صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

الفكر الجوّال

غاندي استخدم فنّ المشي الجماعيّ للمقاومة السّلميّة (نحت فني لمسيرة الملح )

غاندي استخدم فنّ المشي الجماعيّ للمقاومة السّلميّة (نحت فني لمسيرة الملح )

من منّا مازال يذكر رائعة روبارت لي زيميكيس Robert Lee Zemeckis السّينمائية «فورِست غامب» Forrest Gump، الفيلم الحائز ستّة أوسكارات (1994)، إضافة إلى تكريم سنة 2011، من مؤسّسة «سجلّ الأفلام الوطنيّة» National Film Registry، الّتي تحتفظ في مكتبة الكونغرس كلّ سنة بحوالي خمسة وعشرين فيلما أمريكيّا لقيمتها الثّقافيّة والتّاريخيّة والجماليّة بعد أن يكون قد مرّ على صدور الفيلم عشر سنوات؟

من منّا لا يذكر تلك المشاهد الثّلاثة الّتي تصوّر البطل «فورست غامب» الّذي أدّى دوره ببراعة منقطعة النّظير توم هانكس Tom Hanks، وهو يركض ويركض كأنّ الرّكض في طفولته العسيرة لم يخلّصه من القضبان الحديديّة الّتي كانت تكبّل رجليه الكسيحتين فحسب، وإنّما من الأطفال الأشرار الّذين كانوا يلاحقونه بدرّاجاتهم ويرمونه بالحجارة.
مشهد الرّكض هذا تكرّر ثانية و«فورست غامب» في سنّ الشّباب، إلاّ أنّ ملاحقيه الجدد قد غيّروا درّاجاتهم بشاحنة صغيرة ظلّت تطارده إلى أن أكرهته على الدّخول إلى ملعب فوتبول أميركيّ، وهنالك شاهد الجمهور موهبةَ الرّكض السّريع عنده، فإذا به يصبح بين عشيّة وضحاها لاعبَ فوتبول شهيراً لا يستطيع إيقاف جموحه أحد عندما يمسك بالكرة ويظلّ يركض بها إلى خارج الملعب. في كلا المشهدين كان قادحُ الرّكض صرخةَ صديقته جينيفر أو جيني (تقمّصت الدّور روبن رايت Robin Wright): «اركض فورست اركض».
أمّا في المشهد الثّالث، فقد ظلّ «فواست غامب» يركض طيلة ثلاث سنوات دون هوادة ودون هدف واضح. طالت لحيته وشعره خلال أيّام الرّكض حتّى اتّخذ هيئة الصّالحين من الدّراويش، يجري النّاس معه، يسألونه أحياناً في مسائل شتّى، فيجيبهم بكلمات غامضة كالنّبوءات، ويرافقونه أحياناً كأنّهم من مريديه يتّبعونه دون أن يعرفوا لماذا يتّبعونه حتّى توقّف فجأة ذات يوم، وقال جملته الغريبة: «أنا متعب، أريد أن أعود إلى الدّيار»، كأنّه بهذه العبارة يشير إلى نهاية تيهه، وربّما نهاية حالة الجنون. فقد كان يُنظر قديما إلى الإنسان التّائه على أنّه مجنون. وكما خرج «فورست غامب» من منزله راكضا دون سبب، كذلك عاد إليه، بعد أن جاب أرجاء الولايات المتّحدة، دون سبب. فهذا البطل لا يفكّر في ما يجري من الأحداث، وإنّما يجد نفسه قد زُجّ فيها دون قصد ولا إرادة منه، وكان في كلّ مرّة يخرج من كلّ المآزق، في السّلم كما في الحرب، سليماً معافى، بفضل ركضه السّريع الّذي مكّنه من إنقاذ الكثير من الجنود الأميركيين من الموت في الحرب الفيتناميّة الرّهيبة، فنال بركضه وشجاعته وسام الأبطال.

اركضْ.. فكِّرْ
طيلة الفيلم، لا نرى «فورست غامب» إلاّ في هيئتين: إمّا راكضا فتنفتح على خلفيّة ركضه بوّابةُ التّاريخ على مصراعيها، فتنهمر منها صور تُمثّل «الحلم الأميركيّ» بعد الحرب العالميّة الثّانية، وهو يمرّ بحقب ساخنة سياسيّاً كحرب فيتنام، ومتقلّبة اجتماعيّاً كحركات السّود المناهضة للميز العنصريّ، أو تجمّعات الهيبيز السّلميّة، أو نراه جالساً على مقعد ينتظر قدوم الحافلة، وهو يقصّ على كلّ من يجلس بجانبه مغامرته الشّخصيّة الملتبسة التباساً كبيراً بتاريخ أميركا طيلة ثلاثة عقود من أواخر الخمسينيّات إلى أوائل الثّمانينيّات، إلاّ أنّه كان يقصّ ما يقصّ من منظوره الخاصّ، وبعيني رجل كان يُعاني منذ طفولته عسراً في المشي والنّطق والفكر. ولكنّه لمّا شبّ وكَبُر كان أقرب في شخصه الملائكيّ إلى الأبله منه إلى المتوحّد Autiste، هذا إذا اعتبرنا أنّ الأبله يُشبه الملاك، مع فارق مهمّ، وهو أنّ الملاك في اللّغة العربيّة والإغريقيّة يعني حامل الرّسالة أو الرّسالة ذاتها، أمّا الأبله فهو ملاك دون رسالة، أو رسول لا يحمل رسالة.
يمكن أن نتساءل: لماذا اختار «زيميكيس» مع كاتب السّيناريو إيريك روث Eric Roth، أن يغيّرا من ملامح «فورست غامب» الّتي رسمها الكاتب والمؤرّخ الأميركي وينستون قروم Winston Groom، في روايته «فورست غامب» (1986) على نحو مختلف؟ فقد كان البطل في الرّواية مصابا بـ «متلازمة العالم» syndrome du savant، المتفشّية عند معظم المتوحِّدين، وكان رغم ذلك بارعاً في العلوم الفيزيائيّة ولاعبَ شطرنج ومصارعاً محترفاً. إلاّ أنّ السّمة البارزة الّتي حافظ عليها الفيلم هي الرّكض السّريع. فإن كان فعل «فكّر» حاضرا باطّراد كبير في الرّواية فإنّ فعل «ركض» أو «جرى» لا يقلّ عنه تواتراً وحضوراً. فبطل رواية «فورست غامب»، وهو يزاول التّفكير راكضاً كما في الرّواية، أو يركض دون أن يفكّر كما في الفيلم، يطرح علينا السّؤال التّالي: هل يمكن أن نفكّر ونحن نركض؟ هل يمكن أن نتأمّل ونفكّر والجسد يتحرّك بأقصى ما فيه من سرعة؟ ما هي السّرعة المناسبة الّتي تجعلنا نفكّر دون عوائق التّنفّس وتسارع دقّات القلب؟ تجيبنا الفلسفة والأدب كلاهما بأنّ أفضل سبل التّفكير هي المشي. وأفضل مثال على ذلك «المفكّر المشّاء»، فملامحه لا تكاد تغيب من سير الفلاسفة والأدباء. يكفي أن نعود إلى الفلسفة الإغريقيّة، حتّى نجد في تاريخها المليء بالمدارس والاتّجاهات ما يُسمّى بـ «المدرسة المشّائيّة» Peripatetic school. ولفظ «Peripatetic» مشتقّ من الكلمة اليونانيّة «peripatetikos»، ومعناها: «ذاك الّذي يحبّ أن يتفسّح». ويبدو أنّ هذه الصّفة قد التصقت بأرسطو طاليس الّذي كان يدرّس في «اللّيسيه» بأثينا وهو يمشي رفقة تلاميذه. فالتّفكير مشياً، أو تعليم الفلسفة بالمشي، هو الّذي كان وراء إطلاق صفة «المشّائين» على المدرسة الّتي أسّسها أرسطو.
ولئن بدا اتّصاف الفكر بحركة الجسد المتنقّلة بالمشي أمراً غريباً فلأنّ صورة المفكّر المعتكف وحيداً في برجه العاجيّ قابعاً خلف مكتبه هي الّتي رَسخت في ضمائرنا، حتّى غدا التّفكير غير ممكن إلاّ في هدوء المكاتب والمكتبات، وسكينة بيوت العلم والحكمة والكاتدرائيّات. والحقّ أنّ صورة المفكّر السّاكن سكون «المفكّر» في تمثال رودان الشّهير، أو صورة الفيلسوف المتوحّد السّابح في تأمّلاته الفلسفيّة، قد كانت من نتاج الفكر الرّومنطيقيّ الحديث الّذي يعتبر التّفكير نشاطاً فرديّاً منعزلاً عن الجماعات الّتي تضافرت لإنتاجه. فالتّفكير منذ القديم كان فعلاً جماعيّاً لا فرديّاً. ولأجل ذلك كان المعلّم دائما يُرى رفقة تلاميذه إمّا جالساً في حلقته، أو ماشياً بين الأروقة.

مشّاؤون جدد
ويبدو أنّ صناعة الأحذية في الأزمنة الحديثة لم تساهم في تحسين تنقّل البشر لتلبّي شروط العمل الجديدة فحسب، وإنّما كانت وراء ازدهار فنّ الفسحة والنّزهة والتّجوال الّذي زاوله الكثير من الفلاسفة والشّعراء والفنّانين، كأنّهم بذلك يُحيون تقاليد مدرسة المشائين القديمة في صور جديدة. فإن كان المشترك بين السّلف المشّائين والخلف المشاة هو استعمال الرّجلين عند التّنقّل، فإنّ الطّريقة الّتي كان يمشي بها هؤلاء أو أولئك مختلفة، ذلك أنّ أسلوب المشي هو الّذي كان يحدّد ملامح الفكر وهويّة المفكّر. فالمشي القديم كان يختلف عن المشي الحديث، لأنّ فضاء التّفكير قد تغيّر. فمن النّزهة في أروقة اللّيسيه إلى التّفسّح في شوارع المدينة والتّسكّع في العواصم المعاصرة تجارب مختلفة من التّفكير خاضها مشاهير الفلاسفة والشّعراء مشياً، فكان من نتاجها نوع جديد من الكوجيتو نسمّيه «الكوجيتو المشّاء». «أنا أفكّر إذن أنا أمشي»، ذاك هو شعار المشاة المفكّرين في هذا الزّمان أو ذاك. فتجربة التّجوال عند شاعر مثل دافيد هنري ثورو Thoreau، وكانت تدوم ثلاث أو خمس ساعات كلّ يوم في غابات دو ماين de Maine بالكيبيك Québec، أو في نيو هامبشاير New Hampshire، قد أصبحت عنده بحثاً عن سبيل نخوض فيه بعمق مغامرة الوجود على نحو لا يمكن فيه لغيرنا أن يحلّ محلّنا. فإذا كان يمكن تعويضنا في العمل بشخص أو بآخر، فإنّه من المستحيل أن يكون في مكاننا عندما نمشي. وهذا هو المقياس الأوّل الّذي يمكن أن نحدّ به الكوجيتو المشّاء. أَوَلَمْ يَقُل ثورو في بعض يوميّاته: «إن لم أكن أنا، فمن يكون في مكاني؟»، وبعبارة أخرى: إن لم أكن أنا الّذي يمشي فمن ذا الّذي يفكّر في مكاني؟
وسواء أكان المفكّر متنزّهاً أم متجوّلا فإنّ القاسم المشترك بين كلّ الّذين كانوا يمارسون التّفكير مشيا هو أنّهم قد غادروا حيطان المكاتب، وخرجوا إلى رحاب الحياة، فاقترن تفكير معظمهم بقضايا الوجود والحياة لا بتأويل النّصوص ووثائق الأرشيف. هذا الفارق في طرائق التّفكير قد أعرب عنه نيتشه في كتابه «العلم المرح» بقوله: «لسنا من أولئك الّذين لا يفكّرون إلاّ وسط الكتب، حيث تنتظر الفكرة ولادتها ممّا يثيرها في كلّ صفحة. فطبعنا هو التّفكير في الهواء الطّلق، ونحن نسير ونقفز ونتسلّق ونرقص، ويستحسن أن نرقص فوق الجبال المنعزلة، أو على ضفاف البحر، هنالك حيث تكون السّبل ذاتها بصدد التّأمّل». (الشّذرة 366).

قدامى المشائين
وللتّعرّف إلى سلالة المفكّرين المشاة، يكفي أن نستحضر حياة الفيلسوف جان جاك روسّو (1712 - 1778) المليئة بالأسفار والنّزهات حتّى نقف على أَنْصَع تجلّيات الكوجيتو المشّاء. فقد بدأ روسّو مغامرة السّفر مشياً على قدميه وهو في سنّ السّادسة عشرة. انطلق من أنّوسي Annecy (مدينة في جبال الآلب بجنوب شرق فرنسا) إلى تورينو Turin بإيطاليا، ومن صولار Soleure (مدينة بسويسرا) إلى باريس، ومن باريس إلى ليون Lyon، ومنها إلى شمباري Chambéry بفرنسا. ففيلسوف الأنوار الأشهر يعترف في كتابه «صورتي» Mon portrait، بأنّه لا يستطيع أن يكتب أو يبدع، أو يفكّر أو يستلهم إلاّ وهو يمشي. فرؤية المكتب أو المقعد كافية لتجعله يشعر بالعزوف عن الكتابة. ففي الشّعاب وطرق الرّيف الملتوية كانت مخيّلته تلتهب. يقول: «لم أفعل شيئاً يُذكر إلاّ عندما أتنزّه، فالرّيف هو مكتبي، ومرأى الطّاولة والورق والكتب يبعث فيّ الملل، أمّا عُدَّة الكتابة فتطفئ جذوة حماسي...». ولئن بدأت مغامرة المشي عند روسّو باكراً، فإنّها قد استمرّت إلى آخر حياته. يشهد على ذلك كتابه الأخير «هواجس المتنزّه المنفرد بنفسه» الّذي ألّفه، وهو في أرذل العمر من 1776 إلى 1778، وهي السّنة الّتي أدركته فيها المنون. فلم ير الكتاب النّور إلاّ بعد أربع سنوات من وفاته. فهذا الكتاب يشهد على أنّ مشروع روسّو الفكريّ قد ظلّ مرتبطاً بحركة جسده المتحرّكة أثناء النّزهة. ففي بدايات النّزهة الأولى، نراه يشير إلى هذا التّلازم بقوله: «إنّ ساعات الفراغ الّتي أمضيتها في نزهاتي اليوميّة كانت تملؤها تأمّلات بهجة، آسف أنّي قد أضعت ذكراها، وسأسجّل تلك الذّكريات الّتي يمكن أن تعاودني [...] ومع ذلك فإنّ جميع الفِكَر الغريبة الّتي قد تخطر لي وأنا أتنزّه ستجد لها محلاّ في كتابي.» (ترجمة بولس غانم، ص26).
ويبدو أنّ إيمانويل كانط (1724- 1804) كان يتأثّر خطى جون جاك روسّو. فحياة هذا الفيلسوف الفذّ لم تكن وثيقة الصّلة بمدينة كونيغسبارغ K?nigsberg الألمانيّة بفضل تدريسه الطّويل في جامعتها، ولا بولادته ومماته في ربوعها، ولا بتأليفه كلّ كتبه فيها فحسب، وإنّما بنزهته اليوميّة في شوارعها. فسواء أكان الطّقس مشرقاً أم رديئاً، لم يكن من خروجه بُدٌّ في السّاعة نفسها كلّ يوم، لا تأخير في الموعد ولا تقديم، فغدت دقّة مواعيده مضرب الأمثال، حتّى أنّ سكّان المدينة لم يكونوا في حاجة، كلّما مرّ كانط أمامهم، إلى النّظر في ساعاتهم لمعرفة الوقت. وكان كلّ يوم يعبر الطّريق نفسه إلى حدائق كونيغسبارغ، فأطلق على الممرّ الّذي كان يتنزّه فيه اسم «ممرّ الفيلسوف». وتنقل بعض الشّائعات أنّ كانط لم يشذّ عن هذا المسار إلاّ مرّتين في حياته، مرّة خرج فيها ليقتني كتاب «إيميل» لروسو، ومرّة أخرى خرج ليتنسّم أخبار الثّورة الفرنسيّة الّتي اندلعت وذاع أمرها في كامل أوروبا.

المتسكِّعون
ويبدو أنّ نزهة كانط اليوميّة في حدائق كونيغسبارغ قد خلّفت نوعا جديدا من المتنزّهين هو أنموذج المتسكّع Le flâneur في شوارع المدينة الحديثة. هذا الأنموذج الّذي ابتعد كثيراً عن طراز المتنزّه الوقور قد برع والتر بنيامين في وصفه وجعله شخصيّة شهيرة في كتاباته الباريسيّة. فقد رصد ملامحها وحلّلها بعمق، وهو يعيد قراءة أشعار شارل بودلير في «أزهار الشّرّ»، وفي قصائد «لوحات باريسيّة»، و«سأم باريس Spleen de Paris»، وفي مقالاته في كتاب «رسّام الحياة الحديثة». يقول في مقالته الشّهيرة «باريس عاصمة القرن التّاسع عشر» ما يلي: «ولأوّل مرّة تصبح باريس عند بودلير موضوع شعر غنائيّ. فهذا الشّعر المحلّيّ هو بخلاف شعر الأرض. فالنّظرة الّتي يسلّطها العبقريّ الأليغوريّ على المدينة تفضح في الحقيقة إحساساً عميقاً بالاستلاب. إنّها نظرة متسكّع يواري، بنمط حياته، خلف سراب خُلّبٍ، ضيق أناس المستقبل بعواصمنا. يبحث المتسكّع عن ملاذ بين الحشود. فهي حجابه الّذي من خلاله تنقلب المدينة الأليفة عنده إلى مشهد استيهاميّ. لكأنّ هذه الاستيهاميّة قد ألهمت، أينما ظهرت، تارة كمشهد طبيعيّ وطورا كغرفة، فيما بعد، ديكورَ المغازات الكبرى الّتي جعلت التّسكّع ذاته في خدمة رصيدها التّجاريّ. ومهما يكن الأمر تظلّ المغازات الكبرى معاقل التّسكّع الأخيرة». ويضيف والتر بنيامين بعد ذلك هذه الملاحظة: «ويوافق (أي المتسكّع) موقعه الاقتصادي غير المحدّد غموض وظيفته السّياسيّة. وهي تتجلّى بكلّ بداهة في صور المتآمرين المحترفين، من الّذين يتعاطون البوهيميّة». (كتابات فرنسيّة، 390).
يستحضر بنيامين في هذه الصّياغة المعتصرة لشخصيّة المتسكّع ثلاثة عناصر، تمثّل في الآن نفسه شروط وجودها، هي: المدينة والحشود والرّأسماليّة. فتجربة المتسكّع هي تجربة المشي، ولكنّها تجربة بعيدة كلّ البعد عن تجربة نيتشه في أعالي الجبال، أو تجربة المشي عند ثورو في الغابات. ذلك أنّ المشي في شوارع المدينة، ذا الإيقاع المشوّش المتقطّع، يمثّل لعاشق السَّيْر في الطّبيعة، في سباق المسافات الطّويلة، عذاباً أليماً، إلاّ أنّه بخلاف الفضوليّ السّاذج الّذي تسحره واجهات المغازات وأضواؤها يعشق المتسكّع الفسحة في شوارع المدينة وأزقّتها. ففي كلّ حيّ وضاحية عوالم مختلفة، تتغيّر فيها هندسة المباني، والألوان والأجواء، وطرائق العيش، والمخاطر والمفاجآت، وحتّى الهواء الّذي نتنفّسه. تصبح المدينة في عيني المتسكّع مشهدا قد انفلت من الطّبيعة. ولكنّه لا يشعر بنفسه إلاّ وهو في غمار الحشود النّكرة. فأفرادها جميعا يمثّلون هذه الحضارة الجديدة، لا يعرفون بعضهم بعضاً؛ لأنّ فرص التّعارف قليلة. فالقاعدة السّارية المفعول هي أنّ كلّ الهويّات مجهولة. فإذا حدث التّعارف كانت الصّدمة؛ لأنّ قواعد التّلاقي قد ألغيت تماماً، إذ يستحيل في عالم الحشود أن تلقي التّحيّة، أو أن تقف قليلا وتتبادل مع الآخرين بعض الكلمات. في هذا العالم الّذي يفقد الأفراد فيه وجوههم لأنّها وجوه مجهولة، ظهرت شخصيّة المتسكّع. إنّه العالم الرّأسماليّ الّذي يعتبره بنيامين عالم السّلع... عالم مافتئ يبسط قوانينه وأسلوب وجوده على عوالم أخرى خارج البضائع المصنّعة، كعالم الآثار الفنّيّة والبشر، حيث يصبح كلّ شيء موضوعاً للاستهلاك والبيع والشّراء في أسواق العرض والطّلب العظيمة. فالعالم الرّأسمالي في نظر بنيامين كعالم البغاء، كلّ شيء فيه يباع ويشترى بما في ذلك أنفسنا وأجسادنا.
ولأمر مّا كان الشّعراء سبّاقين في اكتشاف روح المدن الجديدة ومخاطرها، من بودلير ومن جاء بعده. فقد كان أنموذج المتسكّع ماثلاً في أشعارهم في صور شتّى بوصفها صوراً من الاستلاب والتّشيُّؤ، إلاّ أنّ الثّورة على هذا الأنموذج نجدها عند بعض كتّاب الرّواية من أمثال جاك كارواك Jack Kerouac وويليام بوراوز William. S Burroughs وألان غينزبيرغ Allen Ginsberg، وهي أسماء كوّنت الحلقة الّتي ظهرت لأوّل مرّة سنة 1948 باسم «Beat Generation»، (حرفيّا «الجيل المرهق»، أو «الجيل المحطّم»). فما الّذي يجمع بين هؤلاء الكتّاب؟ لا شيء سوى ليالي السّهر الطّويلة دون نوم، والخمر والمخدّرات، والجنس بشتّى أشكاله، والهذيان الشّعري، وموسيقى الجاز بوب، والتّسكّع دون أموالٍ في رحاب الولايات المتّحدة، من نيويورك إلى سان فرانسيسكو، ومن دانفر إلى نيو أورليان، ومنها إلى مكسيكو، والعيش الجماعي أو البحث الفردي المتاخم للجنون والحكمة، أو الثّورة الرّوحيّة المتصوّفة... تلك هي سمات هذا الجيل الّذي تحدّى بنمط حياته المجنون أميركا المحافظة. يقول كارواك في روايته «متشرّدو السّماء»: «لقد قرأت ويتمان Whitman، وهل تدرون ماذا يقول؟ انهضوا أيّها العبيد، وليرتعد الطّغاة الغرباء». [...] فهو يعتقد أنّه ينبغي أن نتخيّل العالم على شاكلة موعد ضُرب للتّائهين الّذين يسيرون قُدماً وحقائبهم على ظهورهم، أو لمتشرّدي السّماء الّذين يرفضون أن يُكرهوا على استهلاك كلّ ما يُنتج، وعلى العمل حتّى يتمكّنوا من الاستهلاك، واقتناء كلّ هذه الخردوات العديمة الفائدة من ثلاّجات وتلفزات وسيّارات وكلّ أنواع النّفايات [...] آلاف وملايين من الشّبّان الأمريكيّين سيحزمون أمتعتهم ويضربون في الأرض».

غاندي.. مشّاء الحريّة
ولكن إذا كان المشي تيهاً وتشرّداً «في الطّريق» هو أسلوب شباب «الجيل المحطّم» للتّمرّد على حضارة الكيتش الرّأسماليّة، فإنّ فنّ المشي الجماعيّ في مسيرات حاشدة قد كان أسلوب غاندي في المقاومة السّلميّة للتّحرّر من الوصاية الإنجليزيّة. ففي مطلع سنة 1930 قرّر غاندي من جديد مقاطعة الإمبراطوريّة البريطانيّة اقتصاديّا، ولكنّه كان يجهل من أين يبدأ ولا كيف يُعلن تمرّده على نحو هادئ مسالم شامل. وقد أعرب عن قلقه ذاك لصديقه الشّاعر طاغور قائلاً: «لا أرى بصيصا من نور في الظّلمات الّتي تحيط بي». غير أنّ قلقه لم يطل كثيراً، فقد كلّمه «الصّوت الصّغير»، هكذا كان يسمّي إلهامه، أن «سر، سر حتّى البحر، وهنالك اجمع الملح». يومها قرّر غادي تنظيم «ساتياغراها» جديدة (أي حركة جماعيّة تنبذ العنف)، سرعان ما عرفت بـ«مسيرة الملح». وقد كانت الغاية منها إلغاء ضريبة الملح الّتي فرضها الإنجليز الّذين كانوا يحتكرون جمع الملح وبيعه للهنود. وقد أدينت هذه الضّريبة بوساطة مسيرة هائلة انطلقت من «أشرم سابرماتي» ashram Sabarmati، مقرّ إقامة غاندي، إلى ملاّحات داندي Dandi على ضفاف البحر، قريباً من جالابور.
لقد ظلّ غاندي يسير ويسير إلى أن تحقّق حلمه: حرّيّة الهند. كان يستيقظ كلّ صباح على السّاعة الرّابعة ليقرأ ويكتب، ثمّ يغزل القطن، وبعد ذلك يصلّي مع ذويه، ويقرأ النّصوص الهندوسيّة والإسلاميّة المقدّسة معا مبيّنا اتّفاقهما على السّلام، ثمّ يسير مشيا وهو يتغنّى بأبيات طاغور الرّهيبة: «سر وحيداً، إن لم يستجيبوا لندائك، /‏ سر وحيداً إن خافوا والتفتوا فزعاً إلى الحائط...».
ومهما يكن نوع المشي في الغابات أم في شعاب الجبال، في شوارع المدينة أم في قرى الملح... تظلّ الأمكنة المختلفة صوراً متنوّعة من الكوجيتو المشّاء تشهد على أنّ سلالة المشّائين العظام كانوا يؤسّسون بتجارب مشيهم المختلفة إيطيقا جديدة تستمدّ حكمتها من حرارة الحياة وتقلّبها.

مغامرة وجوديّة
تجربة التّجوال عند شاعر مثل دافيد هنري ثورو Thoreau، وكانت تدوم ثلاث أو خمس ساعات كلّ يوم في غابات دو ماين de Maine بالكيبيك Québec، أو في نيو هامبشاير New Hampshire، أصبحت عنده بحثاً عن سبيل نخوض فيه بعمق مغامرة الوجود على نحو لا يمكن فيه لغيرنا أن يحلّ محلّنا. فإذا كان يمكن تعويضنا في العمل بشخص أو بآخر، فإنّه من المستحيل أن يكون في مكاننا عندما نمشي. وهذا هو المقياس الأوّل الّذي يمكن أن نحدّد به الكوجيتو المشّاء. أَوَلَمْ يَقُل ثورو في بعض يوميّاته: «إن لم أكن أنا، فمن يكون في مكاني؟»، وبعبارة أخرى: إن لم أكن أنا الّذي يمشي فمن ذا الّذي يفكّر في مكاني؟

متسكّعو الثقافة
الشّعراء كانوا سبّاقين في اكتشاف روح المدن الجديدة ومخاطرها من بودلير ومن جاء بعده. فقد كان أنموذج المتسكّع ماثلاً في أشعارهم في صور شتّى بوصفها صوراً من الاستلاب والتّشيُّؤ، إلاّ أنّ الثّورة على هذا الأنموذج نجدها عند بعض كتّاب الرّواية من أمثال جاك كارواك Jack Kerouac وويليام بوراوز William. S Burroughs وألان غينزبيرغ Allen Ginsberg، وهي أسماء كوّنت الحلقة الّتي ظهرت لأوّل مرّة سنة 1948 باسم «Beat Generation»، (حرفيّا «الجيل المرهق»، أو «الجيل المحطّم»). فما الّذي يجمع بين هؤلاء الكتّاب؟ لا شيء سوى ليالي السّهر الطّويلة دون نوم، والخمر والمخدّرات، والجنس بشتّى أشكاله، والهذيان الشّعري، وموسيقى الجاز بوب، والتّسكّع دون أموالٍ في رحاب الولايات المتّحدة، من نيويورك إلى سان فرانسيسكو، ومن دانفر إلى نيو أورليان، ومنها إلى مكسيكو، والعيش الجماعي أو البحث الفردي المتاخم للجنون والحكمة، أو الثّورة الرّوحيّة المتصوّفة... تلك هي سمات هذا الجيل الّذي تحدّى بنمط حياته المجنون أميركا المحافظة.