الإثنين 16 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة
ميكائيل برزان يستعيد «جان» من دهاليز النسيان عبر سيرة متخيلة
ميكائيل برزان يستعيد «جان» من دهاليز النسيان عبر سيرة متخيلة
12 أغسطس 2013 22:46

في رواية «عشيقة شارل بودلير» نتعرف إلى جوانب عدة من الحياة التراجيدية للشاعر الفرنسي العريق الذي عاش بين (1821ـ1867) بخاصة ما يتصل منها بعلاقته الغرامية مع الفتاة الخلاسية «جان». منذ البداية، يظهر المؤلف ميكائيل برزان لقارئ روايته، الواقعة في 220 صفحة من القطع المتوسط، والتي صدرت منذ فترة عن «دار نينوي» بترجمة قاسم المقداد، كما لو أنه يحاول أن ينصف الفتاة «جان» التي طوى اسمها النسيان فيما شاع اسم بودلير في العالم بأسره. يوضح برزان، الذي بلغ من العمر عتياً حين جلس للملمة تفاصيل السيرة، أنه سيحاول قدر الإمكان أن يكون أميناً في نقل كل شاهده من حكاية العاشقين. أما لماذا اختار أن يكتب روايته في هذا الوقت وليس في زمن أبكر؟ فالسبب كما يقول: «خوفي الشديد من أن أقدم للناس حقيقة رجل عاش قسطاً وافراً من حياته، حرص خلاله على كتمان كل ما له صلة بحياته الشخصية. وقد كان أحرص ما يكون على ألا يعرف الناس قصة حبه لجان العظيمة، وهو الحب الذي استهلك حياته بمقدار ما استهلكها المرض» يشدد برزان، في تقديمه عمله، على أن كل ما حوته الرواية هو من واقع بودلير، فهو شهد جزءاً من حياة الشاعر الراحل، كما انصت لشهادات واطلع على رسائل وجلسات خاصة، فضلا عن أن جان نفسها روت له ما روت من أمرهما بعد أن أعاد تواصله معها عقب وفاة شارل، وقد حافظ على تواصله معها حتى خبت روحها. ويمكن، بالطبع، اعتبار إصرار برزان على واقعية روايته كجزء من التمويه والمداراة، كسباً لانتباه القارئ الذي يهمه أن يقرأ شيئاً حقيقياً عن هذا الشاعر «الحقيقي» أكثر من أي شيء آخر؛ وبالنظر إلى ما نشر حول حياة الشاعر من قبل، سواء من مقربيه أو متابعيه، يمكن اعتبار ما قدمه برزان في هذا العمل ربطاً درامياً لتفاصيل حياة فوضوية ومفككة عاشها بودلير. تستهل الرواية بصوت المتكلم الذي التقى بودلير للمرة الثانية 1842. كان بودلير عائدا من جزيرة بوربون. نعرف هنا أن الراوي كان يسكن مع الشاعر منذ نحو عام في نزل «ليفيك باي» في باريس، وأنهما كانا مسجلين في كلية الحقوق من دون أن يذهبا إليها قط، وقبل ذلك كان قد درسا معا في المرحلة الثانوية. يصف الراوي وجه بودلير ومزاجه ويستحضر جانبا من الكلام العمومي الذي دار بينهما بخاصة الجزء المتعلق بسيرة النساء، حيث سيذكر الراوي، من باب المؤانسة، لبودلير اسم الفتاة «بيرت»، وهي ممثلة مسرحية شابة واسمها الحقيقي «جان لومير»، وسرعان ما يهتم بودلير بهذه الفتاة، ويسعى لرؤيتها رفقة الراوي؛ فهي كانت تشارك مساء اليوم ذاته بدور ثانوي في مسرحية تقدم على مسرح المدينة. تعلق بودلير بالفتاة وجهد حتى يلفت نظرها إليه، وفي هذا السبيل فكّر في نسج حيلة ماكرة: يتفق مع عدد من رفاقه على صياغة واقعة تظهره كبطل في عينها؛ ففيما هي تمر في طريقها إلى بيتها ظهر أمامها رجلان يتفوهان بالبذاءات وأحاطا بها، وهنا يتدخل بودلير ويخيفهما إلى أن يهربا! هذه الواقعة التي ربما شوهدت مرات في السينما هي اللقطة الأولى التي تؤسس لعلاقة بودلير بحبيبته ذات الجذور المتنوعة. الممثلة جان هي ثمرة زواج غير شرعي بين أحد مستثمري المزارع الأغنياء يدعى هيكتور ديفال ومن أم خلاسية، اسمها تيريز بروسبير، وقد حظيت جان بتربية حسنة من قبل والديها، إذ انهما خصصا لها خلال طفولتها حصص لتعلم الموسيقى والرقص لكن الأمور تدهورت حين مرض والدها بالسل الرئوي ورحل ولحقته الوالدة بعد سنوات قصيرة متأثرة بالطقس السيئ لبلدة صغيرة انتقلت إليه بعد وفاته، فوجدت جان نفسها وحيدة، وواجهت ظروفا بالغة السوء، قبل أن تنتقل إلى باريس، وتدخل وسط المسرحيين وتمتهن التمثيل وصولاً إلى أن يلتقيه بودلير، حيث سيعيشان سنتهما الثانية في حب وحبور. وتسجل الرواية سخاء الشاعر الشاب فلقد كان يصرف جل ما يقبضه من مال، ورثه عن والده، لأجل راحة محبوبته، ولكن مال الورثة المحدود لم يكن ليسد كل حاجته، لذا راح يستدين إلى أن تراكمت عليه الديون وتفاقم وضعه أكثر مع الوقت، إلى أن اضطرت والدته التي تضايقت من ارتباطه بفتاة زنجية وممثلة، على فرض وصاية عليه لكي لا يهدر مصروفه وهو أمر آلمه كثيراً ولم يتقبله، وزاد وضعه تدهوراً، بخاصة حين دعي إلى أداء الخدمة العسكرية فلم يستجب، وهو ما أدى إلى حبسه ثلاث ليالٍ، وفي النهاية كان عليه أن يخضع لوالدته وزوجها الجنرال حتى يخرج من الحبس. وتنقل الرواية أن بودلير قاوم كل الإكراهات وحافظ على علاقته بجان ولكن حالته النفسية كانت متردية جداً لذلك كان في بعض الأحيان يعنّف عشيقته بشدة. المرض مرض الشاعر بالزهري وانُتهش بالحمى والاكتئاب وتردت صحته كثيراً، وذلك إثر مغامرة جنسية له في حي شعبي. وسرعان ما نقل مرضه إلى جان. يحكي برزان هنا عن لحظات هي الأسوأ في حياة الشاعر الفرنسي الذي فقد كل شيء تقريباً: المال، الحيوية، الرغبة في الحياة. بات غاضباً وعصبياً أكثر وما كانت جولاته في المعارض الفنية وتعرفه على المزيد من الناس البارسيين او حصوله على فرص لنشر نصوصه.. ما كان كل ذلك يحد من تفجره المأساوي. وتحت كل الضغوط يجد بودلير نفسه بعد 1848 منخرطاً في ثورة عمالية ضد البرجوازية، ويبين المؤلف هنا أن انخراط بودلير في الثورة لم يصدر عن إيمانه بشعاراتها بل لأنه كان ناقماً على حياته الشخصية وعلى زوج أمه، وأولئك الذين تحكموا في ميراثه وفرضوا الوصاية عليه. سيتابع على هذا الخط، ويشارك في اجتماعات الجمعيات والتكوينات الثورية، ويقدم نفسه للصفوف الأمامية. شعر.. ومحاكمة في 1857 صدرت مجموعته الشعرية «ازهار الشر»، وكان قد بلغ السادسة والثلاثين من عمره، ومنذ البداية حجزت السلطات أشعاره، ولاحقاً اقتيد للمحاكمة بتهمة «إهانة الأخلاق العامة»، وتظهر الرواية كيف أن بودلير كان مؤمناً بأن ما كتبه لم يكن يمثل إهانة للقيم الأخلاقية بل كان كتاباً يبين «هول الشر والرعب الذي يتمخض عنه». خلال السنوات التالية يتفاقم الوضع الصحي للشاعر بسرعة أشد وما يلبث أن يرحل. ولكنه، وفي آخر لحظات حياته، وبدنه الرخو يصارع المرض، يظل وفياً لمحبوبته الخلاسية.. جان ديفال. يشار إلى أن مترجم الكتاب إلى العربية شاء هو الآخر أن يضفي مسحة واقعيّة على أحداث الرواية فصحب فصولها بصور ورسوم لشوارع وفنانين وأمكنة من فرنسا في تلك الفترة.

المصدر: الشارقة
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©