الأربعاء 6 يوليو 2022
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
السيرة النبوية بعيون عصرية
السيرة النبوية بعيون عصرية
17 أكتوبر 2006 02:03
الحرية بطل كتاب الشرقاوي عن الرسول القاهرة - حلمي النمنم: اختار الشاعر والكاتب عبدالرحمن الشرقاوي ان يضع عنوان ''محمد رسول الحرية'' لدراسته عن حياة وسيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولابد لمن يعرف الشرقاوي ان يندهش من ذلك العنوان، فقد بدأ حياته بالفكر الماركسي ثم تطور الى الفكر الاشتراكي، ومؤثرات هذا الفكر تتضح في كتابه عن السيرة لكن المفاجأة تتبدد حين نتوقف امام فهمه للحرية، فهو بالتأكيد لا يفهمها على النحو السائد في مجتمعاتنا اليوم، اي حرية التعبير والتفكير، لكنه يعني بها في المقام الاول: الحرية مقابل العبودية والرق، ثم يتفرع منها بعد ذلك الى حريات اخرى مثل حرية العمل، فقد طالب الرسول المسلمين بأن يكونوا احرارا امام الحياة، وان يمارسوا حرية العمل ولام كثيرا الذين يقولون ان الانسان مجبر مسير لا اختيار له فتلا عليهم آيات تفند هذا القول ''لو شاء الله ما اشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ان تتبعون إلا الظن وإن انتم إلا تخرصون'' فالانسان حر وعمله هو الذي يشكله امام الناس والمجتمع، وامام نفسه هذا هو ما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم الصدق والبر ورعاية الوالدين ومكارم الاخلاق والرحمة والعدل والمساواة والشجاعة والكرم وحق الانسان في الحرية وواجبه المقدس في الدفاع عن المستضعفين وعن حرية الاخرين ويركز الشرقاوي على البعد الاجتماعي في تناوله للسيرة لذا توقف امام الاسرة الصغيرة التي انجبت النبي صلى الله عليه وسلم أقصد عبدالله بن عبدالمطلب وآمنة بنت وهب وكيف تزوجا ومسيرتهما معا، وإن كانت البداية من حياة عبدالله نفسه قبل الزواج فهو يرى ان عبدالله كان مهيأ لرسالة معينة وكذلك آمنة، فقد نجا عبدالله من موت محقق وتم افتداؤه ليتزوج وما ان تم زواجه واكتمل الحمل حتى فارق عالمنا وهو في عز الشباب، فلم يقدر له العيش ليرى وليده، اما السيدة آمنة فإنها وضعت محمدا وبعد ست سنوات وهي السنوات الأساسية لتشكيل كيان الطفل، رحلت هي الاخرى عن هذا العالم وهذا قدر مرسوم بدقة لغاية لا يعلمها إلا الله، وسوف تتضح مع البعثة النبوية ولد الهدى: محمد بن عبدالله، في لحظة عم الظلام مكة والجزيرة العربية، كان المال والآلهة والكعبة والمتاع للسادة واما الفقراء الذين وقعوا في الفقر وسقطوا من الحياة اليومية تحت ضربات الحاجة والعوز فقد أُلقي بهم بعيدا عن الكعبة لعيشوا في حي ناء عن الالهة، وبعيدا عن قصور السادة المحيطة بالكعبة، على حافة الصحراء في العدم حيث لا يملكون شيئا غير الذكريات وربما بعض أحلام في الخلاص من كل هذا وفي هذه البيئة نشأ محمد ولعله لاحظ وادرك كل شيء، كان هناك من اهل مكة من تمرد على هذا كله وخرج الى البادية يكسب قوته بحد السيف من خلال السطو على القوافل التجارية التي تعبر بالمنطقة أما داخل مكة فكانت الفوضى الاجتماعية والانحلال الاخلاقي والوثنية الدينية وبالتأكيد ضاق صدر محمد بذلك وهذا ما جعله يخرج مبكرا الى الشام مع عمه ابي طالب في التجارة، كان عمره ''12 سنة'' وقد تخوف من خروج عمه ان يبقى وحيدا بمكة وسط هذا الضلال وهذا الظلم الذي عم المكان كله وفي الشام لم يكن الحال افضل، فقد وجد العبيد يرعون الاغنام، قطعان بشرية ترعى قطعان الحيوانات، ومصير العبد معلق بكلمة ينطقها السيد، فالاغنياء والسادة يملكون الابل والغنم والارض وايضا البشر، وترددت على مسامعه مواقف لأناس امتعضوا من هذا المجتمع، مثل ورقة بن نوفل الذي اعتزل الناس وسوف تكون لهم لقاءات فيما بعد ومثل امية بن ابي الصلت الذي أعلن صرخة احتجاج في وجه تلك القوى الظلامية ولعن علنا آلهتهم -اللات والعزى وهبل- وتوقع المكيون ان يصاب بالبرص، كما يحدث لكل من يلعن الالهة، لكنه لم يصب بأي مرض، وكان ذلك تشكيكا عمليا في تلك الالهة، واخذ امية يطالب قومه بأن يعدلوا مع من يتعاملون معهم وان يدركوا ما للعبيد من حقوق، وعند ذاك بدأ السادة يتحرشون به ويعترضون عليه، وكان هناك زيد بن عمرو الذي صرخ مطالبا رجال قريش بأن يكفوا عن وأد بناتهم معتبرا ذلك من العار، لكنهم لم يستجيبوا له، ثم طالبهم بأن يكفوا عن عادة قذرة وهي ان يسلموا اجساد نسائهم للمرابين وفاء بما عليهم من ديون، ولم يتمكن المستضعفون من تلبية هذا المطلب ورفضه التجار الكبار والمرابون فقرروا نفيه خارج مكة حتى لا يزعجهم بآرائه وافكاره تلك، وهكذا كانت الاجواء تتهيأ للبعثة النبوية لتحرر الناس من كل مظاهر العبودية، سواء استرقاق الجسد أو عبودية الحاجة والاضطرار وهكذا ظهرت الدعوة النبوية بشعار بسيط ولكنه عميق، لا إله إلا الله، لتسقط الآلهة المصطنعة ويسقط معها الشرك وحين لا يكون هناك غير اله واحد يكون الناس سواسية امامه، لا فرق بين غني وفقير، رجل وامرأة، عربي وعجمي، اسود وأبيض، وهكذا التف حوله الذين يحملون في رؤوسهم الافكار الراغبة في الحرية والذين يحلمون بالاخاء والعدالة والمستقبل وامتلأ وجدانهم بالثقة بانتصار الخير وتحقق الكرامة الانسانية والتخلص من كافة الاوثان وطوال صفحات الكتاب وروايته للسيرة يحرص الشرقاوي على اظهار تلك الثنائية المتنافرة الاغنياء في مواجهة الفقراء والسادة امام المستضعفين وحين يهاجر الرسول وصحابته من مكة الى المدينة المنورة يبرز الفوارق بين المجتمعين المكي والمديني هنا مجتمع آخر اكثر تقدما من مجتمع مكة، هنا علاقات اجتماعية اخرى اكثر قابلية للخضوع لتعاليم محمد، فالمرابي اليهودي لم يكن يستطيع ان يستعبد دائنه العربي اذا عجز عن الوفاء كما كان يحدث في مكة بين الدائن والمدين ولم يكن له الحق في أخذ فتاة المدين أو امرأته كي يكرهها على البغاء استيفاء لدينه كما كان يحدث في قريش، والاجير في الارض مهما يكن حظه كان أعلى درجة من العبد المكي الذي يحرس القوافل، وفي المدينة بدأ الرسول ببناء المسجد وتقدم يعمل بيديه وتقدم المهاجرون للعمل يقودهم علي بن ابي طالب كرم الله وجهه وتحرج بعض الاغنياء من العمل بأيديهم لكنهم تقدموا متباطئين اذ وجدوا النبي يعمل وكان درسه لهم واضحا ان الثقافة والبراعة في التجارة واي عمل عقلي آخر لا يفضل عن العمل اليدوي ابدا فلكل عمل شرفه ويبرز الشرقاوي بوضوح ان أي قتال وقع في عهد النبي كان دفاعا عن المستضعفين وفي سبيل العدل ومن اجل حرية الانسان في كل مكان وان كافة الحروب التي قام بها هي حروب تحريرية وكان دائما يسبقها بنداء السلام تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم وبعدها إن لم يستجيبوا تكون الحرب
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©