صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

الاعتماد الكلي على مصادر الطاقة المتجددة لم يعد مجرد حلم

كريستوف أوستيرمان*

كريستوف أوستيرمان*

في أحد الأيام المشمسة والعاصفة من شهر مايو 2016، حدث أمرٌ عظيم على امتداد تاريخ قطاع الطاقة، حيث نجحت كمية الطاقة المتجددة التي تنتجها ألمانيا في تلبية جميع احتياجاتها من الطاقة.
ولفترة زمنية قاربت الساعة، كانت الطاقة التي جرى توليدها من الشمس والرياح والمياه والمواد الحيوية كافية لتزويد رابع أكبر اقتصاد عالمي بالطاقة، وهو ما يثبت قدرة مصادر الطاقة المتجددة على توليد الكهرباء التي تحتاجها أي دولة، حتى الدول الصناعية الكبرى.
ولا يقتصر انتشار استخدام الطاقة النظيفة على ألمانيا فحسب، بل يمتد نطاق الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة ليشمل مختلف أنحاء العالم. ونحن نشهد زيادة ملحوظة في الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة في العديد من دول أوروبا والصين والولايات المتحدة.
وفي أوائل التسعينات، كانت نسبة الطاقة التي يتم إنتاجها من الشمس والرياح في ألمانيا لا تتجاوز 0.1%. وفي عام 2016، وصلت هذه النسبة إلى 20%، ولا تزال تسجل معدلات نمو سريعة.
وفيما لا يزال الفحم والنفط والطاقة النووية تشكل النسبة الأكبر عالمياً من مصادر الطاقة في الوقت الحالي، يظل التحول نحو استخدام الطاقة النظيفة أمراً لا مفر منه، وذلك لأسباب متعارف عليها في علم الاقتصاد، فقد أصبحت مصادر الطاقة المتجددة تنافس الوقود الأحفوري. وفي بعض الحالات، أصبحت هذه المصادر أقل كلفة. فعلى سبيل المثال، لعب السعر، الذي سجلته شركة أبوظبي لطاقة المستقبل «مصدر» لتكلفة توليد الطاقة الشمسية بسعر 2.99 دولار أميركي لكل كيلوواط/‏ساعة، والذي تم تحديده في يونيو 2016 للمرحلة الثالثة من مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية في دبي بقدرة 800 ميجاواط، دوراً محورياً في تسليط الضوء على الجدوى الاقتصادية لمصادر الطاقة المتجددة.
وعندما ننظر إلى مثل هذه الأسعار، ونحاول فهم المسار المستمر لانخفاض تكاليف الطاقة المتجددة، لا يمكن أن يكون لدينا أدنى شك في أن الطاقة الكهربائية تمضي في طريقها لتكون أكثر استدامة في المستقبل، سواء على المستوى الاقتصادي أو البيئي. وبعد مضي فترة الاستثمارات الأولية في النظم الكهروضوئية ومولدات الرياح، ستستمر هذه النظم في إنتاج الطاقة من دون أي تكلفة تقريباً، لأنها تعمل عن طريق أشعة الشمس والرياح، وهي موارد وفيرة ومتاحة للجميع.
وسيقدم الاعتماد على الطاقة المتجددة فوائد اقتصادية وتنموية كبيرة على المدى الطويل بالنسبة لكثير من البلدان في جميع أنحاء العالم. ومما لا شك فيه أن البلدان التي ستختار الاعتماد على حلول الطاقة المتجددة في وقت مبكر سوف تستفيد أكثر من غيرها. في حين أن البلدان التي لا تتحول إلى استخدام الطاقة المتجددة ستعاني مع مرور الوقت، لأنه بالنظر إلى الوضع الحالي، فمن المنطقي أن ترتفع أسعار الكهرباء في المستقبل.
اليوم، وفي عام 2017، تمتلك ألمانيا مشاريع تنتج ما يقرب من 41 غيغاواط من الطاقة الكهروضوئية، و46 غيغاواط من طاقة الرياح، في جميع أنحاء البلاد، وذلك نتيجة للتشريع الذي تم إقراره في عام 2000، وينص على تحويل مشاريع الطاقة الخاصة بالدولة نحو نموذج يعتمد على الاستدامة، ويعمل على تخفيض الانبعاثات الكربونية. وكان ذلك على حساب محطات توليد الكهرباء عبر الطاقة النووية والفحم. وبطبيعة الحال، فمع التغييرات الكبيرة، تأتي تحديات أكبر، لكننا بصدد حلها جميعاً.
وعندما يتعلق الأمر بالتحول في استخدام مصادر الطاقة، تأتي التقلبات الجوية في مقدمة التحديات التي نواجهها الآن، سواء بالنسبة لكل من طاقة الرياح والطاقة الشمسية، إذ إن الشمس لن تكون ساطعة، والرياح لن تكون متاحة بشكل متواصل. وجرى تصميم شبكات المرافق لدينا لتستقبل بصورة مستمرة ومستقرة الطاقة التي تنتجها محطات التوليد الكبيرة، وتغذيها مباشرة باستمرار في نظام الشبكة. لذا أصبح الضغط على البنية التحتية أكبر من أي وقت مضى، بعد تمكين الملايين من مولدات الطاقة ذات القدرة الإنتاجية الصغيرة من المساهمة بصورة متقطعة في تغذية الشبكة، مما يزيد من احتمالات تعطل الشبكة وانقطاع التيار الكهربائي بشكل كبير.
ويكمن حل هذه المشكلة في أكثر من مجرد تخزين الطاقة. نحن الآن في المرحلة الرقمية من مسيرة التحول، وستفتح التقنية آفاقاً جديدة، ومزيداً من التطور في نماذج الأعمال. الخطوة التالية هي إنشاء نظم شبكية ذكية ومرنة، يمكنها التكيف مع المشهد المتغير لقطاع الطاقة. وستعمل الشبكة، التي تدعم الأنظمة الذكية لتخزين الطاقة، على تحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، وإدارة تقلب وعدم استمرارية الموارد، وتوفير القدرة على التحكم في الملايين من مولدات الطاقة اللامركزية التي تنتج أو تستهلك الطاقة أو تقوم بالأمرين في الوقت نفسه. وستكون شبكة المستقبل للطاقة ذات بنية تحتية رقمية متوافقة بالكامل مع منصات وبرمجيات جديدة، وآليات متطورة للتخزين، وأجهزة قياس ذكية، وأنظمة اتصالات.
وما زال هناك سؤال أخير: هل يمكن التحول للاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة وتحقيق نمو اقتصادي، مع العمل على تحقيق أهداف للتخفيف من آثار تغير المناخ؟ نعم بكل تأكيد. مرة أخرى تأتي دولة ألمانيا للمشهد، لكونها تمتلك الخبرة الأطول في تطبيقات الطاقة المتجددة، بدءاً من التعرفة الأولى للطاقة الشمسية في عام 2000. وفي عام 2006، كانت انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون الصادرة عن إنتاج الكهرباء في ألمانيا 340 مليون طن. وبعد 10 سنوات فقط في عام 2016، بلغت الانبعاثات 306 ملايين طن، وهو ما يمثل انخفاضاً بنسبة 10? في الانبعاثات على مدى 10 سنوات. ويصبح هذا الرقم أكثر إثارة للإعجاب عندما ننظر إلى معدلات النمو الاقتصادي في ألمانيا، والتي ساهمت في زيادة الطلب على استهلاك الكهرباء الكلي في البلاد من 564 إلى 581 تيراوات/‏ساعة خلال الفترة نفسه. وتثبت الإحصاءات إمكانية زيادة النمو الاقتصادي مع خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الوقت نفسه، مما يدل على أن النمو الاقتصادي يجب ألا يعرض الكوكب للخطر.
فضلاً عن وجود جانب إيجابي آخر لقطاع الطاقة المتجددة المتنامي، وهو أنه يعزز فرص العمل، ويثري من المعرفة القائمة على المهارات، وهي أساسيات النمو في المستقبل. وترتبط حالياً 330 ألف وظيفة في ألمانيا بشكل مباشر أو غير مباشر بمجالات الطاقة المتجددة، كما أن هناك العديد من الابتكارات التكنولوجية الرئيسة يتم تطويرها أو استخدامها للمرة الأولى في إيجاد حلول لتحديات الطاقة. ويتعدى هذا الرقم عدد الوظائف المرتبطة بمحطات توليد الكهرباء عن طريق مصادر الطاقة الأحفورية والنووية في ألمانيا.
وتعد شركة «سونن» أكبر منتج لأنظمة التخزين المنزلية، وأكبر منصة لمشاركة الطاقة في العالم. وتطمح الشركة إلى أن تكون مزود الطاقة الأول في المستقبل، من خلال توفير الطاقة النظيفة بأسعار معقولة للجميع. وتعد الشركة واحدة من أسرع الشركات نمواً في أوروبا. وقد كان الفوز بجائزة زايد لطاقة المستقبل في أبوظبي، خلال شهر يناير، بمثابة اعتراف بنجاحنا في الجمع بين الابتكار في مجال الطاقة المتجددة وتحقيق النمو الاقتصادي.

* الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة «سونن»، الفائزة بجائزة زايد لطاقة المستقبل عن «فئة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة»