صحيفة الاتحاد

الرياضي

أزمة الموازنة القطرية تهدد إقامة مونديال 2022!

عمرو عبيد (القاهرة)

ألقت تقارير وزارة المالية القطرية الخاصة بموازنة دولتها بظلالها القاتمة على ملف كأس العالم المزمع إقامتها هناك بعد أربع سنوات، وأشار بيان الوزارة القطرية إلى توقع استمرار عجز الموازنة بما يوازي 7.7 مليار دولار، وهو ما يحدث للعام الثالث على التوالي بعدما ظل الاقتصاد القطري يحقق فائضاً في ميزانية الدولة على مدار سنوات طويلة، إلا أن سياسة الإنفاق العشوائي والغامض من جانب المؤسسات القطرية بجانب الأموال الغزيرة المرتبطة بكرة القدم وملف المونديال وأمور أخرى بعيدة عن الرياضة، أدت إلى هذا التراجع الواضح في الوضع المالي لقطر، وهو ما يزيد الحديث عن التخوف من إقامة تلك النسخة من كأس العالم هناك، ويفتح المجال أمام التقارير التي تؤكد عدم قدرة الدويلة على استضافة المونديال، وأنه سيتجه إلى إحدى الدول الأوروبية الجاهزة لاحتضان البطولة العالمية، وربما يضطر الاتحاد الدولي للقيام بذلك الأمر إذا تأزمت الأمور واقترب موعد إقامة كأس العالم دون أن تنتهي قطر من تجهيز كل ما هو مطلوب منها!

كل الشواهد تقود إلى كثير من القلق العالمي في الوسط الرياضي حول تلك النسخة من المونديال، التي حامت حولها الكثير من الشهبات سواء ما يتعلق بالفساد أو الرشوة المالية لحصول قطر على حق تنظيمها أو الوضع السياسي هناك، ما قد يخشى معه كثير من المشجعين الذهاب إلى هناك، بجانب أزمة العمال وتأخر الإنشاءات والتكلفة المنتظرة للانتهاء من كل الأمور المتعلقة بالبطولة في ظل ذلك الانكماش الاقتصادي الذي تتعرض له قطر منذ المقاطعة العربية.

وفي الإطار الرياضي بدأت قطر بإعلان تكلفة أولية لإقامة مونديال 2022 بما يوازي 200 مليار دولار تقريباً لضمان حصولها على ملف التنظيم، وهو بالتأكيد يعد رقماً هائلاً مبالغاً فيه لم يسبق له الحدوث عند عرض ملف لأي دولة رغبت في تنظيم الحدث العالمي الكبير، فالبرازيل عندما استضافت مونديال 2014 أنفقت ما يقرب من 14 مليار دولار، وهو الرقم الأكبر في تاريخ كأس العالم، وقامت روسيا مؤخراً برفع ميزانية بطولة 2018 لتصل إلى 11 مليار دولار تقريباً، وهو ما يعني أن التقدير القطري لموازنة المونديال كان بعيداً عن أي منطق، مما يفتح المجال حول أمرين أولهما هو خدعة قطر للفيفا من أجل الحصول على هذا الملف بأي ثمن، أو أن المسؤولين هناك لم يعيروا انتباهاً لوضع قطر الاقتصادي الذي بدأ في التراجع حالياً!

لكن المفاجأة الكبرى كانت في إعلان الجانب القطري عن تخفيض موازنة المونديال بما يقرب من 40% إلى 50% في أبريل الماضي، إلا أنه عاد الآن للحديث عن زيادة حجم الإنفاق فيما يتعلق بالبنية التحتية وإنشاءات المونديال، ولأن الحديث متضارب والأرقام غير واقعية أو حقيقية، فإن الأمر كله يثير الدهشة خاصة من جانب الفيفا الذي يهتم بنشر بعض التقارير التي تؤكد ثقته في تنفيذ قطر لكل وعودها بينما يكشف الواقع حقيقة مخالفة تماماً لما يروجه مسؤولو الاتحاد الدولي لكرة القدم.

وفي ظل توارد التقارير الخاصة بفرض ضرائب جديدة على مواطني قطر من مختلف الجنسيات، مع التأكيد على زيادة الإنفاق الحكومي في السنوات القادمة من أجل الانتهاء من تجهيز كل ما يتعلق بالمونديال، بالإضافة إلى توقع انخفاض الموازنة أكثر في كل عام من الأعوام الأربعة القادمة لأنه أمر منطقي يتم تقييمه حسب الوضع الحالي، فكل تلك الأمور مجتمعة تنذر بخطر كبير يهدد بطولة كأس العالم 2022!

فعلى سبيل المثال: قامت روسيا بإنشاء عدة ملاعب جديدة بعيداً عن الملاعب التي تم تطويرها وتحديثها، ويجب التأكيد هنا على أن قطر تحتاج لبناء ستة ملاعب جديدة تماماً مقابل عمليات توسيع ملعبين فقط، وهو بالمناسبة يعتبر الحد الأدنى لعدد الملاعب التي تقام عليها مباريات المونديال ناهيك عن كون نصفها يقع في مدينة واحدة، وبالعودة إلى روسيا التي تضع لمساتها الأخيرة على كل الأمور المتعلقة بكأس العالم في العام القادم، نجد أنها أقامت ملعب أتكريتي أرينا بتكلفة 430 مليون دولار، وكذلك زينيت أرينا في مدينة سان بطرسبورج الذي تكلف مليار و100 مليون دولار، وعلى ضفاف نهر الدون يوجد استاد روستوف بتكلفة 404 ملايين دولار بجانب كوسموس أرينا الذي تكلف 369 مليون دولار، وأنشئ الملعب الأوليمبي في مدينة سوتشي عام 2014 بمبلغ 787.7 مليون دولار، هذا بالإضافة إلى عدة ملاعب أخرى جديدة في مدن مترامية الأطراف داخل الدولة الروسية الممتدة عبر 17 مليون كيلومتر مربع، وهو ما يعني أن قطر تحتاج إلى ما يقرب من 5 مليارات دولار تقريباً للانتهاء من ملاعبها الجديدة مع زيادة متوقعة بسبب تغير سعر العملة والوضع الاقتصادي عاماً بعد آخر.

وهناك عدة نقاط أخرى تتعلق بالبنية التحتية الخاصة بالاستعداد للمونديال، منها المطارات التي كلفت روسيا عدة مليارات من أجل تطويرها، بجانب الفنادق والطرق والخدمات التي يجب تجهيزها في مساحة صغيرة لا تزيد عن 11.571 كيلومتر مربع، وهي كل الأراضي القطرية، وهو ما يزيد من التكلفة والأموال المنفقة في هذا الاتجاه بالتأكيد سواء بسبب المساحة أو بسبب ارتفاع الأسعار.

والكل يدرك جيداً السبب الرئيس الذي يدفع دول العالم للتسابق على استضافة المونديال، خاصة على الجانب الاقتصادي، وهو ما يهم الدول الكبرى المدركة لقيمة تلك البطولة وانعكاسها على المستوى الاقتصادي لها، فروسيا تثق في جذب مليارات الدولارات على هيئة استثمارات، بالإضافة إلى عائد بيع التذاكر وحجم السياحة الضخم المتوقع حدوثه أثناء وقبل وحتى بعد المونديال أيضاً، وهو ما قدر بنحو 24 مليار دولار دون وضع حد أقصى لحجم الاستثمارات، وهو ما يمكن أن يزيد بثلاثة أمثال هذا الرقم، لكن هل قامت الحكومة القطرية بحساب دقيق لهذا الأمر مثلما فعلت نظيرتها الروسية؟

الإجابة قد تكون صادمة، لأن أزمة قطر مع الدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب سيمنع عدداً كبيراً من الجماهير من الانتقال لمشاهدة مباريات المونديال في ملاعبها، وسيزيد حجم الدولة الصغيرة من صعوبة وجود أعداد كبيرة من عشاق كرة القدم لأن التنقل والإقامة والتكدس المنتظر خاصة مع إقامة مباريات 4 مجموعات تقريباً في مدينة واحدة سيعوق هذا الأمر بشكل منطقي وبلا أدنى مبالغة، أيضاً فإن قلة عدد المطارات مع الوضع في الاعتبار استمرار المقاطعة العربية لأجل غير معروف بجانب عدم قدرة قطر على إنشاء بدائل للطرق السريعة، كلها أمور ستقلل بالتأكيد من الأعداد المتوقع وجودها في كل مونديال، ويجب الوضع في الاعتبار أن تغيير موعد البطولة المعتاد من الصيف إلى نهاية العام سيؤثر بالتأكيد على نسبة الحضور.

وقبل يومين نشرت بعض الصحف العالمية تقارير تشير إلى طلب الحكومة القطرية استقدام أعداد كبيرة من العمال الفلبينيين للعمل في إنشاءات المونديال، وهو ما يعضد مزاعم حالات الوفيات المؤكدة من قبل بعض المؤسسات الإعلامية الإنجليزية والألمانية والفرنسية، بالإضافة إلى هروب آخرين من نيران التسلط القطري ومعاملتهم بشكل غير آدمي، وتشير تقارير أخرى إلى أن العمال لا يقومون بالعمل على أكمل وجه، وهو ما يخيف الصحف العالمية التي تتحدث عن إنشاءات غير مطابقة للمواصفات وربما قد تتعرض للانهيار، ومن وجهة نظر اقتصادية يصبح الطلب القطري لمزيد من العمال هو بمثابة عبء مالي زائد على موازنتها نظراً لحاجة هؤلاء إلى رواتب وغذاء وسكن وضمان طبي، وغيرها من الأمور التي تجاهلتها الدويلة في السنوات السابقة لكنها باتت مجبرة الآن على الالتزام بالحد الأدنى منها على الأقل لضمان الانتهاء من أعمال البنية التحتية الخاصة بالبطولة!