2015 بابن الهيثم، بمناسبة مرور ألف عام على تأليفه «كتاب المناظر»، تحت عنوان «السنة الدولية للضوء»؛ وقد قارن بعض العلماء في «مركز البحوث الفرنسي الوطني» بين ثورته في قوانين الضوء وأثرها في تغيير هذا العلم، وبين آينشتاين وتغييره في علم الميكانيكا والضوء.

احتكار المعرفة
* قيل إن الغرب، المالك الأكبر لسوق المعرفة في العالم، لن «يتطوع» هكذا ببساطة لمنح مدّخراته المعرفية للآخرين من دون مقابل، أبسطها تقاسم معارفه مع الآخرين وفقاً لأولويات مصالحه الكبرى والمستقبلية قبل أي اعتبار آخر.. ما تعليقك؟
** هذا صحيح ومهم جداً. والعديد من الدول العربية تعتقد أن «التعاون» الدولي سيؤدي بها إلى الاقتصاد القائم على المعرفة.
يكفي أن نسأل أين هي المنتجات والخدمات العربية في الأسواق العالمية؟! لابدّ للدول العربية إذاً من العمل على إنتاج المعرفة لديها، وبأيديها، وبباحثيها، وزيادة الإنفاق على البحث والتطوير والابتكار، وعلى إطلاق حرية الفكر.
* أي معرفة، يا ترى، تلك التي انتشرت وستنتشر في كل مركبات المجتمع البشري، وتضاعف بالتالي من مسألة تشييء الإنسان بالمعرفة وفق الإرادة التي يفرضها القوي؟.. هل نحن أمام أشكال جديدة و«ذهبية» من العبودية، تظل تفترضها «حاكمية» بلدان المركز المعروفة؟
** صحيح أن العقود الأخيرة شهدت ما تقول، ولكن تاريخ البشرية يشهد بأن هذا لا يدوم، وأن التكتلات العظمى ليست أبدية، وأن هناك ما يهزّ «حاكميتها» الفكرية والتكنولوجية والاقتصادية. إننا نشهد اضطرابات وأزمات عالمية عميقة، مالياً واقتصادياً وفكرياً وأمنياً. إن الشرق كان دائماً يملك مقومات إنسانية غير مادية أثّرت في العالم، والمطلوب صحوة فكرية فيه مبنية على تفتّح الفكر وتجديد الاجتهاد فيه، وتبنّيه مبادئ العلم والمعرفة.
* الهند، البرازيل، كوريا الجنوبية، سنغافورة، ماليزيا، أفريقيا الجنوبية.. دول تنافس مجتمعاتها المعرفية، مجتمعات المعرفة في الدول العظمى كالولايات المتحدة والصين وروسيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا.. ما مدى أبعاد هذا التنافس المحموم عالمياً وتأثيره على «مركزيات» الدول العظمى؟
** لا شك أن «الشرق» يشهد تطوراً واضحاً على كل الأصعدة؛ وأنا أضيف الصين للدول المنافسة، ولا أضيفها للدول الغربية «المركزية». وسنشهد تحوّلات كبرى في هذا التنافس، وقد يكون أكثر من تنافس (ومن الأمثلة مبادرة «الحزام والطريق» الصينية والبنك الآسيوي للتنمية.. ). ونرى العديد من الدول العربية تعيد النظر في تعاونها وتحالفاتها المعرفية الممكنة.

تفعيل آليات التجديد
* كيف يمكن برأيك خدمة الإبداع والثقافة في زمن الاقتصاد المبني على المعرفة. بكلمات أخرى، كيف يمكن في «مجتمع المعرفة» بناء أنساق إبداعية إنسانية، من شأنها تفعيل آليات التفكير والتجديد، بخاصة في حقول الأدب والشعر والفنون؟
** كما أكدت أكثر من مرة في تضاعيف إجابتي عن أسئلتك السابقة، أن التحوّل إلى مجتمع المعرفة والاقتصاد القائم على المعرفة، يتطلب تبنّي المعرفة في كل القطاعات، ومنها طبعاً، بل أولاً، بناء أنساق إبداعية إنسانية، من شأنها تفعيل آليات التفكير والتجديد، بخاصة في حقول الثقافة ومنها الأدب والشعر والفنون. وأشير هنا، مرة أخرى، إلى «التقرير العربي الخامس للتنمية الثقافية» الصادر عن «مؤسسة الفكر العربي»، الذي عالج موضوعات الصناعات الثقافية واقتصادات المعارف العلمية والتكنولوجية واقتصادات الإبداع. وقد كان لي شرف المشاركة فيه ببحث بعنوان: «الثقافة والتوجه نحو الاقتصاد القائم على المعرفة». ويبيّن التقرير الوضع على حقيقته في دولنا العربية، وكيف يمكن تطورها في هذا المجال، الذي نشهد فيه تنافساً عالمياً وفق استراتيجيات طموحة للدول في ذلك.
* بحسب البعض، كان الفيلسوف الألماني هيغل، هو أعظم من سجّل تاريخ تفاعل المعرفة مع العالم، وكيف كانت المعرفة رمزية في بادئ الأمر، لكنه توقّّع أن البشرية ستصل إلى زمن لا يكون فيه إنتاج المعرفة مخالفاً للتكامل الطبيعي بين العالم والإنسان.. وهذا أمر لم يتحقق حتى اليوم.. ماذا تقول؟
** نحن نأمل أن تتحقق فكرة هيغل، وعندها ستكون الإنسانية بخير في استفادتها من المعرفة، والمعرفة يمكن أن تؤدي إلى خير للإنسان أو أن تفضي إلى شرٍ مستطير له. وعلى مرّ العصور شهدنا الحالتين. إن حضارتنا العربية والإسلامية دعت دائماً وتدعو للعلم والعمل من خلال قوانينه إلى خير الإنسان، وهي من أهم الحضارات التي تشدّد على هذا المبدأ.
* تكاد تكون المشتغل الوحيد بين المختصّين العرب بالاقتصاد القائم على المعرفة، والعلم والتكنولوجيا، الذي يلتفت بعمق إلى مسألة الثقافة العربية وتكريسها في مجال استيعاب العلوم الحديثة. ما سر هذه الموازنة الذهبية لديك؟
** كما سبق وذكرت، إن من بين دواعي إخفاق العرب في مجالات العلم والتكنولوجيا، تعليمهم العلوم بغير اللغة العربية؛ وهذا مما أثار الاهتمام بهذه المسألة، التي يجب العمل بجدٍ على إيجاد حلٍ سريع لها. ويكفي أن أشير هنا إلى أنني في دراستي للتجربة المعرفية والعلمية الكورية الجنوبية، وزيارتي لكوريا، تبيّن لي بوضوح وجود معهد «لسياسات» التعليم فيها، وفي عداده ما يزيد على 1300 باحث في سياسات التعليم، وقد قرروا أن يكون التعليم، من الحضانة إلى ما بعد الجامعة، باللغة الكورية، وليس بالإنجليزية أو الفرنسية. ولا أدري، عربياً، من اتخذ قراراً خاطئاً معاكساً يقضي بتجاهل لغتنا في مضمار تدريس العلوم الحديثة وغيرها، تحت ذريعة ادّعاء أفضلية الحاجة لمتابعة آخر مستجدّات العلوم الحديثة من مصدرها، وبلغة هذا المصدر نفسه.. وكأن الكوريين، مثلاً، لا يتابعون ذلك المصدر العلمي الحديث عندما يدرسون بلغتهم الوطنية. يكفي أن نقارن بين العلم والتكنولوجيا في كوريا وفي الدول العربية، لنتبين خطأ هذا القرار العربي الذي يجب أن يتغيّر.
* أخيراً، ماذا عن جديدك البحثي في الاقتصاد المعرفي، أو مفهوم صناعة المعرفة وإدارتها.. وربما أيضاّ الإسهام في التمكين المجتمعي العربي للمعرفة.. وأي شؤون أخرى في هذا المدار العلمي المتنامي والسريع التحوّلات؟
** لقد شاركت كخبير مع خبراء من «معهد التنمية الكوري»، وخبراء سعوديين في إعداد استراتيجية تحوّل المملكة العربية السعودية إلى مجتمع المعرفة، والاقتصاد القائم عليها، وخطة تنفيذها، ومتابعة أداء ذلك التنفيذ.

عرّبوها.. لتعرفوا
يحمل الدكتور مراياتي، وهو من مواليد دمشق في عام 1945، درجة الدكتوراه في الفيزياء، وكان مديراً للمعهد العالي للعلوم التطبيقية والعلوم الأساسية في دمشق، وأستاذاً فيه من عام 1990 إلى عام 1997.
يتقن الرجل، وبطلاقة متجاوزة، اللغات العربية والإنجليزية والفرنسية. وقد ألّف ثلاثة كتب علمية بالعربية، وشارك في تأليف خمسة كتب علمية أخرى باللغة الإنجليزية. وله أكثر من 30 بحثاً علمياً محكماً في مجلات علمية رصينة في أوروبا وأميركا. وقد سجل في عاصمتي الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة براءة اختراع مدارها فضاء تكنولوجيا المعلومات. كما لا تُحصى مشاركاته في مؤتمرات علمية واقتصادية مختصّة، عربية وأجنبية، كان آخرها في بيروت منذ أقل من شهرين، حيث قدّم أطروحة متميزة، جاء فيها أنه لن يقوم ثمة «مجتمع معرفة» في دولنا العربية من دون وجود معرفة باللغة العربية.

تعلم مدى الحياة
* متطلبات اقتصاد المعرفة تشترط امتلاك نظام تعليمي عالي الكفاءة، تحتويه ثورة العلم والتكنولوجيا المفتوحة وفائقة التطور.. وهي الثورة التي يسمّيها البعض بالتحوّل الثالث في تاريخ البشرية العام بعد ظهور الزراعة والصناعة. ما تعليقك؟
** صحيح أننا نعيش تحولاً ثالثاً في تاريخ البشرية، ونرى أن حياتنا تتغيّر بشكل سريع مع تطور العلوم والتكنولوجيات، وهذا بالطبع قائم على نظام على مستوى عالمي لتنمية الموارد البشرية، يتمتع بدرجة عالية من التنوع والديناميكية والابتكار والتطوير الذاتي، وينتج قوى عاملة عالية الكفاءة، تؤمن بثقافة العمل والتعليم والتطوير والتدريب المستمر والتعلم مدى الحياة.

خطأ
أخطأت الدول العربية، وتخطئ إذا ما استمرت بالاعتقاد أن المعرفة التي تؤدي لاقتصاد إنتاجي غير استهلاكي ستُعطى لها. هناك مبدأ بديهي في التعاون الدولي يغيب عن بال الكثيرين في الوطن العربي هو: «أن هذا التعاون هو ما قبل التنافسي، ولا يمكن لأحد أن يتعاون معك كي تنافسه».

خلط
هناك خلط يتعلق بعائد الاستثمار لتعليم العلوم والتكنولوجيا بلغة أجنبية، وهو: الخلط بين العائد على الخريج الفرد، والعائد على الاقتصاد الكلي أو المجتمع. فالعائد على الفرد إيجابي، ولكنه ليس كذلك على الاقتصاد الكلي، وأيضاً على المجتمع.

اقرأ أيضا