صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

قطر وإسرائيل.. «يد واحدة» ضد العرب

أحمد مراد (القاهرة)

على مدى الـ 20 عاماً الماضية، اعتاد النظام الحاكم في قطر على الترويج لأكذوبة مساندته للقضية الفلسطينية، والتنديد بممارسات إسرائيل العدوانية ضد أبناء الشعب الفلسطيني، وفي الحقيقة كان يخفي وراء هذه الشعارات الزائفة علاقات مشبوهة سياسية واقتصادية ودبلوماسية جمعته مع الكيان الصهيوني على حساب المصالح والحقوق العربية بصفة عامة والفلسطينية بصفة خاصة.

وفي سطور التقرير التالي ترصد «الاتحاد» بعض ملامح التعاون الإسرائيلي القطري في مختلف المجالات:

بعد عام واحد فقط من وصول أمير قطر السابق حمد بن خليفة إلى سدة الحكم في قطر عبر انقلاب ناعم على والده، بدأت حلقات وفصول مسلسل التطبيع القطري مع الكيان الصهيوني، حيث استضافت العاصمة القطرية رئيس الحكومة الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز عام 1996، وخلال هذه الزيارة افتتح بيريز المكتب التجاري الإسرائيلي في الدوحة، وكان رئيس المكتب يحصل على رتبة سفير في وزارة الخارجية الإسرائيلية، ومن خلال هذا المكتب تم التوقيع على اتفاقية لبيع الغاز القطري إلى إسرائيل، وإنشاء بورصة الغاز القطرية في تل أبيب.

ويذكر أنه في الفترة التي أعقبت أحداث 25 يناير في مصر، توقفت إمدادات الغاز الطبيعي المصري إلى إسرائيل من خلال خط الأنابيب الواقع في سيناء بعد أن قام مجهولون بتفجيره مرات عديدة، حينها قامت السلطات القطرية بعملية إسعاف سريعة لإسرائيل من خلال ضخ الغاز الطبيعي لها عوضاً عن توقف الغاز المصري.

وسبق أن أكدت قطر على لسان وزير التجارة والصناعة استعدادها لتزويد إسرائيل بالغاز وبأسعار مخفضة، وقد جاء ذلك خلال اتصال هاتفي أجراه وزير الصناعة والتجارة القطري بنظيره الإسرائيلي، وأعرب الوزير الإسرائيلي عن امتنانه الشديد لدولة قطر.

ولم تكتف الدوحة بتعزيز علاقاتها مع تل أبيب في قطاع الغاز، حيث أعلنت وبشكل صحيح عن رغبتها في إقامة علاقات تعاون واسع النطاق مع الجانب الإسرائيلي، بحيث يشمل مختلف الجوانب التجارية والاقتصادية، وذلك من خلال معاهدة التجارة الحرة «الجات».

وإلى جانب العلاقات العلانية التي جمعت بين قطر وإسرائيل، كانت هناك علاقات ولقاءات سرية ربطت بين الجانبين، وهي العلاقات واللقاءات التي تم تسريبها من قبل بعض وسائل الإعلام العربية والإعلامية، ومن أبرز هذه اللقاءات السرية، اللقاء الذي جمع بين رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مع رئيس الوزراء القطري الأسبق حمد بن جاسم في باريس.

وكانت إحدى الوثائق المسربة والتي نشرها موقع ويكيليكس قد كشفت عن أن رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الأسبق حمد بن جاسم أطلع الجانب الإسرائيلي بأن الدوحة تتبنى خطة لضرب استقرار مصر بعنف، وذلك من خلال التلاعب بمشاعر المصريين لإحداث الفوضى عن طريق قناة الجزيرة باعتبارها عنصراً محورياً في الخطة، وجاء هذا الأمر خلال لقاء سري جمع بين بن جاسم ومسؤول إسرائيلي.

وفي إطار التعاون الوثيق بين الدوحة وتل أبيب، قامت شركة الخطوط الجوية القطرية بنقل 60 يهودياً من اليمن إلى إسرائيل عبر الدوحة، وجاءت هذه العملية في إطار خطة قطرية ـ إسرائيلية لنقل ما تبقى من اليهود في اليمن إلى إسرائيل، وقدرت بعض الإحصائيات عددهم بـ400 فرد.

وكان الكثيرون من المسؤولين الإسرائيليين قد اعترفوا بقوة العلاقات التي تجمع بلادهم بقطر، ومن هؤلاء «ليئور بن دور» المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإسرائيلية، والذي سبق أن اعترف بوجود تعاون إعلامي بين إسرائيل وقطر، حيث اعتادت قناة الجزيرة القطرية على استضافة «ليئور» وبعض الدبلوماسيين الإسرائيليين عبر شاشاتها، وفي المقابل قدمت وزارة الخارجية الإسرائيلية كل الخدمات والتسهيلات التي ترغب فيها القناة أو فريق مراسليها في تل أبيب.

وفي أحد التصريحات الإعلامية، كشف «ليئور بن دور» عن أن هناك مسؤولين إسرائيليين يسافرون إلى الدوحة لحضور عدد من المؤتمرات، فضلاً عن وجود رجال أعمال إسرائيليين يسافرون للدوحة لإبرام صفقات تجارية ضخمة.

أما وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة «تسيبي ليفني» فقد سبق أن كشفت في لقاء لها مع القناة الإسرائيلية الأولى عن تمويل الدوحة للحملة الانتخابية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وبلغت قيمة هذا التمويل 3 ملايين دولار.

الأمر نفسه، يؤكد عليه الدبلوماسي الإسرائيلي «سامي ريفيل»، وهو أول رئيس لمكتب تمثيل المصالح الإسرائيلية في الدوحة، والذي أقام في الدوحة لمدة 3 أعوام بداية من 1996 وحتى 1999، وقد ألف كتاباً أسماه «قطر وإسرائيل.. ملف العلاقات السرية»، وفي هذا الكتاب يقول «ريفيل»: كان من الصعوبة بمكان ترتيب العلاقات القطرية الإسرائيلية لولا حكومة قطر التي ذللت كل الصعاب، حيث حصلنا على تسهيلات كثيرة من مسؤولين قطريين كبار وشركات قطرية كبرى.

وأكد «ريفيل» أن الشيء الرئيس لعلو شأن دولة قطر يعود إلى الدور الذي تلعبه كجسر معلق بينها وبين إسرائيل، مشيراً إلى الدور الذي لعبته قطر في دعوة الكثير من الدول العربية على فتح العلاقات تجاه الدولة الإسرائيلية تحت مسميات تجارية علنية وسرية، موضحاً في الوقت نفسه أن هناك رابطاً وثيقاً بين صعود الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير قطر السابق، إلى سدة الحكم بعد انقلابه على والده، وبين تسريع نمو العلاقات بين قطر وإسرائيل.

وفي كتابه المثير للجدل، كشف «ريفيل» عن اتفاق قطري إسرائيلي لإقامة مزرعة حديثة تضم مصنعاً لإنتاج الألبان والأجبان اعتماداً على أبحاث علمية تم تطويرها في مزارع إسرائيلية، والتي تسودها ظروف مناخية مشابهة لتلك الموجودة في قطر، موضحاً أن الاهتمام القطري بهذا المشروع كان كبيراً، بسبب الرغبة في زيادة إنتاج وأرباح المزارع القطرية، ولأسباب تتعلق بزيادة الإنتاج الوطني، من أجل منافسة منتجات المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، التي تغرق أرفف محلات السوبر ماركت في قطر، وبعد الحصول على الضوء الأخضر المطلوب، قام خبراء إسرائيليون بزيارة قطر، والتقوا رجال أعمال هناك، وتبادلوا معهم المقترحات، التي ضمت جداول زمنية لتنفيذ المشروع، ولكن بعد مرور عدة أشهر توقف المشروع بسبب الأحداث السياسية التي شهدتها المنطقة العربية.

وتعليقاً على العلاقات المشبوهة التي جمعت بين قطر وإسرائيل، أوضح الباحث والمحلل، بلال الدوي، مدير مركز الخليج للدراسات، ومؤلف كتاب «قطر.. إسرائيل الصغرى ورأس الأفعى»، أن العلاقات الخفية بين قطر وإسرائيل بدأت منذ قدوم حمد بن خليفة إلى قمة الحكم في قطر بعد انقلابه على والده عام 1995، وكان من ثمار هذه العلاقات الخفية بين الدوحة وتل أبيب أن نشأت علاقات صداقة بين الشيخة موزة زوجة حمد بن خليفة وبين تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة.

وأكد الدوي أن العلاقات بين قطر وإسرائيل توطدت أكثر عن طريق الصداقة التي نشأت بين حمد بن خليفة وحمد بن جاسم وزير الخارجية ورئيس الوزراء القطري السابق وبين شيمون بيريز رئيس إسرائيل الأسبق، وأدت هذه العلاقات إلى إتمام اتفاق بمقتضاه تم فتح مكتب للتمثيل التجاري الإسرائيلي في قطر في عام 1996، وظل المكتب قائماً إلى أن تم غلقه صورياً عام 2009، وكان يتولى رئاسته «إيلي أفيدار» المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إريل شارون، والذي اعتاد التأكيد على أن قطر تجعل نفسها في خدمة كل المخططات الإسرائيلية، ويضاف إلى ذلك الزيارات المتبادلة بين شيمون بيريز الذي زار قطر كثيراً، وبين كل أفراد الأسرة الحاكمة في قطر، بداية من حمد وزوجته موزة وأولادهما وحمد بن جاسم. وفي السياق ذاته، لفت د. أحمد فؤاد أنور، أستاذ اللغة العبرية والفكر الصهيوني بجامعة الإسكندرية، إلى أوجه الدعم الذي قدمته قناة الجزيرة القطرية لإسرائيل من خلال استضافتها أكثر من مرة للمتطرف الإسرائيلي «مردخاى كيدار» المروج الأول ليهودية القدس، و«أفيخاي أدرعي» المتحدث باسم جيش الاحتلال، وعدد من جنرالات الجيش الإسرائيلي، بل ووفرت لرئيس الوزراء الإسرائيلي «نتنياهو» مرتين في 2009 و2016 منصة دعائية مطولة تجاوزت 25 دقيقة، وهي فرصة لم يكن يحلم بأن ينالها بتلك الأريحية والكرم، وتمت إذاعة كلمته كاملة على الهواء دون تعقيب من قبل الجزيرة.