الاتحاد

الملحق الثقافي

الاستبداد صناعة أوروبية

الاستبداد يمكن أن يشمل أي جانب من جوانب الحياة (من أعمال الفنانة - vesna krasnec)

الاستبداد يمكن أن يشمل أي جانب من جوانب الحياة (من أعمال الفنانة - vesna krasnec)

فيكي بي سوليفان*
ترجمة: أحمد شافعي

يشيع بين مواطني الدول الأوربية والديمقراطية إيمان بأن الاستبداد أجنبي، لا يمثل جزءاً من تجاربهم. فدساتيرهم السياسية تقر بطريقة أو بأخرى الفصل بين السلطات، والقصد المحدد من هذا الفصل هو منع تراكم السلطة الغاشمة غير المسؤولة لدى أي قسم من أقسام الحكم. والاستبداد ـ خلافاً لذلك ـ هو شكل متطرف من أشكال الحكم، يركز السلطة الغاشمة، وقد يمتد ليشمل أي جانب من جوانب الحياة. ومع وجود حواجز دستورية وتشريعية، قد يعتقد مواطنو الدول الليبرالية أن التحول إلى ضحايا للمستبدين تجربة مدخرة للشعوب الأتعس حظاً. غير أنه على كثرة القوانين التي تحظر التحرش والاعتداء الجنسي، تبيَّن أخيراً ما يفضح تفشي هذه الممارسات، ويجدر بذلك أن يذكّرنا بالفعالية المحدودة للحواجز القانونية أو الورقية المحضة. وإذا كانت الحواجز القانونية تفشل أحياناً في حمايتنا من صغار المستبدين، فالاستبداد السياسي ليس ببعيد عنا كما يتصور البعض.

الحق أن مونتسكيو ـ الفيلسوف الفرنسي في القرن الثامن عشر الذي أدخل مصطلح «الاستبداد» despotism إلى معجمنا السياسي ـ ما كان ليندهش إن رأى التناقض بين الحرية المفترضة في مجتمعنا وبين تحول بعضنا إلى ضحايا لقوة غير مسؤولة داخل المجتمع. يبيّن مونتسكيو في «روح القوانين» (الصادر سنة 1748) أن الاستبداد خطر دائم الحضور، وتهديد مستمر للازدهار الإنساني في كل مكان وزمان. فالمحظوظون بحياتهم خارج حدود الحكم الاستبدادي يمكن أن يكونوا هم أيضاً ضحايا ممارسات استبدادية. ولذلك يعلِّمنا مونتسكيو أن فضح أقنعة الاستبداد لا بد أن يبقى مسعى مركزياً في الحياة السياسية والاجتماعية.

حواجز مانعة للاستبداد
ولئن كان مونتسكيو يبقى في الذاكرة اليوم بشيء، فهو باقٍ بما يحسب له من إلهامه بنظرية الفصل بين السلطات، وبتلك الحواجز الدستورية التي تمنع الاستبداد، والقادرة ـ رغم كونها «حواجز» ـ على إرضائنا بما ننعم به من حرية. والحق أن واضعي دستور الولايات المتحدة قد وصفوا مونتسكيو بـ«الملهم» الذي هداهم إلى الفصل بين السلطات من خلال تعاليمه السياسية التي استلهموها منه بحرية. غير أن من يتأمل كتابات مونتسكيو يكتشف أن الاستبداد ظاهرة تتسم بقدر من الشمول والعناد، يزيد كثيراً عما ينزع الأفراد في المجتمعات التي توصف بالحرة المستنيرة إلى الاعتقاد به. فمونتسكيو يبيِّن في ثنايا «روح القوانين» أن الاستبداد يكمن في صلب الذهنية الأوروبية، إذ إن في تراثات أوروبا الدينية والفلسفية جوانب بارزة تشجع على تركيز السلطة، كما أنها تنطوي على قسوة متأهبة تمام التأهب للتحول إلى عنف استبدادي. وفي ظل هذا الضغط المضاد الدائم، لا يمكن أن تحجّم الترتيبات الدستورية ـ برغم أهميتها الأكيدة ـ من هذه الظاهرة.
من شأن تصوير مونتسكيو العلني للاستبداد أن يقوض الزعم بأن أوروبا تحتوي الاستبدادية. هو في نهاية المطاف يستشهد بتاريخ آسيا والشرق الأوسط ليصور شخصيات الطغاة الكريهة ممن حكموا الإمبراطوريات الهائلة، فكانوا رغم غرقهم في الملذات الشخصية يهيمنون على جميع سلطات الدولة. وهذه السلطات الهائلة تتيح إساءة استغلال المحكومين على نحو يفرض العنف ـ سواء أكان ماديا أم سيكولوجيا ـ على ضحاياه. والاستبداد ينكر على الأفراد فرص التطور البشري والاستقلال فيسلبهم في نهاية المطاف كرامتهم الإنسانية. ويروع كل من يعارضه بممارسته القمع الإجرامي في أغلب الحالات. ونتيجة لهذا التصوير، يبدو مونتسكيو للكثيرين من قراء اليوم صاحب نزعة استشراقية، لا يعدو أن يكون مفكراً غربياً آخر يستصغر المجتمعات الأجنبية طلباً للإثناء على منجزات الغرب في عملية غايتها النهائية هي تبرير الكولونيالية. ولكن هذه قراءة سطحية للغاية لهذا المفكر والكاتب العميق. فلقد كان من الممارسات الوقائية الشائعة بين المفكرين في زمانه أن يتخذوا من البلاد الغريبة حصان طروادة الذي يخفون بداخله انتقادهم لمجتمعاتهم هم.

نقد مبطن
إن كثيراً من نقد مونتسكيو للاستبدادية هو في واقع الأمر نقد لأوربا. فهو يرى أوروبا ـ بادية الرقة والمسيحية ـ موطناً لبعض من أقسى الممارسات الاستبدادية. ورغم تركيزه الظاهري على الاستبدادية الشرقية، نراه ينجح في إبراز الممارسات الاستبدادية في مؤسسات أوروبية جليلة جلال الكنيسة الكاثوليكية والملكية الفرنسية. كما أنه يفضح قناع محاكم التفتيش البرتغالية التي تحرق فتاة مراهقة وهي حية لممارستها الديانة اليهودية التي ورثتها عن أبويها، بل ويفضح محكمة التفتيش في بلده لإعدامها بتهمة الخيانة من ينتقدون وزراء الملك. أي أنه يبرز قسوة أوروبا في وقت كان مجرد الجهر فيه بمثل ذلك النقد خطراً محققاً.
ويتخذ مونتسكيو أقوى مواقفه ضد العقوبات القاسية، فيعلن أن «معرفة» الطريقة الصحيحة لمباشرة «الأحكام الجنائية» أهم «من أي شيء آخر في العالم». وهو يصر أن الحرية هي إحساس بالأمان يخل به، ولا شك خطر العقاب القاسي. ولقد مضى تلميذه سيزار بيكاريا إلى قيادة الإصلاح الليبرالي للقانون الجنائي وقانون العقوبات في أوروبا في أواخر القرن الثامن عشر. ولكن هذه النزعة التحررية كان لا بد أن تتقدم معاكسة التيار، ومعاكسة الأفكار الأوربية الجليلة التي بدت ـ وفقاً لتحليل مونتسكيو ـ أفكاراً استبدادية. والأفكار بالغة الأهمية في رأي مونتسكيو لدرجة أنه كان يصف بعض الفلاسفة بـ«المشرعين». فهؤلاء المشرعون الفلاسفة لا يقصرون أنفسهم على نشدان اليوتوبيات، بل إن تأملاتهم قادرة في واقع الأمر على التأثير في الممارسات الواقعية.

منابع العنف
وبعض أفكار أوروبا الاستبدادية، في رأي مونتسكيو، مستلهمة من أجلِّ المصادر على الإطلاق، ومن هذه على سبيل المثال كتابات أفلاطون وأرسطو وتعاليم الكنيسة. فعلى الرغم من أن هذه المصادر تعد وسيلة لغرس الفضائل ومن ثم السعي إلى تحسين البشر، فهو يكشف في ثنايا عمله أفكار المغالاة، بل القسوة التي يمكن العثور عليها في الأسفار القديمة الجليلة القابعة وسط أتربة المكتبات. فيكشف عقائد أفلاطون المؤذية التي تنكر على العبيد حق الدفاع عن النفس، وتخوِّل للقضاة سلطة مطلقة، وترى أن العقاب يجب أن يكون قاسيا ومتكرراً. وبالمثل تحرض تعاليم أرسطو على الممارسات الاستبدادية بإفراطها في الاعتماد على فضائل الأمراء، وبتشويهها عادة طلب الفوائد على القروض وهي شريان الحياة للتجارة بين الأمم. تعاليم أرسطو تساعد على تقويض التجارة التي ترتقي ـ في رأي مونتسكيو ـ بـ«الأعراف الرقيقة» التي بدورها تحفظ الحياة بمناهضتها لكل من الفضائل الحربية العدائية والارتياب العدواني من الأجانب. كما يبيِّن أن الكنيسة شرعت قانوناً شديد الاتساع، مستمداً من قدماء الرومان، يساوي بين الخيانة والهرطقة. ونتيجة لذلك التشريع نحرت الكنيسة ومؤسسات مدنية خانعة لها الكثير من الهراطقة المزعومين.
لقد أظهرت الأحداث التي وقعت بعد وفاة مونتسكيو مدى حسن بصيرته وصواب تقديراته لقابلية أوروبا المستمرة للاستبداد. فليس بوسع من يلقي ولو نظرة خاطفة على التاريخ أن ينكر الحاجة إلى تعلم الدرس الذي حاول مونتسكيو أن يلقننا إياه في «روح القوانين»، وهو الدرس الذي يؤكد أنه ليس بالإمكان تحقيق نصر نهائي على الاستبداد، كما يؤكد أن الغرب يبقى هو الآخر عرضة له. فالاستبداد في حقيقة الأمر خطر دائم الحضور على الوضع الإنساني. والحرية مثلما يبيِّن مونتسكيو تستوجب مراجعة مستمرة للممارسات والأفكار السائدة، مهما تكن قداستها، لأن الأفكار الاستبدادية قادرة على الكمون في ثنايا أكثر ما نحتفي به وأحب ما نفتح له قلوبنا من الأفكار.
........................................
نشر المقال في مجلة آيون Bottom of Form.
* أستاذة العلوم السياسية بجامعة تافتس. صدر أحدث كتبها بعنوان «مونتسكيو وأفكار أوروبا الاستبدادية».

اقرأ أيضا