صحيفة الاتحاد

دنيا

مشهد عائشة بيبي خاتون في كازاخستان رمز الحب والوفاء

زخارف متداخلة وحفر دقيق بمدخل المشهد

زخارف متداخلة وحفر دقيق بمدخل المشهد

في مدينة طراز أو «تالاس» كما ينطق اسمها سكان كازاخستان يوجد الأثر التاريخي الذي يعتبر أحد النماذج القليلة من عمائر دولة القراخان التي قدر لها أن تفلت من الدمار الذي أشاعته جيوش جنكيز خان في الشرق الإسلامي. والبلدة الواقعة على طريق الحرير القديم واحدة من محطات التجارة القديمة حتى أنها تعرف بمدينة التجار ولا عجب في ذلك فهي واحة خضراء متفردة في تلك السهوب الآسيوية القاحلة ويبعد المشهد عنها بنحو 18 كم غرباً.

خضعت تلك الأصقاع النائية من شرق آسيا لنفوذ الإسلام وحضارته منذ بداية القرن الثالث الهجري بفضل الحكام الترك الأقوياء من دولة القراخانيين وهو اسم تركي مكون من كلمتين «قرا» بمعنى الأسود و»خان» بمعنى الملك فهم غالباً الملوك من القبائل التركية التي كانت ترعى الشياه السوداء.
ومشهد «عائشة بيبي» يعد اليوم من المعالم الوطنية التاريخية في جمهورية كازاخستان، وهو مشمول برعاية اليونسكو كأحد معالم التراث الإنساني الأولى بالحماية منذ عام 2002م.
قصة مشهورة
لهذا الضريح أو المشهد قصة مشهورة في التراث الكازاخي، ولها أكثر من 28 رواية تدور جميعها حول عائشة ابنة العالم والشاعر الصوفي «حكيم عطا سليمان بكيرجاني» الذي عاش في القرن الخامس الهجري «11م»، وقد مات عنها والدها وهي صغيرة فكفلها زوج أمها الشيخ «زانجي عطا» فلما شبت عن الطوق تقدم حاكم المدينة «محمد قرا خان» لطلب يدها وهو صاحب الضريح المعروف باسمه بمدينة «تالاس»، ولكن زوج أمها رفض طلب الحاكم لأنه لم يكن سيداً من نسل الرسول صلى الله عليه وسلم مثل عائشة.
بدت الصبية الجميلة مستسلمة لإرادة كفيلها وأمها وكتمت حبها للحاكم المتيم بها ثم عن لها أن تذهب للقائه بالمدينة فتظاهرت بأنها متأهبة للحاق بفرقة من الجيش التركي خرجت لحرب بعض الوثنيين وفي منتصف الطريق تنحت جانبا عن بقية الجيش قاصدة مدينة «تالاس»، ولكنها لم تتمكن من مقابلة «محمد قراخان» لأن ثعباناً عضها قرب النهر بالواحة ففاضت روحها وهي على بعد كيلومترات معدودة من المدينة وعلم الحاكم بذلك فخرج في صباح اليوم التالي مسرعاً باكياً وأمر على الفور بإنشاء القبة أو المشهد المعروف باسمها في ذات الموضع الذي قضت فيه.
وكان مع عائشة في رحلتها صديقة وفية تعرف باسم «بابجي خاتون» رفضت أن تغادر موقع مصرع رفيقتها فظلت تقيم بالقبة التي دفنت تحتها لعدة سنوات وفاء لذكراها فلما توفيت شيدت لها قبة بنفس الحجم على بعد عشرين خطوة من مشهد عائشة بيبي. والقبتان باقيتان إلى اليوم، وقد أحاطت بهما حديقة غناء وأصبحتا من المزارات السياحية المهمة في تلك المنطقة.
وحسب الروايات الأسطورية، فإن المغزى الذي أراده الأجداد من قصة عائشة ومحمد قراخان هو أن الفتاة التي لا تطيع أوامر أبويها سيكون مصيرها الموت قبل أن تصل إلى مرادها أما الأجيال الجديدة من أهل البلدة فباتت تنظر لمشهد «عائشة بيبي خاتون» كرمز للحب والوفاء حبا لعائشة والأمير محمد ووفاء الصديقة التي لم تفارق قبرها حتى الموت.
طقوس باقية
واليوم يحرص كل زوجين جديدين في «تالاس» على طقس يراعي بدقة ليلة إعلان الخطبة أو الزواج فيسيران معاً بصحبة الأهل والأصدقاء من «محمد قراخان» إلى «عائشة بيبي» ويقرآن الفاتحة عندهما سائلين الله أن يمنحهما ما كان لمحمد وعائشة من المحبة والوفاء. والمشهد يقع على مقربة من محطة «جمبول» على طريق سكة حديد تركستان، وهو يشكل مع قبر الصديقة الوفية «بابجي خاتون» أو السيدة الحكيمة مجموعة معمارية تنتمي للفترة السابقة على الغزو المغولي إذ يعود مشهد عائشة للقرن السادس الهجري «12م». وينظر إلى تلك المجموعة المعمارية بوصفها من النماذج القليلة التي تفصح عن طبيعة الطرز المعمارية والزخرفية التي كانت سائدة في الشرق الإسلامي قبل أن تقوم جحافل جنكيز خان بتدميرها، وهي تبدو شديدة الشبه بضريح السامانيين في بخارى والذي يعد الأثر الوحيد الباقي في آسيا الوسطى من حقبة ما قبل المغول.
ويحتل مشهد عائشة مساحة مربعة طول ضلعها 7 أمتار، وهو مشيد بالكامل بقوالب من الآجر الجيد الحرق والمزخرف بأشكال هندسية متنوعة يصل عددها إلى نحو ستين شكلاً تعتمد على الخطوط المتقاطعة والنجوم.
الفلسفة الجمالية
ويوضح المشهد بشكل جلي الفلسفة الجمالية للعمارة الإسلامية في تلك الحقبة والتي تعتمد على إبراز الجمال الفني للمباني باستخدام التباين بين الظل والنور، وليس على الألوان فالزخارف المحفورة في الآجر تبدو متغيرة باختلاف أوقات النهار وحافلة بالإيقاعات من دون حاجة لاستخدام الألوان التي لابد أن تكون زاهية ساطعة في تلك المناطق التي تتميز بمناخ قاري متطرف. وتتماثل واجهات المشهد الثلاث، بينما يبدو الضلع الذي يضم المدخل مختلفاً بعض الشيء إذ تتوسطه فتحة باب في دخلة غائرة متوجة بعقد مدبب فارسي يرتكز على عامودين قصيرين من الآجر أيضاً، بينما سدت تلك الفتحة في بقية الأضلاع بشبك صغير له حجاب من الجص المفرغ بزخارف هندسية نجمية. وبكل ركن من أركان المشهد عامود من الآجر يعتقد أنه يحاكي ملامح العمارة الخشبية الصفدية في الفترة السابقة على الإسلام إذ يبدو العامود متسعاً عند القاعدة والقمة وضيقاً من الوسط وينتهي كل عامود بشكل قبيبة صغيرة وتندمج الأعمدة مع الواجهة بواسطة ثلاثة صفوف من المقرنصات ويلاحظ في واجهات المشهد أن قوالب الآجر قد صبت بقوالب تحوي الزخارف الهندسية من أشكال المعينات والأشكال النجمية المختلفة ثم جمعت على الطريقة المعروفة لاحقاً في تكسيات القاشاني لتعطي لوحات زخرفية كاملة ولعلَّ ذلك يفصح عن التقاليد الأولى للبلاطات الخزفية والتي بدأت بالآجر منذ وقت مبكر. أما تغطية المشهد فقد بدأت بمثمن يلي منطقة الانتقال المؤلفة من حنايا ركنية وشيدت فوقه قبة مخروطية يراها مؤرخو الفنون محض محاكاة لخيام الأتراك الرحل في تلك الأصقاع. ويحفل المشهد بكتابات بخط النسخ تحوي آيات من القرآن الكريم مع بعض الأدعية.
أثر نادر
وكان المشهد مهملاً عند مطلع العصر الحديث حتى زاره عالم الآثار الروسي «بارتولد» في عام 1893م، وكتب منوهاً بأهميته التاريخية كأثر نادر من فترة ما قبل المغول وفي الستينيات من القرن الماضي قامت السلطات السوفيتية ببناء صومعة زجاجية حول مشهد عائشة لحمايته طوال فترة الترميم التي استخدمت فيها قوالب من الآجر مماثلة في مكوناتها وزخارفها للقوالب الأصلية القديمة، وكان موقع البناء بمثابة مدرسة للترميم الأثري والتدريب على أنشطة السياحة.
وفي عام 2002م وفرت حكومة كازاخستان التمويل اللازم لمشروع إحياء مشهد عائشة بيبي ومدفن بابجي خاتون وتولى بيت خبرة أوروبي عمليات الترميم مع تنفيذ البنية الأساسية للحديقة الوطنية التي جمعت القبتين داخل معلم واحد اعتبر رمزاً ومزاراً وطنياً وبدورها تبنت اليونسكو هذا المعلم التاريخي واعتبرته من التراث العالمي الجدير بالحماية.
وتبقى قصة «عائشة خاتون» العربية الأصل عنواناً ناصعاً على حقيقة الوجود العربي الإسلامي في الشرق الآسيوي ويظل مدفنها رمزاً للمحبة والوفاء ودليلاً ناصعاً على رسوخ قدم العمارة الإسلامية في كازاخستان.