محمد عبدالسميع

في عشريّته الأولى، رسّخ «معرض فن أبوظبي» ما تحمله اللوحة التشكيليّة والمنحوتة أو الجداريّة والحروفيّات والمصممات والتحف الفنيّة، عالماً من الرؤى والآفاق الإنسانيّة، التي تعبّر عن ثقافات متنوّعة، تدعم فكرة الالتقاء البشري بالفن، هذا الملمح الأصيل الذي نقل إلينا بدايات الإنسان مع الحروف، على كهوف الحضارات القديمة، وعبر خطوط الزمن التي أودعها الفنان هذه الرقاع التي ما تزال طازجةً وكأنّها اليوم؛ لتؤكّد أنّ البشريّة إنّما تحمل الهمّ الإنسانيّ ذاته والألق نفسه، مهما تباعدت بين جغرافيّاتها المسافات أو انسدّت أمام نواظرها الآفاق.
المعرض، الذي بات ذا شهرة عالميّة من خلال مشواره الواثق، كان جمهوره من الزوّار الفنانين وأصحاب الأعمال المشاركة والهواة ومقتنيي اللوحات، أمام سوق جماليّة ومدارس فنيّة في كلّ عناصر التشكيل، في الرسم والنحت والإبداع الحروفيّ، ليكون موسماً سنويّاً يحمل في طيّاته رسالةً حضاريّةً ثقافيّةً لأبوظبي في تأكيد الإبداع العالمي والفكرة الفنيّة التي تمخّضت بالتأكيد عن قدرات ابتكاريّة، هي مرآة لفكرة التسامح والتنوّع التي تنتهجها الدولة في استقطاب الملامح التي يشترك بها بنو البشر جميعاً، وفي مقدّمتها ملامح الجمال الذي يحضر في المعرض بطلاً حقيقياً ومفتاحاً ذكيّاً لكلّ دعاوى الانعزال والتقوقع، يؤكّد معنى الحضور وتبادل التقنية وتعميم الهدف الإنسانيّ، على أرض تؤمن بالوسطيّة والاعتدال والمحبّة وتدعو إلى ثقافة التسامح التي يحملها الفن التشكيلي بقوّة، مثلما تحملها كلّ أنواع الأدب والمعرفة ووسائل التشارك الإنسانيّ على وجه العموم.

الزخرفة الإسلامية بأبعادها الجمالية (تصوير جاك جبور)
وأكّدت هذه الرؤية الإنسانيّة للمعرض الرعاية الكريمة لصاحب السّمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلّحة، وما حملته كلمات سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجيّة والتعاون الدولي، في حفل تدشينه الدورة العاشرة لـ«فن أبوظبي »، من أنّ المعرض هو ترجمة فنيّة حضاريّة لما تتمتّع به أبوظبي بوصفها حاضنةً للفنون، ويتجلّى فيها التنوّع الثقافي المتاح في دولة الإمارات، بما تفسحه من مساحة نظريّة وعمليّة أيضاً لقراءة الأعمال المشاركة والتحاور بشأن تقنياتها ومضامينها الإنسانيّة؛ وكلّ ذلك في الواقع يلخّص فكرة أنّك إذا أردت أن تتعرف إلى تفكير بلد ما فعليك بمعرفة ثقافته وآدابه وفنونه ومدى اهتمامه بتراثه بين حدّي الأصالة والحداثة، وكلّ ذلك يشكّل عنصر ثراء ومعرفة واستفادة وتبادل وترويج للثقافات الإنسانيّة، تعمل عليه أبوظبي وفق رؤية وتصوّر مسبق، من خلال التقاء هذه المدارس والمقتنيات والمعروضات التي اختيرت بناءً على قوّتها الجماليّة ودلالتها الفنيّة لنكون أمام حضارات تصطفّ في مفردات المعرض وأركانه التي تشكّل بانوراما مميّزة تطوّف بها عين الفنان والزائر، فلا تملّ من التنوّع الفنيّ المميّز الذي يحمله «فن أبوظبي» من بلدان عديدة، حضرت بمبدعيها وتراثها لتسوّق إبداعها الفنيّ المميّز في هذه التظاهرة الفنيّة الثقافيّة الحضاريّة المهمّة.
واستطاع «فن أبوظبي» أن يجسّد هذه الفكرة موضع التطبيق العملي، وهو ما استلزم منه فعاليات غاية في الدّقة والتنسيق، وفي الوقت ذاته تتسم بالتنوّع وتلبية كلّ الأذواق، خصوصاً أمام مفردة الفن التي تتفرّع عن مفردات كثيرة قام بها المعرض حاشداً 19 دولة و43 صالة عرض في هذه التظاهرة الفنيّة الضخمة التي أصبحت محطّاً للمشاركة العربية والأجنبيّة كلّ عام.

استلهام التراث المحلي والموروث الفني الإسلامي (أعمال آمال بالجافلة)

توثيق الفن
ولأنّ قيمة أي معرض أو مهرجان أو تظاهرة فنيّة تتحدد بما يتركه من أثر للمهتمين والباحثين عن المعلومة وقارئي الحالة الفنيّة قيد التوثيق، فقد أدرك «فن أبوظبي» هذه الضرورة، فعمل على تخصيص فعاليات متنوعة ومحددة أفاد بها الحضور المتخصص والمهتم بأفضل طرق التوثيق وأساليبه وتقنياته، وكيفية تناول قضايا الأصالة على المستويات الفكرية والفنيّة والقانونيّة، فلم يكن المعرض مجرّد عرض للمقتنيات أو الأعمال المشاركة، وإنّما كان يشتمل في رحابه على ندوات وأنشطة تضع النظريّة الفنيّة موضع التطبيق.
ففكرة التعامل مع الفنّ المزيّف، على سبيل المثال، كإحدى فوائد هذه الندوات، هي فكرة مهمّة جداً في ظلّ ما يشهده العالم من دخول لغير الأصيل على الساحة في الفنّ التشكيلي، وهو ما يتطلّب مهارة عالية يجب أن تتوافر لكل المهتمين للكشف عن العمل المزيّف أو النسخة غير الأصيلة المقحمة، ولذلك فقد كانت الأسئلة الحواريّة تتعلّق بالإرشادات التي تقف بالضّد من ظاهرة تزوير الأعمال الفنيّة، لأنّ السّوق الفنيّة النبيلة، لا بدّ وأن تدخلها آفة التزوير، فضلاً عن القضيّة الخطيرة «الاتجار بالفن»، والحل بالتأكيد يُلقى على عاتق خبراء الفنّ لحظر تداول الأعمال الفنيّة المنهوبة والمزوّرة، إضافةً إلى التعريف بقضايا تهمّ كلّ دولة وكلّ فنان، مثل معرفة التحدّيات التي تواجه عملية نقل الأعمال الفنيّة واللوائح الجمركيّة الإقليميّة والدولية.

التسويق
يُعدّ تسويق الفنان وأعماله مطمحاً دولياً، لأنّه يعبّر عن حضارة ورقيّ الدول، باعتباره تسويقاً للدولة ذاتها من خلال هؤلاء المبدعين، ولذلك فقد اشتملت فعاليات «فن أبوظبي» على علاقة أسواق الفنّ المحليّة والعربيّة والمناطقيّة بالأسواق العالميّة، وكيفيّة استجابة أسواقنا الفنيّة لمحيطها العالمي، وهو ما يتطلّب خططاً وآليات وفّرها المعرض في نقاشاته، وهدف أن تكون هذه الأسواق مستدامةً، وبالتأكيد فإنّ لـ«المزادات» أهميّة لا تنكر في هذا المجال، ولذلك فقد تمّ إدراجها لقراءة دورها في تحويل العلاقة بين الفنانين والمؤسسات الفنيّة، وأيضاً لقراءة ما يمكن أن تقوم به الشبكات الجديدة من القيّمين الفنيين وجامعي الأعمال الفنيّة وجهات التمويل في موضوع تحويل المشهد الفني والتأثير على تداول الفن.

سياسات الاقتناء
لم يعد اقتناء المادة الفنيّة أمراً اعتباطيّاً أو مزاجياً أو انفعالياً مجرّداً من مهارات المعرفة والخبرة والتقنيات الكفيلة باقتناء ناجح، ولذلك فقد درس «فن أبوظبي» هذا الموضوع جيّداً، مناقشاً جملة التحديات التي تواجه الأسواق الفنيّة في غرب وشمال أفريقيا على سبيل المثال أثناء جمع البيانات، وبيان كيفية استفادة جامعي الأعمال الفنيّة من البيانات في ظلّ ما هو متوافر منها، كما سعى المعرض في هذه الندوة إلى تأطير وضع سياسات الاقتناء في المتاحف الفنيّة، دارساً نوعيّة البيانات المتاحة والمطلوبة لهذا العمل، وكيفية استجابة تقييمات المتحف ومقتنياته لسوق الفن.

«المقهى» للفنان فيصل لعيبي (تصوير: عبدالعظيم شوكت)

الطابع المؤسسي
من مزايا العمل المؤسسي أنّه يرجّح التعامل التخصصي على الانفعالي أو العشوائي، وفي الحالة الفنيّة، فقد تنبّه «فن أبوظبي» إلى أهميّة تأكيد المؤسسة كحاضنة للفكرة الإبداعيّة الفنيّة ومسوّقةً لها عبر آلياتها وكينونتها المستقلّة، خصوصاً وقد أصبحت المتاحف الفنيّة في الشرق الأوسط اليوم محطّاً للأنظار بعد سنوات من الإهمال وعدم الاهتمام، لذلك، تقوم هذه الساحات بدورٍ حيوي في إضفاء الطابع المؤسسي على فناني المنطقة من خلال الحوار العالمي. وعليه، فقد بدأ عدد متزايد من المؤسسات الأكاديمية التخصّص في التعريف بالتاريخ الفني للمنطقة بفضل الحصول على الحكايات الإقليمية قبل اختفائها. وبذلك تُعتبر المتاحف الفنية والمؤسسات الأكاديمية من المراكز التقليدية لبناء المعرفة الفنية نظراً لعملها منذ وقت طويل كمراكز للبحث ومنتديات يتم من خلالها تداول مثل هذه المعلومات. وشرعت كلٌّ من صالات العرض والمعارض الفنية ودور المزادات والبيناليات في الآونة الأخيرة بالقيام بدور أكثر مؤسسيّة على المستويين الإقليمي والدولي، حيث أقامت معارض مؤقتة واسعة النطاق لجمهور يصل عدده إلى عشرات الآلاف. ولذلك كلّه فقد استضاف «فن أبوظبي» خبراء مهمين وعالميين لقراءة التجارب الناجحة في هذا المجال في حوار موضوعي واستشراف نابِه لمستقبل العمل المؤسسي في تكريس الفن وترويجه واستثمار حضوره العالمي.

النقد والتوجيه
راعى «فن أبوظبي» الاهتمام بالناشئين في الفن، مهتماً بتوجيههم ونقد أعمالهم نقداً موضوعيّاً مكاشفاً نحو إبداعات مستقبلية، فكانت جلسات الحوار نافعةً باستعراض الأعمال المشاركة في جلسات التقييم، وتميّزت هذه الجلسات بكونها محصورةً بين الناقد والفنان فقط، لضمان الاستفادة وعدم تشتيت الجهود ولاتخاذ العمل المشارك أرضاً يُقيّم استناداً إليه الفنان بما يمكن أن يطوّر أو يوجّه إلى مناطق إبداعيّة جديدة كفرصة مهمّة للاستفادة من الخبرة النقدية التي وفّرها المعرض لهذا الأمر.

التفاعل وعروض الأداء
لبّى «فن أبوظبي» ذائقة حضوره وزائريه وفنانيه، فقرر برنامجاً متنوعاً اعتمد فيه على التفاعل والتبادل الفكري والفنيّ والتعبيري، وذلك بالاستفادة من فنون إبداعيّة وتعبيرية عديدة، هادفاً إلى الوصول لكلّ شرائح الجمهور الثقافيّة والعمرية، فكانت عروض الأداء الفنيّة التي أقيمت في أكثر من مكان إضافةً إلى منارة السعديات، عنصراً بارزاً في هذه الرؤية، إضافةً إلى ما قرره المعرض من مبادرات مجتمعيّة ونقاشات قرأت المشهد الفنيّ والثقافي في الإمارات ودول العالم من منظور التجربة وآفاق التقدّم والنجاح والاستمرار.

عمل الفنان مارك بلينكيتون

أفكار وتصاميم ريادية
اهتمّ معرض فن أبوظبي بالأفكار الخلاقة الخاصة بالمعنى والتكوين والابتكارات لخلق منصّة شاملة وتفصيليّة لقراءة العلامات والمشاريع التجاريّة ولمعات الذكاء والإبداع الجديدة في التصاميم الفنيّة بين الآراء المعاصرة والتقنيات العالمية، ومن ذلك التصاميم الأجنبية وتصاميم دائرة الثقافة والسياحة بأبوظبي، وغيرها، فضلاً عن توفير كل ما هو مذهل من التحف الفنيّة القيّمة التي كان يدور حولها نقاش فني مهم في أروقة المعروضات بين الفنانين والإعلاميين والجمهور.

مسمّيات دالة
عمل «فن أبوظبي» على أن ينطلق دائماً من فكرة ثقافيّة نحو كلّ هذا النجاح؛ ولذلك يلاحظ الحضور أنّ ثمّة مسمّيات ذات مفاهيم ثقافيّة أصيلة كانت تحمل كلّ البرامج والفعاليات الثقافيّة المتفرّعة، ومن ذلك «دروب الطوايا»، هذه التسمية التي تحيلنا إلى مصدرها التراثي والثقافي المعبّر عن ثقافة الإمارات والمنطقة عموماً، خصوصاً وأنّ عنوان برنامج «دروب الطوايا»، كبرنامج للفنون الأدائيّة في المعرض، مستوحىً من تعبير لغوي إماراتي حيث المسارات الطويلة (دروب) التي يمكن أن نسلكها عبر الصحراء، في حين تعني كلمة (طوايا) آبار المياه الجوفية. وفي اللغة العربية، فإنّ فعل طوي يوحي بالطبقات التي تحتوي على أفكار أو قيم أو جماليات تظهر عندما يتم فتح طياتها وكشفها، وعلى هذا فإنّ الاسم له دلالة ثقافية عريقة من وحي تراثنا وثقافتنا الأصيلة، ومثل ذلك أيضاً برنامج (بوابة)، الذي يُعنى باستضافة القيّمين الفنيين، وكذلك (آفاق)، و(حوارات)، وغيرها من البرامج التي انطلقت مع مشوار معرض فن أبوظبي أو التي استحدثت خلال هذا المشوار الذي ما يزال يراكم المزيد من النجاحات والتوسّع في الأعمال كلّ عام.

من أعمال خالد بن سليمان

الفنون الإسلامية
وبطبيعة الحال، تحضر الفنون العربية الإسلاميّة في «فن أبوظبي» من خلال مشاركات عديدة لفنانين عرب، استلهموا ثقافتهم العربية والإسلاميّة وحمّلوها فلسفتهم الشعبيّة والسياسيّة والإنسانيّة، حيث برزت في أكثر من ملمح يجسّد التجربة العربية الإسلامية في الاشتغال على مفردات المسجد والمقهى والسّجاد وخصوصية المرأة العربيّة وتاريخها في النظرة إليها بين الأمس واليوم، وفق تصاميمها وزخرفتها وما يحمله التطريز الشرقي من ثراء بصري قادر على حمل الحالة الفنية قيد الاشتغال والتجسيد.
هذا الحضور الفني بالطابع العربي الإسلامي كان له ما يقابله أيضاً وينسجم معه، في أعمال غربيّة سعت إلى تأكيد هدف الحوار الفني الإنساني بين الشرق والغرب، خصوصاً من خلال مشاركة ثريّة لصالات عرض عالميّة، منها معروضات الفنانة العالميّة الرائدة ليلى هيلر في تعزيز الحوار الإبداعي والتبادل بين الفنان الغربي وفنان منطقة الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، علاوةً على وجود عمل فريد ومميز للفنانة الأميركية نانسي لورنز 1962 أخذ حيزاً موضوعياً في مساحته وفي موضوعه كممارسات حرفيّة تقليدية في أعمال النحت والرسم.
ويلفت معرض «نساء من المغرب: جمال الحريم»، كعمل يوحي بمضمونه التاريخي وفكرته الإنسانية، للفنانة المغربية للا السعدي (1965)، وميّز هذا العمل حجمه الكبير، وتصميمه بالطباعة الكروموجينية وتركيبه على الألمنيوم، مجسّداً هيئة امرأة تتفحّص الزوار في نظرتها المصممة بطريقة احترافية، في حين نجد لوحات تحاكي الذاكرة والوجدان في صالة «حافظ جاليري»، حيث استلهمت تفاصيل يوميّة في حياة الإنسان، وهو ما عزز التشاركيّة بين الزائر وعناصر اللوحة الجمالية من جهة ومضامينها وجوهرها الإنساني من جهةٍ أخرى، ومن هذه الأعمال يبرز عمل الفنان العراقي البريطاني فيصل لعيبي بعمله الفني الذي أنجزه قبل ثلاث سنوات فق تقنية الإكريليك ليحمل عنواناً إنسانياً شعبياً هو «مقهى بغداد»، مطوّفاً بكل تفاصيل المقهى، هذا المسرح الإنساني الملتصق بذاكرة الشعوب ومرتادي المقاهي العربية من العامة والنخب أيضاً، لتبادل الإنسانيات والتفاصيل البسيطة التي تزيح عن كاهل الناس كثيراً من الهموم في بناء علاقة حميمية مع ثوابت المقهى المتمثلة بالطاولات والأراجيل وضباب الدخان، حيث عمد الفنان لعيبي إلى الاشتغال على الإبهار اللوني، بتصوير رواد المقهى بأزيائهم التقليدية، بمجاروه النارجيلة والآلات الموسيقية الشرقية ومقتنيات المقهى من الأواني ومستلزمات العمل اليومي في هذا الحيز الشعبيّ الإنساني المميز.
وفي عمل يحمل عوالم من الصوفية والروحانيات والدعوة للإخاء والسلام ونبذ العنف، يجسد الفنان معتز نصر تعاليم الإسلام الداعية للتسامح والتجانس ونشر الحب بين كل البشر من خلال عمل نحتي بعنوان «قطع أبراج الحب» عبارة عن مجموعة من المآذن بمعمارها الديني المميز، تنتصب صاعدة نحو السماء، صادحة بالهوية الدينية للمكان وحضارته الإسلامية، داعية للسلام والحب حتى تتحقق وحدة العالم للتعايش في أمان.
وفي جانب آخر من «فن أبوظبي» نجد تمثيلاً واضحاً للفن الإسلامي بأصالته وتجديده، حيث نقف في جناح منور بمعرض 421 بميناء زايد، على مشاركة ثريّة لأحد عشر فناناً أغلبهم سعوديون، إضافةً إلى فنانين عرب مقيمين في السعودية من لبنان ومصر والمملكة المتحدة، أبداعوا في المزج بين الحديث والأصيل في زخارف بمواد معاصرة، لتتنوع المعروضات في منحوتات ولوحات تصوير فوتوغرافي ونقوش ورسومات وخطوط، استثمرت ما للضوء من دلالة فنيّة في كونه بصيص أمل وخلاصاً من ظلام النفس والدنيا، وذلك ما تدلّ عليه أعمال المشاركين كعمل الفنان السعودي راشد الشعشعي الذي اشتغل على فكرة التوهان والخداع البصري عبر الزجاج بمواد بلاستيكية ليؤكّد معنى الصدق بنقده ظواهر الزيف والنفاق الديني وبريق الحياة الواهم في النفوس. ومثله فعل الفنانان خالد زاهد وعلي شعبان، في اشتغالهما على الصوت المنبعث من مكبرات صوت معلّقة على مآذن وقباب المساجد، وفق فلسفة تكرار الأصوات ووردية الشكل الهندسي وذهبيّته ودلالة انقطاع الأسلاك.
وتحت عنوان «سجّادة العروس» لمجموعة نقش، عرضت الفنانتان الأردنيتان نسرين ونرمين أبو دية، أعمالهما، مستثمرتين حقب وتاريخ الحضارات المتعاقبة على الوطن العربي، وذلك بتقنية نسيج فني وتصاميم هندسية أكّدت العراقة والتطوّر، حيث اشتغلت الفنانتان على التطريز والأرابيسك والنسيج الدّال على الفترة الزمنية، في نقوش متشابكة ومتداخلة، وفق مفهومي البساطة والعمق في التكوين وحمل التراث العربي الفلسطيني على وجه التحديد. وفي المنظور الفلسفي التراثي تمثل سجادة العروس في ذهنية البنت العربية هديةً غالية تحمل قيم الحياة الاجتماعية والتمسك بالأصالة للفتيات في سن الزواج، لتكون بمنزلة خيط أصيل يربط بين الأجيال، وهو مضمون نبيل اشتغلت عليه الفنانتان لتأكيد الموقف الرافض للتخلي عن روح الأصالة بشكلٍ عام، وتأكيد التمسك بالأرض الفلسطينية والثبات بوجه المحتل، كما برز الجانب الحميمي في السجادة بين البنت وأمها، ليكون التشكيل الفني والتطريز حاملاً قويّاً للفكرة الإنسانية والاجتماعية، فضلاً عن كونه يظلّ قادراً أيضاً على حمل الفكرة السياسية التي لا بدّ وأن تتنافذ عليها حياة الناس والشعوب بتفاصيلهم اليومية، فيكون استلهام الفكرة في ثنايا خيوط مطرّزة تحمل من المعنى والأحلام والهموم الإنسانية ومبررات الوجود الإنساني الكثير من الآمال ومغالبة الواقع أو البحث عن طاقات جديدة بين هذا الموضوع أو ذاك.
وتحت عنوان «رسائل» احتضن «غاليري أثر»، معرضاً مستوحى من كتاب «رسائل إلى شاب مسلم» للسفير الإماراتي لدى فرنسا عمر سيف غباش؛ دارت الرسائل حول الحكمة والانفتاح والتفكّر العميق، التي تنبع من تسامح الدين الإسلامي. وطرح المعرض عدة موضوعات من خلال أعمال فنية قدمها 31 فناناً سعودياً وإماراتياً، عبر التعليق عليها، أو استلهام الأفكار منها. وتمحورت الأعمال الفنية حول موضوعات هي: «بقايا من الذاكرة»، «الشباب وفكرة الآخر»، «المناظر الطبيعية المزدوجة»، «التساؤلات المحتملة»، و«قوة اللغة والمنطقة الرمادية». وبرزت أهمية المعرض في كونه منصة لتلاقي الأفكار وتأكيده على ضرورة التفكّر بعمق في صراع الهوية والتحديات التي يواجهها الشباب المسلم لتحقيق الذات، وتكوين هوية عربية معاصرة منتظمة ومستقرة.

بحث جمالي في مفاهيم إسلامية (تصوير عبد العظيم شوكت)

السعودي.. الذاكرة الشعرية
وفي جولة مع عدد من ضيوف «فن أبوظبي»، عبّرت النحّاتة والكاتبة الأردنية منى السعودي عن تقديرها واعتزازها للمشاركة في المعرض الذي يجمع كبار النقاد والفنانين في العالم، مؤكّدةً دور جيل الرواد في تمهيد الطريق للفنانين الشباب في مثل هكذا تظاهرة فنية كبيرة، مبينةً أنّها وعلى المستوى الشخصي أكّد حضورها الفني الناقد العالمي المهم عمر خليفي، بوصفها إحدى أيقونات الفن العربي.
استخدمت السّعودي، التي عرضت بعضاً من حروفيّاتها ومنحوتات قديمة منذ السبعينات وحديثة العام الماضي، الحبر الصيني في رسوماتها، مستوحيةً ذلك من الذاكرة الشعرية التي تمليها عليها قصائد الشاعر الفلسطيني محمود درويش، مؤكّدةً أنّ اشتغالها الفني يتأطّر بإطار شعري، باعتباره طريقة الفنان إلى التفكير، ولذلك فقد نجد في أعمالها شيئاً من رمزية وتجريدية استجابة لهذا المنطلق الشعري.
وكتبت الفنانة، التي راكمت ما مقداره 50 سنة من المشوار الفني مع النحت والرسم، على أعمالها بخطّ يدها، وهو ما يعطيها شعوراً نفسيّاً وفنيّاً، غير مشترطة الاحتراف في رسم الخطّ العربي في الحروفيّات، التي شكّلت بها ورقة شجر بدت وكأنها شجرة كاملة، وتحمل شكل امرأة، وتتضمن شمساً، فيما خلفيّتها مقاطع من قصيدة الشاعر محمود درويش.
واكبت الفنانة السعودي كلّ المعارض العربيّة والإماراتيّة عموماً، معتبرةً «آرت أبوظبي» معرضاً عالمياً، على مستوى المعروضات التي قالت إنّها تنتمي جميعها إلى الفن الحقيقي، بالرغم من الاختلاف بين المستويات، وهو الاختلاف الذي أسمته تنوّعاً في الأساليب. ورأت السعودي أنّ المعرض يشكّل في تنظيمه وحجمه وزوّاره وضيوفه مكاناً مناسباً جداً لتبادل الخبرات والرؤى والأفكار والتقنيات، كونه يتيح الفرصة لقراءة التجارب في رحابه ويشتمل على مشاركات لفنانين عرب وأجانب مهمين، باعتباره مفتوحاً على شريحة واسعة من فناني العالم.
وأكّدت السعودي في هذا السياق أنّ وجود معرض فن أبوظبي يكمل المشروع الثقافي للفنان، مبيّنةً أننا لا نستطيع أن نعتمد فقط على معلوماتنا المأخوذة من الكتب، إذ لا بد أن يكون ذلك مدعوماً بتجارب حيّة وفنون أصيلة وحديثة تسمح بالاستفادة والخبرة والتنوّع العالمي.

بن سليمان.. الارتفاع والعلوّ
من جانب آخر، يشتغل الفنان التشكيلي التونسي خالد بن سليمان على المحتوى الروحاني في أعماله الخزفيّة، متحدثاً عن تكراره لألفاظ بعينها، مثل لفظ الجلالة «الله»، وكلمة «الذّكر» و«هو»، وتشكيل عدد من معروضاته بأسماء الله الحسنى التسعة والتسعين وفق شكل هندسي، استثمر فيه معنى السّمو أو العلو ليخدم فكرته المسبقة في اشتغالاته الفنيّة على مدى أربعين عاماً في الفن.
وتبدو الحروفيّات واضحةً في أعمال بن سليمان؛ حيث شكّل مجموعةً من الأبواب، والدوائر، في الجوّ الروحانيّ ذاته الذي قال إنّه أخلص له وسار ضمن فلسفته التي أودعها عدداً من (الأسهم) التي تحمل أيضاً فكرة الارتفاع والعلوّ، و«هو» الْمُطلق، بالإضافة إلى عبارات»يا لطيفاً بعباده»، باحثاً عن عالم الجمال من منظور المحتوى الإسلاميّ في التشكيل بالخزف، الذي أضاف إليه معروضات بالرؤية الروحانية ذاتها استخدم فيها الورق والقماش كوعاء لهذا المحتوى أو الفلسفة قيد الاحتفاء أو التشكيل.
وعن مشاركاته، قال بن سليمان إنّه واكب كلّ دورات»فن أبوظبي»، وكان شاهداً على انطلاقته الواثقة.
وعن مشواره مع الفن، ذكر بن سليمان أنّه تخرّج من معهد الفنون الجميلة بتونس، ودرس في معهد الفنون ببرشلونة في إسبانيا، ثمّ أقام بطوكيو في اليابان وتعرّف إلى التقاليد اليابانيّة، وهو ما شكّل منعطفاً في مسيرة الفنان عضو الأكاديمية الدولية للخزف.
وحول مدى استفادته من فنّ الخطّ الياباني، وانتقاله بين الغرب والشرق، قال بن سليمان إنّ اطلاع الفنان الياباني على الخطّ العربي ليس كثيراً، وفي ظلّ اعتقاد كثير من زملائه الفنانين التونسيين والعرب والأجانب بأنّه سيعمد إلى تقليد الخطّ الياباني، قال إنّه لم يفعل ذلك بالرغم من قضائه سنتين هناك، موضّحاً أنّه استفاد من حالات التركيز الشديد لدى الخطاط الياباني وإخلاصه لمهنته ودقّته في تحريك الفرشاة وخلطه الألوان، ولذلك فقد أخذ الكثير من التقنيات والصبر على رسم الحرف باتزان ودقّة عالية بين حسابات المساحة والنقاط والحريّة المطلقة.
وفي السياق ذاته، ختم الفنان بن سليمان بأنّ تلاقي الثقافات العربية والأجنبيّة لا تتم باللقاء السطحي أو الخجول، موضّحاً أنّ اقتباس الروح بين الفنانين أمر مهم، مع عدم التخلّي عن البصمة بالتقليد لأجل التقليد، ففي الحياة ثمّة أمور ينبغي مراعاتها في عالم الفن والفلكلور والجمال بين الأمم والشعوب.

الفن الإسلامي لوحة مطرزة بالتسامح والمحبة (تصوير عبد العظيم شوكت)

وقائع وأرقام وفائزون
w أقامت دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي معرض «فن أبوظبي 2018» في منارة السعديات، من 14 إلى 17 نوفمبر 2018. وسلط من خلال مبادراته المجتمعية الضوء على رؤية وقيم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الوالد المؤسس، والتي تتمحور حول أربع ركائز رئيسة هي: التسامح، والانفتاح، والاستثمار في الإنسان والمجتمع، والحوار الثقافي.
***
w استضاف فن أبوظبي 2018 في عشريَّته الأولى (43) صالة فنية معروفة وناشئة من (19) دولة حول العالم قدمت مجموعة متنوعة من الفنانين العالميين المخضرمين والشباب، عرضوا روائع الأعمال المعاصرة والحديثة من حول العالم.
***
w ضم فن أبوظبي 2018 أقساماً عدة، منها «فضاءات جديدة : أيقونات» و»آفاق» و«تكوين»، بالإضافة إلى برنامج «حوارات 2018» وبرنامج «دروب الطوايا».
***
wصاحب فعاليات فن أبوظبي 2018 برنامج متنوع، اشتمل على عروض أداء فنية وموسيقية قدمت في مواقع معروفة بمدينة أبوظبي، واستقطبت جمهوراً كبيراً.
***
w تضمن فن أبوظبي 2018 عدداً من المبادرات المجتمعية، منها: «مشروع أجنحة فن أبوظبي»، وفازت بها: آمنة البلوشي، ومنى راشد المزروعي، ونوف محمد السعدي. ومسابقة «الطبعات المحدودة»، وفاز بها أربعة فنانين هم: مارك بيلكينتون، وفاء حشر مكتوم، سعيد المدني وأنجالي سرينيفاسان. و»جائزة الجناح المعماري» لـ «فن أبوظبي»، وفاز بالمرتبة الأولى تصميم «هواء» من إبداع جمانة رزق وليان زهير، بينما احتل المرتبة الثانية مشروع «سراب» للفنانين محمد عبد الهُدى، ورغد العلي، ومحمد رويزق.