إبراهيم الملا

يضفي «فن أبوظبي 2018» طابعاً توافقياً على الصيغة المتباينة ضمنياً بين المجرّد والملموس، وبين الوعي الفردي في مستوياته النقيّة والمشبعة بالتأمّل، وبين الفضاء الإنساني المعني بالتعايش والتسامح والاندماج الحرّ، لاعتبارات تتعلق بالجنوح البشري الفطري نحو الفن وتوقيره.
ولعل في المسافة الافتراضية بين الذات والآخر يكمن ما نستطيع وصفه بالقابلية المرنة للحوار الثري بين مرجعيات متباعدة، والتوليف بعدذلك بين الفكرة والاشتغال، وبين التطلّع والإنجاز، من أجل تحقيق حدث ثقافي مهم يتجسد اليوم في ما تقدمه دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي من إسهامات مضيئة للمزج بين التوق للأصالة في مستوياتها النوستالجية والإشراقية، وبين الانجذاب للمعاصرة في أفقها العالمي والكوزموبوليتي، وتحويل الفن بالتالي إلى طاقة إيجابية تشعّ في الكينونة الخاصة للفرد، وتمتد نحو الوعي الجمعي في المكان، وهو هدف لا يتأتّى من حماسة عابرة أو قرار عشوائي، بل من رؤية تحكمها استراتيجية وقّادة ومتمتعة ببصيرة نافذة، باتت تنتبه لها المؤسسات الثقافية الكبرى في الإمارات، وتضعها على سلّم أولوياتها، استراتيجية يؤكدها محمد خليفة المبارك -رئيس دائرة الثقافة والسياحة بأبوظبي- عندما يشير إلى أنه في السنوات العشر الماضية تمكّن «فن أبوظبي» من تقديم الدعم للمشهد الفني في أبوظبي، والذي شهد نمواً ملحوظاً ونشطاً مع وضوح المدارس الفنية والممارسات المرتبطة بها، من خلال مناقشة القضايا المجتمعية بجرأة،مع الانفتاح على الاتجاهات الفنية العالمية، وتوظيف مختلف تأثيرات الثقافة الكونية لتصب في صالح نهضة فنية لا يمكن إغفالها.

المنحوتة الحركية للفنان جان تينغلي بعنوان «من أجل ليون» (من المصدر)

رؤية استشرافية
هذه النهضة الفنية التي عبّر عنها محمد خليفة المبارك، رأينا بوادرها الحيّة، وأثرها الديناميكي متحققاً في أروقة وردهات وصالات منارة السعديات التي استضافت فعاليات الدورة العاشرة لـ «فن أبوظبي» قبل أيام، وسط كرنفال بصري تعانقت فيه التجارب والرؤى والانشغالات الفنية مع تدفّق ذهني هادر للأسئلة الفلسفية والهواجس المستقبلية النابعة من الجذر القديم لنشأة الفن، والمنسابة اليوم نحو وقائع لحظية تنطوي إشاراتها على تنبؤات وانتباهات وانكشافات، ينقلها الفنان إلى أرض خيالاته من خلال صيغ وأنماط تعبيرية مدهشة، وحافلة بالابتكار والتنوّع على مستوى المواد المستخدمة، وعلى مستوى التنفيذ المتمثّل في اللوحة، والخط، والمنحوتة، والأعمال التركيبية المتجاوزة للنمط التقليدي عند توصيف العلاقة بين عين المتفرج وبين العمل الفني، وصولاً إلى خلق الحس الجمالي والأثر المعرفي والنسق الجدلي المنبثق من هذه العلاقة، ومن فيوضاتها وتجليّاتها.
هذا الطموح أكملته دائرة الثقافة والسياحة بأبوظبي في الدورة العاشرة من «فن أبوظبي» بنقل عدد من الأعمال الفنية إلى الشارع والمرافق العامة ومحطات النقل والأماكن التاريخية وحول المدن، ليس فقط من منطلق بثّ الجمال -كما يؤكّد على ذلك محمد المبارك- بل أيضاً من منطلق تحويل المألوف إلى عمل فني يتفاعل معه الجميع.
ومن ذات الرؤية الاستشرافية والتفاعلية ينظر سيف سعيد غباش -وكيل دائرة الثقافة والسياحة بأبوظبي- إلى الدورة العاشرة من «فن أبوظبي» كتأسيس وانطلاق نحو التعبير عن الرؤى الخاصة ذات المغزى العميق، بعد مجابهة العديد من التحديات التنظيمية، مثل التوجه نحو المعاصرة، باعتبارها منفذاً للتعاطي مع أفكار الجيل الجديد من الفنانين، وبالتوافق مع رغبة مقتني الأعمال الفنية، وميل الغاليريات لعرض نتاجات فناني الحداثة وما بعد الحداثة، وهي نتاجات باتت تستقطب اهتمام عدد كبير من المواكبين للتحولات المرصودة والبارزة في عالم الفن التشكيلي المعاصر.
يقول غباش: «لا يمكن إغفال النضج الذي وصل إليه حدث بحجم «فن أبوظبي» الذي احتضن في ردهاته الفنانين المخضرمين، مع أعمالهم وتجاربهم المذهلة، والتي ألهمت الآخرين وأضافت خبرات جديدة للفنانين الناشئين».
مضيئاً بالتالي على نقطة مهمة وهي أعمال التكليف التي يتبناهاالمعرض ويدفعها إلى النور، حيث شهدت الأعمال المعروضة في الدورة العاشرة من «فن أبوظبي» تمازجاً فريداً يجمع البصري بالفكري والفلسفي والتأملي في مكان واحد، وكلها تطرح حواراً غنياً يثري المشهد العام.

جانب من الأعمال التي استضافها «فن أبوظبي 2018» (تصوير جاك جبور))

تنوع تنظيمي
ومن منطلق هذا التوجه المخطط له جيداً لتفعيل أهداف وتطلعات المعرض، يمكن الإشارة إلى النتائج التنظيمية المحققة لروحيّة هذا التوجّه، ولقيمته الثقافية أيضاً، حيث استضاف «فن أبوظبي» في دورته العاشرة 43 صالة فنية معروفة وناشئة من 17 دولة حول العالم تقدم مجموعة متنوعة من الفنانين العالميين المخضرمين والشباب على حد سواء، وضم المعرض عدة أقسام مثل: «فضاءات جديدة: أيقونات» والذي يسلّط الضوء على الأسماء التي تركت بصمة مميزة على الفن المعاصر على مدى العقود الخمسة الماضية، وكذلك على الفنانين الذين مهدوا لظهور بوادر فنية شكلّت تيارات مهمة وأثّرت في الأجيال الجديدة من الفنانين باختلاف أساليبهم وممارساتهم الفنية.
ويدعم التنوع التنظيمي للمعرض وجود برامج عديدة للمشاركة المجتمعية يتضمن أعمالاً تركيبية، وعرضاً احتفائياً بالمشاريع الفردية،وحوارات متبادلة، وورشاً تخصصية، بجانب أقسام أخرى اهتمّت بالعناوين المكثفة للتعبير الفني وطرائق تجسيده مثل قسم «آفاق» المعني بتكليف الفنانين، وكذلك تطوير أعمال الفنانين الشباب، وفي قسم «تكوين» تم تقديم الأعمال الفنية كهياكل تتراكم من خلالها معاني كل عمل، أما برنامج «حوارات 2018» فاهتم بمواضيع التقييم المادي للأعمال الفنية، مثل: تداول الفنون، والنظام المالي والاقتصادي للسوق الفنية الحديثة من وجهة نظر محلية وعالمية، وفي برنامج «دروب الطوايا» خصص «فن أبوظبي» مساحة وافية لعروض الأداء في مواقع معروفة بمدينة أبوظبي، واستقطبت هذه العروض الحيّة جمهوراً كبيراً تفاعل مع المعزوفات الموسيقية، والأنماط التكنولوجية للفن، واستكشاف المدن المستقبلية، والتعرّف على إصدارات وكتب تتناول التجارب الفنية الحديثة.

الأعمال المعاصرة تميزت بالخروج على النمط الثابت للعمل الفني (من المصدر)

كسر النمط
كشفت الأعمال الفنية المعاصرة في «فن أبوظبي 2018» عن الرغبة الملحة في النفاذ إلى الأبعاد اللامرئية للعالم الافتراضي، لتعبّر عن قابلية متاحة للفنان كي يخرج عن النمط «الإستاتيكي»، وصولاً لكسر البعد الثاني في اللوحة، وتحطيم البعد الثالث في المنحوتة، هذا الخروج المختزن لاستلهامات مضمرة من الاحتجاج والتعبير الخشن -إذا صح الوصف- يتغذى على تداعيات حرّة تجمع بين الصدفة والقصد، وبين المتاح والمُفتَقَد، وهي تداعيات تضع الوحشي والطليق في مواجهة مع الذاكرة الإنسانية البدائية، وتقحم التقني والصارم والمروّض في المخيال المستقبلي.
ساهم التداعي الحر لمعظم الفنانين المشاركين بالحدث في خلق «موتيفات» غرائبية، تتقاطع مع الاشتغال التقليدي بين عين الفنان وتخطيطاته الأوليّة، وبين يده المبذولة لصناعة وتشييد العمل الفني، ما يدفعه في هذه الحالة الممزقة بين ضدّين إلى «ارتكاب» الفن بمعناه العاري والمنفلت عن كل اصطلاح ومذهب وأسلوب واضح ومحدّد بعينه، لذلك سنرى في هذه الأعمال ما هو نكّار للمرجعية الفنية الصلبة، وما هو مخادع للذائقة الشائعة، وسيكون التعبير فاضحاً ومعلناً ومكشوفاً إلى آخر مدى يمكن أن يصل إليه هذا التعبير، لن تكون هناك شروط، ولن تكون هناك قاعدة، سوى قاعدة الإنصات لضجة الحواسّ، وشرط التماهي مع القلق الفني، مع لحظة التوتر القصوى بالأحرى، التي تعيد إنتاج التأمل على أرضية جديدة، ولكنها مشوهة بالكامل، كي نعيد بناءها ذهنياً على الأقل، في واقع مشحون بالأزمات والحروب والخوف من المستقبل.
ستكون الخربشات اللحظية في هذه الأعمال الملغزة، وفي هذه النصُب التركيبية المبهمة، هي القاعدة الذهبية لتفتيت القيم المتعالية للفن. لأنها ستكون عرضة للنبش والاختراق والهدم المعنوي، ومرتعاً خصباً لترويع الكبت والانتصار على وهم الزخرفة والتزيين ونسخ الطبيعة في قوالب فوتوغرافية جامدة.

موت الوحش المقدس
في غاليري «أجيال» الذي تأسس العام 1990 ببيروت، والذي يستضيفه معرض «فن أبوظبي» ضمن أقسام الفن الحديث والمعاصر، نرى عملاً للفنانة هبة كلش بعنوان «موت الوحش المقدّس» تتضاءل فيه الخطوط العامة وتترقّق وتذوي مثل عيدان الخشب السوداء والمحترقة، ثم سرعان ما يتوسع المشهد على ألوان حارّة تجمع بين الأخضر والبنفسجي والأصفر، فيما يشبه سرداً لحكاية ملحمية تتناثر في غابة من السديم، أو كأنها ورود محوطة بالنار، وتقاوم الهشيم، هروباً من مصير الأعواد الداكنة المحيطة بها. ولعل في عنوان اللوحة إشارة مسدّدة باتجاه أسطورة الغزال المقدس في الميثولوجيا الإغريقية، والذي يتحول فيها الغزال من رمز للوداعة والطمأنينة، إلى وحش غير مروّض ومصاب في ذات الوقت بلعنة الألوان المتحولة بين يدي الفنانة إلى ثنائيات متضادة، تجمع بين الرهافة والشراسة، وبين الثبات والاختلال، وصولاً إلى مرحلة التشظي الكبير في النقطة التي لا يمكن تعيينها، بحيث يصبح العمل بأكمله منذوراً للخواء الأكثر عمقاً وللفراغ الأكثر زهواً، مقارنة بالشكل المجسّم والمصمت والقابع على هامش المعنى وعلى حافة الحلم، ذلك أن استحضار الحلم أحياناً، قد يكون استدراجاً لكوابيس كامنة في لاوعينا.

شعرية الحزن
وفي عمل بعنوان «زيتون» وهو من مقتنيات غاليري جورجيو بيرسانو في إيطاليا، نرى الاشتغال المرهف للفنان البرتغالي جولياو سارمينتو على الشعرية المندلعة من أقاصي الحزن، حيث تمتد الأغصان الداكنة لشجرة الزيتون في مشهدية الليل ذاته، الليل المنهمر بكامل ثقله في اللوحة، وكأنه يستنطق طيفاً هائماً في الظلمات، ومنسكباً بلونه الأخضر الشفّاف في التفاصيل المنسية للشجرة، يتشكّل في اللوحة أيضاً هذا النفس الغابَوي الطليق، حيث لا حدود تقف أمام النشوة الضارية للتأمل، عندما يستحيل كل واضح إلى وهم، وكل انتباه إلى شرود، يتسيّد الأخضر الباهت كامل مساحة اللوحة، ولكن عروق الشجرة تخترق مسام وعينا بهذا اللون تحديداً، وكأننا أمام لعبة تبادل أدوار بين الظل الحاضر والضوء الغائب، أو بين الكآبة المزهرةوالفرح المنتهك، تعمل الأضداد هنا في حقل بصري يأخذنا إلى خديعة آسرة، ربما لأن عنوان اللوحة ذاته مخادع، ولكنه يجعلنا في الوقت نفسه مأسورين بسطوته وسحره، رغم المناخ السوداوي المحيط به.

التبدد والالتحام
وعندما نقف أمام لوحة «اللقاء الأبيض» للفنانة الإيطالية ميمونة غوريسي، وهي لوحة منتقاة من مجموعة غاليري أوفيسين ديلا – إيماجن في مدينة نابولي الإيطالية، نجد أنفسنا محاصرين بانطباعات محتشدة، يفرضها النسق الغرائبي للوحة، ففي الجانب الأيمن ثمة حصان يقف على طاولة بيضاء، وفي الجانب الأيسر نرى راهبة في ثوبها الأبيض وهي منهمكة في قراء كتاب غلافه أبيض أيضاً، تتشوش العلاقة البصرية هنا بين الحقيقي والمتخيّل، ويصبح الجزم بواقعية ما نراه ضرباً من العبث، قد يفسّر هذا اللقاء الأبيض بين كائنين متغايرين وجود خط أبيض يفصل بينهما وتضعه الفنانة قصداً، لتجعل الواقع مزدوجاً هو الآخر، لأن ما يمكن الرهان عليه أحياناً في الحياة، قد يصبح هو أصل كل خسارة ومصدر كل لبس وبهتان.
تنتمي الفنانة ميمونة غوريسي (مواليد 1951) لعائلة إيطالية كاثوليكية وهي سنغالية الأصل، لكنها اعتنقت الإسلام في العام 1991 بعد اطلاعها على الاتجاه الصوفي المشبع بالروحانيات والطقوس البعيدة عن الأفكار المغلقة والمتزمتة، وهو الاتجاه الذي وظفته في أعمالها اللاحقة الموزعة على حقول وأساليب فنية استخدمت فيها الوسائط المتعددة مثل الفيديو آرت والأعمال التركيبية والتصوير، وهي تمزج في أعمالها بين رصد أحوال المتصوفة وبين الثقافة الأفريقية العريقة، حيث تتداخل إمكانات التبدّد مع إمكانات الالتحام، مع نزوع خاص في أعمالها للتحرر من الغرائز الأرضية ومن ثنائية الزمان والمكان، للوصول إلى مدارات وفضاءات لانهائية، تذوب فيها الحدود والفواصل والأعراق والأجناس والأديان، لتتحد جميعاً في مسار سماوي يتعلّى فوق كل فهم خاطئ للوجود، وفوق كل تفسير ملتبس لحياة مؤقتة ظاهرياً، لكنها تنطوي في الأصل على سلسلة أبدية متدفقة ومتصلة بالعالم الآخر.

«لسان» كاظم و«رسائل» السعدي
حضرت الأسماء الرائدة لفناني الإمارات في «فن أبوظبي 2018» مثل عبدالقادر الريّس، وعبدالرحيم سالم، ونجاة مكي، وكان في حضورها علامات دالّة على مسيرة طويلة وممتدة لتجارب تأسيسية اختارت أن تتمايز بأسلوبها الفردي، المناوئ لفكرة ثبات التجربة في منطقة أسلوبية متشابهة ومكررة، ومن هنا فإن وجود أعمال لافتة لهؤلاء الفنانين الرواد، منح الجيل التالي لهم مساحة خصبة من التجريب والبحث فيما وراء اللوحة والمنحوتة، وهذا الجيل الذي تأسس من خلال جماعة الخمسة وقادها الفنان الراحل حسن شريف، كان لها بصمة مؤثرة في المعرض، وبانت ملامحهابقوة في الأعمال التي قدمها اثنان من الفنانين المنتمين لجماعة الخمسة وهما: محمد كاظم، وعبدالله السعدي، حيث خصص المعرض بالتعاون مع جاليري إيزابيل فان دن إيندي مساحة احتفائية لأعمال محمد كاظم المفاهيمية، وسلط الضوء على إسهاماته المتعددة وتصوراته الرمزية والتجريدية التي ترجمها كاظم لعروض أداء تم توثيقها في سلسلة صور بعنوان «اللسان» لاكتشاف العلاقة الحسية والتذوقية مع مختلف المواد والأشكال المحيطة بنا كالأواني والأشياء المنزلية والأنابيب المفتوحة والجرار الفخارية، وهي صور تفتح مساراً لأسئلة جريئة وغير مطروقة سابقاً، وتجعل من التهكّم فعلاً احتجاجياً ضد الأنساق التقليدية والمتعالية للفن البورجوازي.
أما أعمال عبدالله السعدي المفاهيمية فكانت بمثابة تدوير لذاكرة فردية ظلت وما زالت على تماسّ حقيقي مع الفردوس المفقود للطفولة، يستحضر السعدي في المعرض رسائله المشفّرة لأمه، وانشغالاته الذاتية بالسفر والاكتشاف وولعه بالترحال مشياً على الأقدام أو بالدراجة الهوائية وسط الجبال المحيطة بمنطقته المعزولة والقابعة في عمق الوادي، كي يوثق المعاني والانطباعات التي يستقيها من إصغائه لنداءات غامضة، ومن انجذابه الكامل للكائنات غير المرئية، قدّم السعدي أيضاً نماذج معمذكراته ويومياته وتخطيطاته وخرائطه المتخيلة، وعبّر عن شغفه بالأبجديات الكبرى في العالم ونقلها يدوياً إلى دفتره الصغير، وكأنه يقول لنا: العالم خريطة فنية مذهلة، لقد جمعت ما يكفي من مؤونة ذهنية، وعدّة روحية، وعليّ الآن أن أرحل إلى مدن وبلدان لم تختبرها دهشتي بعد!

مبدعون جدد
من جانب آخر، كان للمشاريع الفردية التي أشرف عليها الفنان التشكيلي الإماراتي المخضرم محمد إبراهيم دور في ضخ المشهد التشكيلي في الإمارات بأسماء إبداعية جديدة ومبهجة من خلال برنامج: «آفاق: الفنانون الناشئون» وتمثلت في ثلاثة فنانين شباب هم: أحمد سعيد الظاهري، وظبية الرميثي، وتقوى النقبي، والذين خضعوا لورش معدّة خصيصاً للمشاركة في معرض «فن أبوظبي» كمبادرة سنوية لدعم الفنانين الناشئين وتطوير مهاراتهم. ويصف محمد إبراهيم –القيّم على المشروع- أعمال أحمد الظاهري بأنها توظّف الميثولوجيا المحلية، والذاكرة الشعبية الموصولة بمشاهد الطفولة ليقدم طرحاً فنياً بطريقته الخاصة المتوفرة على طابع فريد وجريء، مستخدماً الأدوات الحديثة كالهاتف المتحرك والصور الفوتوغرافية، والفيديو، والرسوم المتحركة في طرحه الذي لا يخلو من بصمته الخاصة، كما في أعماله الموصوفة بعنوان لافت هو: «السيدة اللبؤة في حدائق أحمد السريّة».
وعن أعمال الفنانة الشابة تقوى النقبي يقول محمد إبراهيم: إنها أعمال تتجه نحو المفاهيمية، رغم تعاملها مع التراث المحلي، لأنها تنظر للفن من زاوية معاصرة بعيداً عن النقل المباشر، مع فرادة في الطرح تتجلّى في التجريب لخلق اللغة البصرية الأمينة في مخاطبة عقل المشاهد، وهي توظف من خلال عمل لها بعنوان «غرفتي الأرشيفية» موروث الجدّة كمعالجة فنية مختلفة لمفهوم التراث، حيث تحول ملابس الجدة المزخرفة إلى ورق للرسم وإلى عناصر مجازية تتمثّل في الأقمشة والمطبوعات والخطابات ذات الحمولات الرمزية العالية.
ويشير محمد إبراهيم إلى الفنانة الثالثة المشاركة في برنامج الفنانين الناشئين وهي ظبية الرميثي، واصفاً عملها الفني بعنوان: «الملجأ»بأنه يترجم أسلوب الفنانة في التعامل مع فن «اللاند آرت» بمفهوم يحمل خصوصيتها وعلاقتها المبكرة مع البيئة بجميع أنواعها، سواء النفسية أو الاجتماعية أو الطبيعية، حيث تتمازج جميعها لخلق كيان فريد تجسّده على الأرض مستعينة برؤيتها الخاصة لدمج المدرك الحسي والمعنوي من خلال نصب قبة صخرية في وسط الصحراء، قبة قد يفسرها البعض ببقايا مسجد مطمور في التراب، أو بكوكب صغير هبط على الأرض وبقى مثل أثر حيّ لفضاء مفتوح يغرينا دوماً لاكتشافه.

محمد خليفة المبارك: الإمارات تعيش نهضة فنية
يقول معالي محمد خليفة المبارك رئيس دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي:
في العشر سنوات الماضية تمكّن «فن أبوظبي» من تقديم الدعم للمشهد الفني في أبوظبي، والذي شهد نمواً ملحوظاً ونشطاً مع وضوح المدارس الفنية والممارسات المرتبطة بها، من خلال مناقشة القضايا المجتمعية بجرأة، مع الانفتاح على الاتجاهات الفنية العالمية، وتوظيف مختلف تأثيرات الثقافة الكونية لتصب في صالح نهضة فنية لا يمكن إغفالها.

سيف غباش: المعرض يكرس التنوع الثقافي
قال سيف سعيد غباش، وكيل دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي: «نهدف من خلال (فن أبوظبي) إلى إثراء التفاعل بين محبي الفن والأعمال الفنية والفنانين على حد سواء، بهدف إلهام الأجيال الصاعدة للإقبال على مختلف أشكال الفن والثقافة، وكلنا ثقة بأن الرؤية الفريدة لمعرض «فن أبوظبي» والبرامج الثقافية والاجتماعية التفاعلية المتنوعة التي يقدمها للمجتمع المحلي من شأنها المساهمة في رفد المشهد الثقافي بالمزيد من التنوع والإبداع».