الثلاثاء 17 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
«حرب باردة» بنسخة معدلّة
12 أغسطس 2013 22:10

تأجلت إذاً، أو ألغيت، قمة أوباما-بوتين، لكن الدولتين العظميين ستواصلان العمل على المستويات الأخرى، كما فعلتا في الأعوام الأخيرة، أي من دون حسم أي ملف أو السعي مثلاً إلى وقف الحرب الدائرة في سوريا. كان الرئيس الأميركي هو من اقترح هذه القمة وحدد لها «الشراكة الاستراتيجية» عنواناً، ومع أن الرئيس الروسي رحب بهذه المبادرة إلا أن سلوكه العام لم يظهر حماساً -«شراكة» وإنما لصراع بارد، وأحياناً صامت، وفي معظم الأحيان مربك للولايات المتحدة. عندما التقى الرجلان قبل شهرين في أيرلندا، على هامش قمة الدول الثماني، لم يبديا أي حرارة أو حتى ود دبلوماسي. كانا بالأحرى متشنجين، رغم أن قضية التنصت الأميركي لم تكن قد تفجرت بعد، ولم يكن صانع الفضيحة إدوارد سنودن وصل إلى مطار موسكو. غير أن النهج الروسي في الأزمة السورية كان وضع واشنطن على أعصابها، فهي صاحبة الرقم القياسي في استخدام حق «الفيتو» تجد في مواجهتها نداً عنيداً يقفل مجلس الأمن الدولي بـ«الفيتو» إياه، ويعطِّل بالتالي مجمل المناورات الأميركية في هذا الملف، إنها «حرب باردة» بنسخة جديدة معدَّلة. لكن مناخ الاستياء والتوتر لا يتعلق بسوريا فحسب، بل بخلاف على مفاهيم العلاقة بين الدولتين. فالأميركي لا يزال مستنداً إلى مخرجات نهاية الحرب الباردة التي جعلته القوة العظمي الوحيدة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، ومن هذا المنطلق يعتقد أوباما أنه سيترك إرثاً مهماً إذا تمكن من بناء شراكة مع روسيا. غير أن نظيره الروسي المخضرم عاش في العهدين ممتلئاً بطموحات تراوح بين إعادة التوازن والثأر من بعض السياسات الأميركية، وبالأخص مما يعتقده سعياً أميركياً إلى محاصرة روسيا من خلال ضم حلفائها السابقين إلى حلف «الناتو» ونشر الدرع الصاروخية في أوروبا. ثم إن بوتين ومعظم شخصيات حكمه لم يفوتوا فرصة للتذكير بما يعتبرونه «خديعة» تعرضت لها روسيا في حرب إسقاط النظام السابق في ليبيا، مما سبب لها خسائر فادحة في مصالحها، مثلها مثل الصين التي تشاركها الغضب وتزاملها في استخدام «الفيتو» حماية للنظام السوري. لا شك أن الأسباب التي أعلنها البيت الأبيض لتبرير «تأجيل القمة» هي صحيحة، لكن عدم التقدم في الملفات المطروحة يدفع أكثر إلى لقاء الرئيسين كي يحاولا بعض الإنجاز فيها، أما التأجيل على هذا النحو، فقد يزيد الخلافات ويفاقمها بردود فعل غير متوقعة. يضاف إلى ذلك أن ثمة ملفات متفاعلة، كأزمة النووي الإيراني، تتطلب تفاهمات استراتيجية لابد من مساهمة الرئيسين في تحقيقها. من هذا أن السبب المباشر للتأجيل هو بالتأكيد منح روسيا المحلل الاستخباري «سنودن» لجوءاً سياسياً وامتناعها عن تسليمه إلى واشنطن التي تريد محاكمته على إفشائه أسراراً تتعلق بالأمن القومي. ولم يكن متصوَّراً، واقعياً، أن يزور أوباما موسكو التي تؤوي بطل إحدى أسوأ فضائح عهده. وبالنظر إلى ما أثاره البرنامجان الأميركيان للمراقبة الإلكترونية، يمكن القول إن موسكو اتخذت قراراً «شعبياً» بمنحها اللجوء لـ«سنودن»، الذي يحظى بتعاطف من الرأي العام العالمي يعادل الاستياء من المراقبة التي تمارسها أميركا على الحلفاء قبل الخصوم. لكن هذا لم يكن الخيار الوحيد أمام الروس لو أرادوا إبداء الحرص على العلاقة مع واشنطن، إلا أنهم تصرفوا بعد تقدير رد الفعل الأميركي، ولابد أنهم توقعوا نسف قمة أوباما- بوتين واعتبروا أن هذه الخطوة ستكون في صالحهم من دون أن يتحملوا مسؤولياتها، فالطرف الذي يلغي اجتماعاً كان هو من اقترحه هو الطرف الذي يخسر معنوياً. أما لماذا فضل بوتين استضافة «سنودن» على استضافة أوباما، فسيقول الناطقون باسم الكرملين إن موسكو بما تمليه مراعاة حقوق الإنسان ولا تمنعه القوانين الدولية بل تجيزه. وبمثل هذه الحجة تبرر استمرارها في توفير الأسلحة للنظام السوري. فطالما أن الخطوة «صحيحة قانونياً»، فإن نتائجها تصبح مجرد تفاصيل. وكان هذا الاعتبار ليكون مفهوماً لو أن لروسيا تراثاً مشهوداً له سواء في مجال حقوق الإنسان أو حتى في احترام القوانين الدولية. من بين المجالات التي يقول الطرفان إنهما تعاونا جيداً فيها يُشار خصوصاً إلى العقوبات الدولية على إيران. لكن كل الشواهد تقود حالياً إلى أن جانباً من صراعهما الحالي يتعلق بإيران. فروسيا كانت ولا تزال من أكبر المستفيدين من العقوبات، ثم إن تحالفها مع إيران في سوريا فتح أمام البلدين أفقاً واسعاً لاستمرار التعاون في كيفما تنتهي أزمتا روسيا أو البرنامج النووي. فروسيا الباحثة عن استعادة نفوذ أو تدعيم نفوذ مكتسب لا يضيرها أن تكون إيران شريكاً حتى لو كانت تطمح هي الأخرى لتثبيت نفوذ تعتقد أنه بات في متناولها. لا شك أن تحالف النفوذين يحد أيضاً من قدرات النفوذ الأميركي الذي يواصل إبداء مؤشرات تراجع مقلقة جداً لحلفائه. ‎عبدالوهاب بدرخان كاتب ومحلل سياسي - لندن

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©