صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

الحواسّ إلى أقصاها

«استيطان» للفنانة ليلى جمعة

«استيطان» للفنانة ليلى جمعة

«عندما استيقظتُ صباح اليوم، رأيت اللون الأصفر منسكباً في أنحاء غرفتي، والستائر المغلقة يكسوها ضوء الشمس المبهج الذي اخترقها مضيئاً زوايا الغرفة الزرقاء.. فتحتُ النافذة لأتفقّد الأجواء في الخارج، وكانت زهور عباد الشمس، التي على وشك أن تُنقل إلى لوحةٍ جديدة، تتهامس فيما بينهما وتتبسّمُ لي خجلةً، أدركتُ أنه العيد مرة أخرى».

بهذه العبارة صوّر لنا الفنان العالمي فينسنت فان غوخ، علاقة الفن بالحياة، وعلاقة الفنان بموجوداتها، وكأن زهرة عباد الشمس بلونها الأصفر وعلاقتها الدافئة بالشمس حتى لتتبعها، هي علاقة الناس والمدن والدول ذات الطموح بالشمس التي تشرق بالفن وتزهر بخصب المخيلة الفنية، وتزهو بالنزوع إلى الخلق الفني تصويراً لجماليات الحياة وتفاعلاً معها.
وعلى شاكلة هذه الصورة - التي باتت نمطاً فنياً مميزاً لمشهد الفنون في الإمارات، تزدان العاصمة أبوظبي بعيد الفنون، مراراً وتكراراً، وهي المدينة صاحبة المكانة العالمية المرموقة كحاضنة لمنجز الثقافة والفنون محلياً وعالمياً، وكمركز جاذب للإبداع العالمي - تقدّم مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، الجهة المنظمة لمهرجان أبوظبي الذي يقام هذا العام تحت شعار «عام زايد» برعاية معالي الشيخ نهيان مبارك آل نهيان، وزير التسامح، معرض الفن التشكيلي «من برشلونة إلى أبوظبي» من 2 فبراير لغاية 17 مارس 2018 في منارة السعديات، متضمناً أعمال أكثر من 70 فنانا على مدى 90 عاماً من مجموعة مقتنيات متحف برشلونة للفن المعاصر MACBA، في حواره مع الفن الإماراتي.

سؤال الدور
يتيح المعرض الذي ينقسم إلى ثلاثة أقسام هي: «الإنسان»، «التكوين» و«البيئة»، خوض رحلة للتفكير بالدور الذي يلعبه الفن في المشهد المعاصر، أي ما الذي جعل عمل الفنان حقيقة ملموسة، وما الذي يجعل الجمهور متحمساً للاستمتاع بما أنتجه الفنان، فهو مكان نابض بالأفكار والمشاعر، مكان يستحق العيش فيه وتشارك تفاصيله، حيث تصبح الحياة أكثر ملاءمة للعيش. وعلى حد تعبير الفنان روبير فيّو الذي ترك بصمة مؤثرة في تاريخ متحف برشلونة للفن المعاصر:
«الفن هو ما يجعل الحياة أكثر إثارة للاهتمام من الفن»، فلعلنا لا نتفق على ماهية الفن، ولكننا في نهاية المطاف نتفق على أنها من الأمور التي تحدد هويتنا كبشر. ولولا الإنسان ما كان هناك وجود للفن، ولكن بالمقابل لا يمكن للإنسان أن يحيا دون الفن. وهو ينطلق من ذواتنا: من نحن؟ وكيف نشأنا؟ وكيف نرى العالم؟ كما يركز المعرض على قوانين الحياة المشتركة في مدننا وفي الطريقة التي نتواصل بها مع بيئتنا الطبيعية، وأخيراً ننظر إلى الفن نفسه وقدرته على نقل الأفكار، ورسالته لأداء مهمته في تجسيد الواقع وتنوع ردود الأفعال التي تنجم عنه، بالإضافة إلى إلحاحه على رصد تاريخه الخاص.
وفي هذا السياق، أراد كل من «متحف برشلونة للفن المعاصر» ومجموعة أبوظبي للثقافة والفنون لهذه المجموعة أن تدخل في حوار مع فنانين من دولة الإمارات العربية المتحدة، لإظهار أوجه التشابه والاختلاف، وما هي العوامل التي تقرب الفنانين من غيرهم وما الذي يمكنهم التعلم من بعضهم البعض، والطابع العالمي للفن... باختصار، كيف يمكن للفن أن يساعد في تجسيد الواقع عبر استكشاف جوهره وتناقضاته.
وفي مقدمة الأعمال العالمية المعروضة، يأتي العمل الفني «بعض الأشياء المرغوبة» للفنان لورانس وينر، الذي أبدعه في عام 2004، وتم تجسيده في برشلونة باللغات الكتالونية والإسبانية والإنجليزية، لكنه في أبوظبي يأتي باللغتين العربية والإنكليزية، وهو عبارة عن تجسيد مفاهيمي للغة والمواد المشار إليها بأبعادها المختلفة.

دوائر المرأة
من بين أعمال الفنانين الإماراتيين، يبرز عمل الفنانة ابتسام عبد العزيز «دوائر المرأة» الذي يتمحور حول جسد أنثى متشحة بالسواد تتمايل داخل حدود ضيقة لدائرة بيضاء، إذ تحاول الفنانة من خلال سلسلة صور فوتوغرافية، توثيق الأداء الحركي الذي يستكشف القيود المفروضة بين الجنسين، والتي بدورها تحكم التحولات الاجتماعية. تشير الفنانة إلى إمكانات التحرر الكامنة في اختيار مواجهة القيود من خلال إعادة تصورها وتفسيرها، ليصبح حينها العمل الأدائي استجوابا قسريا للأنظمة التي تحكم السلوك والتوقعات، مما يوحي بتحول هذه الأنظمة إلى نوع من الأعمال الأدائية الطوعية، ومع تكرار الحركات، يصبح من الممكن تغيير الأداء، ما يشير إلى إمكانية تخطي هذه الحدود بحرية أكبر من خلال الاستنطاق الإبداعي.
أما عمل «تنويم مغناطيسي» لمحمد المزروعي فيعكس وعي الفنان بالوجوه والأشخاص عبر المكان والزمان اللامحدودين، ومن المعروف أن الفنان يعمل منذ العام 1996 على تطوير نمطه السوريالي الخاص في التعرف على الملامح الإنسانية في منظور التشكيل الفني المغاير، ويتمثل في أعماله رحلة متخيلة على خطى ابن بطوطة لاستكشاف التغيرات التي طرأت على الأماكن الأسطورية التي كان الرحالة العربي قد زارها.
بينما تنزع فرح القاسمي في سلسلة «ليس من السهل أن تُرى» نحو تجسيد عنصر الأنثى ضمن العمالة النسائية غير المرئية في دورة الإبداع والاستهلاك، مع إبراز تأثير الرأسمالية على الجسد الأنثوي بما تحفزه من علاقة وثيقة بين العمالة الفنية والأعمال الإبداعية، وتترجم الفنانة التزامها البيئي وعلاقتها المفاهيمية بالأشياء عبر سلسلة «العالم يغرق»، و«زهور مكب النفايات» و«قلاع الرمال». فيما تجسد أعمال محمد كاظم «مقياس» و«لسان» و«ساقان وذراعان» علاقة الأنا بالمحيط كأداة وآلة ووجود مادي، في تماس مباشر بين الإنسان والأرض أو الباب أو الموجودات الأخرى عبر اللسان أو اليد أو الساقين كأدوات استخدام أقصى للحواس في استكشاف ما هو غير مرئي وغير ملموس.

البورتريه والموناليزا
ويأتي عمل علياء لوتاه «300» كواحد ضمن سلسلة طويلة من صور البورتريه بدأتها الفنانة في 2009، لتستكشف بها طرق وأساليب تأمل الذات كتقديم حرفي لها أو استنفاذ لقدرات البورتريه على استقصاء وتجسيد الجوهر، مع القدرة العالية على استخدام الظل بديلاً من الشكل أحياناً أو مشيراً إليه. ويستكمل جلال لقمان ما بدأته الفنانة من اتكاء على فن البورتريه ولكن بفنية مفاهيمية عالية تتجلى في أسلوبه المختلف ونمطه الإبداعي المتغير والمفاجئ والمعبّأ بالدهشة، فهو يستعير في عمله «اثر الابتسامة» الوجه المعروف لموناليزا ليوناردو دا فينشي، مستخدماً الخامات المتعددة لإضفاء نفحة عربية على اللوحة، وتحميلها أغراض الإبداع الإماراتي الذي يعكس قيم السعادة والإيجابية والانفتاح على العالم بمحبة ورغبة عميقة بنشر السلام وتمنيه للإنسانية جمعاء.

تجديد التقليد
ويقوم حسن شريف في عمله «تحية إلى إل غريكو - سانت جين» مصوراً الفنان إل غريكو الذي حاز شهرة واسعة في القرن السادس عشر، كأيقونة من أيقونات المدرسة التعبيرية الدراماتيكية في تصوير الفنان ضمن مشهد تعبيري سوريالي في أسلوب فني غير متوقع ومبتكر قائم على المحاكاة لأساليب الأسلاف، ولكن مع التجديد.
أما حسين شريف، فيمثل عبر عمله «وجوه 2» سيرة الإنسان والوجوه دامجاً المواد الجاهزة والمهملة لتخدم وظيفة وحياة جديدتين تجعلان لوجودها معنى في التعبير عن القسمات الخاصة بحزن كل إنسان، في إيحاء فني ثري بخصائص الحركة والتنوع الإنسانيين. بينما يعمد في عمله الآخر «بدون عنوان» إلى استحضار مفاهيمية المكعبات عبر الرسومات بالفحم والحبر للدلالة على المدينة المكتظة والمدنية المعاصرة في المكان الإماراتي، ودبي على وجه الخصوص، كما يسعى شريف في عمليه «جوز الهند وحبل من القطن» و«جوز الهند» إلى استخدام الإيماءات القائمة على الأداء لاستكشاف المفاهيم التجريدية التي ترتبط باللغة والجسد والحركة والمكان. ويعمد عمار العطار في عمله «يوميات بصرية» إلى توثيق الحياة اليومية للمدن والأفراد في طقوس التفاعل والحركة وذاكرة الأمكنة، عبر العلامات التي تتلاشى بصورة متسارعة مبرزةً تأثير التطور المتسارع على المشهد الاجتماعي والثقافي والطبيعي.

كراسة الأشياء الصغيرة
وتميل العنود العبيدلي في عمليها «كراسة رسم بلاستيكية» و«كراسات رسم مختارة» إلى تجسيد سير عملها اليومي وتفاعلها مع أشيائها الصغيرة الزاخرة بالتفاصيل والغنية بالألوان انعكاساً لذاكرة بصرية متوهجة ونابضة بالحياة. وتقوم آلاء إدريس باستكشاف الظروف الناشئة التي ترسم ملامح العمران والبنيان الحديث للدولة، عبر سلسلة «حلم الريم» مبرزةً التطور العمراني لجزيرة الريم في أبوظبي. وتبرز ليلى جمعة في «استيطان» شبكة متداخلة من الأشكال والإيماءات البصرية للمكعبات المتداخلة على شكل بناء، كلمحة مجزأة تستحضر الماضي كما لو كنا نراقب المدينة من خلال نافذة سيارة مسرعة، بينما يعمد خالد مزينة في «الأميري» إلى تبيّن المفهوم الخاص بالثقافة الإماراتية كمحتوى مغلف بالزخارف يخفي في طياته التأثيرات العالمية المتعددة في الموسيقى والمأكولات والأزياء والرقصات.

التكوين والغياب
ويسرد خليل عبد الواحد حكايات المكان والتكوين عبر «وادي» مستلهماً تشكلات الكثبان الرملية المترامية في الصحراء الإماراتية وتناقضها الصارخ مع البيئات الأوروبية الخضراء، حيث تصبح الكثبان في حركاتها المتعرجة الحرة شبيهة فعل ريشة الفنان في ضرباتها. وتحاول شما العامري في سلسلة «ظل افتراضي» أن تأسر مفاهيمية الظل في كونه إيحاءً رمزياً للجوهر والتمثيل، في الرؤية كوسيلة أسطورية لمقاربة العالم وفهمه من خلال التمعن ملياً في مفهوم الغياب والبقعة السوداء. وتسهم عفراء الظاهري في تناول مفهوم الغياب نفسه عبر «في الغياب نسينا»، من سلسلة «محاولات» لتحيله شعوراً واعياً بالحضور عبر ملامح وتفاصيل الذاكرة العابرة. وتسعى شيخة المزروع في «توازن 1» إلى إبراز التوازنات المستحيلة التي تفرضها الحياة في سكون الكرات التي تبدو وكأنها توشك على الانفلات ولكن لا تنفلت. ويستكمل محمد أحمد إبراهيم في عمليه «رموز» و«بلا عنوان» الكشف المفاهيمي عبر أدائية معيارية تقدّم العشوائية المنسقة عبر نسق التكرار في عوالم اللاوعي.

طرب الثقافة
أما مطر بن لاحج في عمله «طرب الثقافة» فيحاول أن يتبنى فكرة ومفهوماً دالين على الأبعاد الجمالية والفنية للثقافة في حياتنا، بمجرد الإشارة بالاسم طرب الثقافة وما يحمله من معنى، طارحاً سؤالاً فنياً وجودياً هو «كيف يطرب الفنان والجمهور بـالعمل الفني؟، ملاحظاً أنّ وتر الثقافة يجب أن ينخلق، فالمجسم أنتج مفردات ثقافية جديدة مرتبطة بالطرب الذي تنتجه الثقافة، الطرب المعرفي والثقافي والبصري، الطرب بمعنى الامتلاء الفني. ويستلهم ناصر نصر الله، الفنان القيّم المساعد لمعرض «من برشلونة إلى أبوظبي»، رئيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، في «آلات عديمة الفائدة» الآلات التي تخيلها الإنسان وصنعها عبر التاريخ، وصولاً إلى علاقة الإنسان بالآلة، في سبيل طرح أسئلة الغاية والغواية الفنية بين الصانع والمصنوع، وعبر آليات استكشاف فني تخرج بالمصنوع عن إطاره الوظيفي الأدائي.

محلي وعالمي
يقام معرض «من برشلونة إلى أبوظبي»، ضمن فعاليات الدورة الـ 15 لمهرجان أبوظبي الذي يقام تحت شعار «عام زايد»، برعاية معالي الشيخ نهيان مبارك آل نهيان، وزير التسامح، وتنظمه مجموعة أبوظبي للفنون.
يفتتح في 2 فبراير، ويستمر لغاية 17 مارس 2018 في منارة السعديات، ويحتوي أعمال أكثر من 70 فناناً من مجموعة مقتنيات متحف برشلونة للفن المعاصر MACBA، منهم: هانز بيتر فيلدمان، إستير فيرير، بيتر فيشلي، دافيد فايس، غوزماو، بايفا، بييرو مانتسوني، آنا مندييتا، هنري ميشو، خوان مونيوث، نانسي سبيرو، يولاليا فايدوسيرا، لارا ألمرثيغي، فرانسيس أليس وآخرين، إلى جانب أعمال 20 فناناً إماراتياً.

المختلف والمتشابه
أراد كل من «متحف برشلونة للفن المعاصر» ومجموعة أبوظبي للثقافة والفنون لهذه المجموعة أن تدخل في حوار مع فنانين من دولة الإمارات العربية المتحدة، لإظهار أوجه التشابه والاختلاف، وما هي العوامل التي تقرب الفنانين من غيرهم وما الذي يمكنهم التعلم من بعضهم البعض، والطابع العالمي للفن... باختصار، كيف يمكن للفن أن يساعد في تجسيد الواقع عبر استكشاف جوهره وتناقضاته.