الاتحاد

الملحق الثقافي

تجديد الخطاب الجَمالي

العجلة من أهم أعمال مارسيل دوشامب

العجلة من أهم أعمال مارسيل دوشامب

تعد فلسفة الفيلسوف الأميركي «N. Goodman - نيلسون غودمان» (1906 - 1998) في الفن، من أهم الفلسفات الجمالية في القرن العشرين، إذ يمكن اعتبار كتابه «لغة الفن» (1976)، من الكتب الرئيسة في التفكير الفني والجمالي وفي فلسفة الفن التحليلية. فهذا العمل النقدي والفلسفي يضع نفسه على مفترق الطرق من المسائل الأدبية والتصويرية والموسيقية، وينظر في الإنتاج الفني وفي آليات ترميزه: التمثيل، والتعبير، والتجسيد، الاقتباس، وما إلى ذلك.

يعد هذا الكتاب تحولاً جذرياً في موضوع الجماليات، من حيث أنه جاء رافضاً لتحليل أداء الأشكال أو البناءات «في حد ذاتها». إذ يقترح غودمان - براغماتياً- لمراقبة الفن، نظاماً حياً للغات والتصنيفات كممارسة مدرجة في اتفاقياتنا التمثيلية وقادرة على تجديدها. فيتساءل في كتابه هذا، عن ما هي الطرق المختلفة التي يمكن أن يشير بها الفن إلى الواقع؟ وما يعني فعل «لاحظ noter»؟ وكيف أن الفن يعيد صياغة أو معالجة أو طرح العالم؟ تلك هي الأسئلة الحاسمة التي يطرحها هذا الفيلسوف في كتابه «لغة الفن»، الذي جدد بقوة الخطاب من الناحية النظرية تجاه الفن.
وقد كان لغودمان الفضل في الإسهام في «اللغات الفنية»، وفي التفكير الجمالي وبشكل أكثر تحديدا، في نظرية الأنظمة الرمزية، وكذلك طرحه لأسئلة هامة حول وظيفة وجوهر الفن؛ في هذا الصدد، تعدّ أطروحته انفلاتاً بشكل كبير من النظريات التي وضعها على وجه الخصوص: إرنست كاسيرر أو إروين بانوفسكي في الفن. وتعدّ واحدة من مساهماته الأكثر شهرة تلك المتعلقة بنوعين من التمثيل: الحَرْفي (مُحاكاتي) أو المجازي. ويدعو هذا الأخير بـ «التعبير التمثيلي المجازي».

إعادة تصميم الفلسفة
ففي كتابه «لغة الفن» يواجه نيلسون غودمان مشكلة التعبير الصعبة: ماذا يعني القول بأن عملاً فنياً معيناً يعبّر عن الحزن أو الكآبة أو الفرح... وما إلى ذلك؟ وقد جاء جوابه بأن مثل هذه العبارات عن الأعمال الفنية هي مجازية وأنه يجب تعريف التعبير على أنه تجسيد /‏ تمثيل مجازي، أي، بالإشارة إلى الملاءمة أو التعبير عن المشاعر والاستحواذ المجازي. وهذا التعريف، بطبيعة الحال، يعتمد اعتماداً كبيراً على ما يعنيه «غودمان» بعبارات: «مرجعية - référence» و»حيازة - possession» و»مجازي - étaphorique».
فإن كانت القيمة الجمالية أو الفنية هي قيمة نهائية، جوهرية... قيمة نهائية لا تقود إلى أي مكان آخر... فالمعرفة والحكمة، كما يقول كليمنت غرينبيرغ، يمكن أن تُغَذّي وتخدم الجماليات. ولكن الجماليات! مثل الأخلاق! - يمكن أن تكون مفيدة فقط لنفسها. فغودمان يهتم بعملِ الأثر الفني كرمز يستخدم مفاهيم التمثيل والتجسيد. هذا النهج الصعب في بعض الأحيان، يعد دائماً تحفيزاً فكرياً. فهذه المسألة المعرفية، أو الاختيار الإدراكي، لدى هذا الفيلسوف، يعيد طرحَ - بقوة وأحيانا بفكاهة وتهكم- مفاهيم الاستعارة والعاطفة الجمالية. بهذا المعنى، يحاول غودمان إعادة تصميم الفلسفة، فلسفة الفن بالتحديد. ويعتبر هذا الفيلسوف أن «الفن ليس له وجوده الخاص»، وهو يرى أنه لا وجود لفارق أساسي بين التجربة العلمية والتجربة الفنية، فالفن مثله مثل العلم، مجرد نسق رمزي، أي أن الفن بالتحديد صيغة من صيغ رؤية العالم وطريقة في صنع. فالفن بهذا المعنى لم يعد انفعالات، ولابد من التحرر من حمولاتها النفسية، والبحث عن الخصائص الموضوعية في العمل الفني.

الفن مسألة معرفية
يؤيد نيلسون غودمان في كتابه «لغة الفن»، المدخل السياقي لدراسة الاستعارة، مبيّناً أن الاستعارة ما هي إلا إعطاء كلمة قديمة معنى وخصائص جديدة، هذا على مستوى اللغة والكلمة، أما على المستوى الفني فيصير الأمر أكثر تعقيدا، إذ أن «الفن عند غودمان مسألة معرفية، لا تمثيل أبداً. والتجربة الجمالية لا تنبني على الأفكار، أو على الاستيهامات أو على الرغبات، التي يعبّر عنها العمل. إنها تستند، بثورة أكثر اتزاناً، إلى قدرتنا على رؤية ما الذي يجعل العمل الفني نسقاً رمزياً، وعلى فهم كيف يشتغل نسق الرموز هذا». (i)
فبالنسبة لغودمان، ما يميز «الجمالية» ليست تجربة محددة، ولكن طريقة تشغيل الرموز. فالجماليات لا تتكون في التشكيك في العلاقة بين حالة داخلية معينة أو حالة الموضوع وطريقة معينة لتمثيل الأشياء. وإنما تدرس كيف تدل الرموز وكيفية عمل هذه الدلالة. هذا يرتبط بموضوعية العلاقات التي يمكن تحديد شكلها المنطقي بدقة.
وهكذا تستند جماليات غودمان إلى نظرية عامة للرموز. وهي لا تتعلق بالتجارب والأفكار والتمثيل والخبرات الحياتية والأهداف المتعمدة وغيرها من الانطباعات النفسية أو الذهنية أو الكيانات. لأن الرموز هي الكيانات المادية. ما يهم غودمان هو العلاقات الدلالية التي تحتوي عليها الرموز مع ما تعنيه، والعلاقات النحوية التي تحافظ عليها بينهما، والاستخدام العملي الذي نصنعه منها لفهم ما يحيط بنا.
في الوقت الذي يؤكد فيه مارك جيمينيز أن لفظ الجمالية (= علم الجمل) هي قبل كل شيء، كون من الحساسية، والانفعالات، والحدس، والشهوانية، والرغبات، شاء غودمان أم لم يشأ، أي أنها ميدان يسود فيه نزاع قاهر بين الرموز وبين نسق التدوين المناسب لها. والعمل الفني، في المخيال الفردي أو العمومي، يعيش من تعدد التفاسير الممكنة، ومن الأحكام المدققة، المتناقضة أحياناً والمتغيّرة، التي يستثيرها. لا تفضي، إذن، النظرية العامة للرموز المطبقة على معرفة الطبيعة - وهي شاغل أول عند غودمان - إلى أي «فيزياء». هذه النظرية تنتهي، بعد تطبيقها على الفن - كما يؤكد جيمينيز- إلى أن تكون مسعى ترميزياً للأعمال الفنية، لا «جماليا» لها. (ii) فغودمان يوضح أنه إذا كانت اللوحة تعبر عن الحزن، فإنها تجسد مجازياً المسنَد le prédicat «أن تكون حزينة». ولذلك، لا توجد هنا مسألة التجربة. ولكي تكون أطروحة غودمان مفهومة، وليست مفرطة التعسف وتفصل عن ما يسمى عموماً «التعبير»، يجب أن يجيب المرء على عدة أسئلة: كيف يمكن للرسم أن يجسد صورة مجازية؟ ما هو التجسيد (التمثيل) بشكل عام والتجسيد المجازي على وجه الخصوص؟ ما هو مفهوم المسند الذي يجب القيام به في هذا الإطار التوضيحي؟ (iii). ومن جهة أخرى يجب النظر إلى هذه الفلسفة الغودمانية - عكس التصور الكانطي للتجربة الجمالية - على أنها عامة، وهو عكس ما نلمسه عند السوسيولوجي بيير بورديو Pierre Bourdieu، حيث التجربة الجمالية تكاد تكون طبقية، فبورديو يراها - من منظور سوسيولوجي- «مقصورة على الطبقات المهيمنة في المجتمع». بينما يذهب غودمان بتعبير «التجربة الفنية» للدلالة على اتقان النظام الرمزي الذي من خلاله يستطيع عمل فني، قصيدة أو مقطع موسيقي أو لوحة أو عرض باليه، أن يدل على شيء. ولإدراك «التجربة الجمالية» عند غودمان يجب استيعاب أن «صفات العمل الفني، تلك التي ترعبنا، وما هي إلا نتائج التجربة، القدرة على امتلاك وتطبيق مصنفات ونتائج من المعرفة» (iv). إذ لم يعد هناك تعارض بين الفن والمعرفة.

خلخلة السائد الفني
هذا ويغدو الشيء مهما كان، حسب غودمان، غرضاً فنياً، أو بالأحرى عملاً فنياً - الأمر الذي ينتقده جيمينيز- وذلك إن نظرنا إليه من حيث هو نتاج لذات فنانة أي مالكة للمعرفة. إن ذلك شبيه بقول مارسيل دوشامب (1887-1967) Marcel Duchamp: «كل شيء فن، واللاشيء أيضا ـ، فن». وهذه هي مهمة الفن المعاصر وروحه. وهذا ما سيبديه دوشان وهو يعرض مَبْوَلته كعمل فني (نافورة Fontaine؛ 1917)، فهذه المبولة (الشيء) غدت عملاً فنياً لأننا اصطلحنا عليها في الخطاب المصاحب لها ذلك (أنها عمل فني). فالفنان يمتلك ما يسميه نيتشه ب «سلطة التسمية» و»الإرادة»، أو إنها سلطة فنية ومعرفية. وهذا ليس تواطؤا مع مؤسسات بعيدة عن الفن - رأسمالية - كما يرى مارك جيمس، بل إنه جزء من براديغم المعاصرة الذي أدركه غودمان، والذي عبر عنه في كتابه «لغة الفن» بكون العمل الفني «يمكن أن يكون حرا عند ابتعاده عن المؤلف، عن التحقيب وعن المكان، وعن وسائل الإنتاج الخاص» (v). فقد نقلنا مارسيل دوشان إلى فن «جاهز الصنع» فن المتلاشي والملقى في الأرض، و «المؤكد أن الهدف من مبولة دوشان كان بالضبط مقارعة المبادئ محل توقير المؤسسة الفنية حول العبقرية الإبداعية» (vi). فمبولة هذا الفنان المفاهيمي كسرت «الألفة»، إذ جعلت النقاد والجماليين يعيدون التشكيك في «الطريقة التي يتم بها إنتاج الفن وتلقيه». إذ مع الفن «الجاهز- الصنع» Ready-ade، غدت الأعمال الفنية منذ دوشان أكثر استقلالية، بل مستقلة، من التبعية للكنيسة والدولة أو غيرهما، وغدت أغراضها الجمالية بذاتها وفي ذاتها، فلا تقوم بأي وظيفة اجتماعية أو دينية محددة سلفاً، كما كان حال فنانين اشتهروا في عهد النهضة بعبقريتهم، إلا أنها عبقرية تعاقدية مع الكنيسة أو الطبقة النبيلة التي تحدد الغرض من العمل الفني وأدواته وحجمه ومساحته تبعا لعقد بين المؤسسة الكنائسية أو الطبقية والفنان، كما سيبين المؤرخ ميشيل بوكساندال Michael Boxandall، وما سيتناوله بيير بورديو فيما بعد في مجموعة من دراساته السوسيولوجية (بالخصوص في كتابه «إعادة الإنتاج»، 1970).
ففي الفن المعاصر يغدو المؤلف (الفنان) ميتاً مباشرة بعد عرضه (نشره) للعمل، الذي يصير ملكا للمتلقي، الذي يشاطره إعادة تأويله المستمر، تأويل رموزه. فغودمان إذن يتجاوز التصور التقليدي، إذ أن «علم الجمال التقليدي يتصور الأعمال الفنية كتحف، والموقف الجمالي كشكل من أشكال القبول والتجربة الجمالية وارتياح تجاه العمل الفني تحدده تقدير القيمة الجمالية» (vii).
إن غودمان يهدف إلى «تغيير موضوع» الجمالية. فـخصائص العمل الفني هي نتائج التجربة، والقدرة على امتلاك معرفة. والتجربة هنا عند غودمان ليست إلا نشاطاً فكرياً.

الفن ليس انفعالات
غودمان يهتم بعملِ الأثر الفني كرمز يستخدم مفاهيم التمثيل والتجسيد. وهذا النهج يعد دائماً تحفيزاً فكرياً. بهذه المسألة المعرفية، أو الاختيار الإدراكي، يعيد هذا الفيلسوف طرحَ مفاهيم الاستعارة والعاطفة الجمالية. فيحاول إعادة تصميم الفلسفة، فلسفة الفن بالتحديد. إذ يعتبر أن «الفن ليس له وجوده الخاص»، ويرى أنه لا وجود لفارق أساسي بين التجربة العلمية والتجربة الفنية، فالفن مجرد نسق رمزي، أي صيغة من صيغ رؤية العالم وطريقة في صنع الأشياء. إن الفن عنده ليس انفعالات، بل ولا بد من التحرر من حمولاتها النفسية، والبحث عن الخصائص الموضوعية التي يعبّر عنها العمل الفني.

جوهر الفن
كان لغودمان الفضل في الإسهام في «اللغات الفنية»، وفي التفكير الجمالي وبشكل أكثر تحديداً، في نظرية الأنظمة الرمزية، وكذلك طرحه لأسئلة هامة حول وظيفة وجوهر الفن؛ في هذا الصدد، تعدّ أطروحته انفلاتاً بشكل كبير من النظريات التي وضعها على وجه الخصوص: إرنست كاسيرر أو إروين بانوفسكي في الفن. وتعدّ واحدة من مساهماته الأكثر شهرة تلك المتعلقة بنوعين من التمثيل: الحَرْفي (مُحاكاتي) أو المجازي. ويدعو هذا الأخير بـ «التعبير التمثيلي المجازي».

1 - مارك جيمينيز، ما الجمالية؟، ترجمة شربل داغر، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى 2009، ص 410.
2 ـ نفسه، ص 413.
3 ـ Roger Pouivet, « Goodman et la reconception de l›esthétique », Rue Descartes, 2014, p. 4-19.
4 ـ Nelson Goodman et Catherine Elgin, « Pour changer de sujet », éd. de l’éclat, Paris, 2001, p.88
5 ـ Nelson Goodman, Langages de l’art, Hachette littératures, éd. Jacqueline Chambon, Nîmes, 1990, p. 140.
6 ـ دفيد إنغليز وجون هغسون، سوسيولوجيا الفن: طرق الرؤية، ترجمة ليلى الموسوي، عالم المعرفة، يوليو 2007، ص 64.
7 ـ Nelson Goodman et Catherine Elgin, Ibid, p.82.

اقرأ أيضا