شاكر نوري

يعيد الروائي الفرنسي الشاب نيكولا ماتيو (40 عاماً)، في روايته الثانية «الأبناء بعدهم» التي حازت جائزة غونكور الأدبية، أمجاد الرواية الواقعية الاجتماعية التي رسخ لبناتها الأولى الكاتب الفرنسي أونوريه دي بلزاك، بعد أن مرّت الرواية الفرنسية بأهم مدارس الحداثة، خاصة تيار «الرواية الجديدة»، وغيرها من التيارات. وهذه العودة إلى تيار القرن التاسع عشر أملتها ظروف المجتمع الذي يعيشه بكل أزماته الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، فلم يكن أمامه سوى الواقعية الاجتماعية في نسج خيوط المجتمع الفرنسي المعاصر، خاصة بشبابه الذي تتقاذفه أزمات العصر.
ولد نيكولا ماتيو عام 1978، ودرس التاريخ والسينما، واستقر في باريس، حيث مارس مهناً عديدة. عاش في مدينة نانسي، ونشر روايته الأولى «الحرب للحيوانات» عن منشورات أكت سيد في 2014، وحازت جائزة النقد. وهي رواية بوليسية يتحدث فيها عن إغلاق مصنع في منطقة «فوج»، والتي تدفع بمئات العمال إلى عالم البطالة بلامبالاة كبيرة.
ترعرع نيكولا ماتيو في منطقة غولبي، المجاورة لمدينة «فوج» في حي شعبي يُدعى «جان دارك». كان والده ميكانيكياً كهربائياً، ووالدته محاسبة. درس في مدرسة خاصة، واكتشف بيئة متميزة لم ينسجم معها، إذ «لم يكن الفارق الطبقي مع الطلاب الآخرين سهلاً للتعايش إلا أنني وجدت تشجيعاً كبيراً من الأساتذة للاستمرار في عالم الكتابة. وعندما كنت في الرابعة عشرة من عمري، كنت أعرف هدفي، وهو أن أكون كاتباً، لكن الأمر استغرق مني وقتاً طويلاً للقيام بذلك، لأنني سلكتُ دروب الكتابة بمفردي، وهي دروب طويلة ومؤلمة».

أونوريه دي بلزاك

حياة صعبة
قدم ماتيو أطروحة الماجستير في الفنون في جامعة ميتز، بعنوان «تيرينس ماليك: صورة السينمائي في الفلسفة»، تحت إشراف البروفسور جان مارك ليفيراتو، ثم انخرط في العمل الصحفي في عدد من المواقع الإلكترونية. كتب روايته الأولى في عمر الـ22 عاماً، وكانت بالنسبة له «تطهيراً نرجسياً» على حد تعبيره، أي أنه تخلص كثيراً من ذاتيته في الكتابة. وحقق في روايته الأولى «الحرب للحيوانات» 2024 نجاحاً ملموساً، حيث فازت بجائزة ايركمان شاتريان في العام التالي، إضافة إلى جائزة النقد، وجائزة الرواية البوليسية. وكذلك تم إعداد روايته للشاشة. وهذا النجاح جعله يحقق نفسه على صعيد الكتابة، لكنه عاش حياة الضنك، كما شرح معاناته بقوله: «حتى عمر الـ35 كنتُ آكل لحم البقر المجنون، وكنتُ أعيش من ممارسة أعمال صغيرة طوال فترة طويلة حتى خشيت معها أن أضل طريقي. لفترة طويلة، خشيت أن أضل طريقي». ويضيف: «ولدتُ في عالم كنت أريد الهروب منه بأي ثمن. وكل ما كنتُ أكتبه كان نابعاً من الواقع الاجتماعي الذي عشته، عالم الشباب الضائع والاحتفالات والمهرجانات وأغاني ملك الروك جون هوليداي، أي أنني كتبتُ عن الشخصيات التي أعرفها جيداً، وبإمكاني الحديث عن عوالمها الداخلية الغنية والمضطربة والمتناقضة».

العزلة والجائزة
تعليقاً على فوزه بأرفع جائزة أدبية فرنسية، وهي جائزة غونكور التي تأسست في 1903قال ماتيو: «أمضيت 18 شهراً منعزلاً في غرفة وبعد الانتهاء من كتابة هذه الرواية، خُيّل إليّ بأنني مثل أرنب مذعور بالأنوار الساطعة لضياء السيارة، ومما لاشك فيه أن هذه الجائزة ستحدث نقلة نوعية في حياتي المستقبلية. بل وتجعلني أفكر أكثر بابني أوسكار. وفي حالات كهذه أعود إلى التفكير بعائلتي وأهلي والمدينة التي ولدت فيها والأشخاص الذين تحدثتُ عنهم في روايتي. وفي حقيقة الأمر، أردت أن أروي حياة الوسط الذي انحدرتُ منه. إنها محاولة أدبية ممزوجة بالسياسة. عندما نتحدث عن البشر وطريقة عيشهم وحبهم، فإننا نقوم بعمل سياسي من دون أن نعلم. لكن مقتطفات من سيرتي الذاتية مبثوثة في الرواية، لأنني أردت أن أستعيد شيئاً من الواقع الحقيقي».

صور راهنة
تتألف رواية نيكولاي ماتيو «أولادهم بعدهم» من سلسلة من الصور بقدر ما هي رواية اجتماعية، وحتى سياسية، والعنوان مستلٌّ من مقولة جاء ذكرها في الإنجيل، وقد اقتبسها المؤلف ليقف ضد التيار السائد الذي يعاني من ضغوطاته جيل الشباب. وهي الفكرة ذاتها التي عالجها الفيلسوف الفرنسي الشهير بورديو الذي قال: «لآبائنا، نحن دائماً نسرق إرث الطبقة». والمقصود بذلك، أن علاقة الآباء والأبناء تبقى إشكالية في مجتمع يعاني من الأزمات المالية والأخلاقية. وحتى في روايته الأولى، فقد استعار عنوانها من الكاتب لافونتين من أجل التعبير عن رمزيتها. في روايته الفائزة بجائزة غونكور هذا العام، والتي ستحقق له مبيعات تقدر بنصف مليون نسخة، بينما قيمة الجائزة المالية: يورو واحد، يعطى للكاتب في شيك حسب التقاليد، نجد كل العناصر الواقعية التي تضع الكاتب في صف الكاتب الواقعي الاجتماعي بلزاك لأن الرواية تحتوي على قدر كبير من الإنسانية التي تضاءلت ونكصت في الوقت الحاضر.
بطل رواية «أولادهم بعدهم» يُدعى أنطوني، هو فيالرابعة عشرة من عمره، وله هيئة غريبة، متسكع قليلاً، وقد نشأ في عائلة تتكون من أب عنيف وأم منهكة، قدمها الكاتب بروح ملحمية طاهرة. كتب ماتيو روايته ببصمة سياسية واجتماعية تعالج مشكلة المراهقين، ويمزجها بعالم مراهقته في تسعينيات القرن الماضي، كاشفاً التفاصيل الحميمة لشبان يقتلون الضجر بالاستماع إلى أسطوانات «نيرفانا»، حالمين بـ«الخروج من الجحيم»، بأي ثمن كان. ويتتبع الروائي حياة أربعة مراهقين في أربعة مواسم صيف (1992 و1994 و1996 و1998) في مدينة متخيلة تشبه العديد من المدن الفرنسية التي تنهشها مخالب العولمة، وأدت إلى غلق مصانعها. وفي حر الصيف، يحاول هؤلاء الشباب القضاء على الملل من خلال مغازلة الفتيات. وهكذا يعيش الأبناء الحياة الصعبة التي عاشها آباؤهم، ويشعر الأخيرون بأنهم عاجزون عن تقديم أي شيء لأبنائهم.

معالجة سياسية
يقارب نيكولا ماتيو الأوضاع السياسية في روايته، من خلال استحضار أجواء المدينة التي يعيش فيهاالمراهقون الأربعة، وهم مأخوذون بالحنين والثورة والانحدار، أي أنهم شباب مقصيون ومهمشون أمثال: أنطوان، ستيف، كلين وهاسين وآخرون.. يلتقون كل صيف قبل أن تتفرق مصائرهم، وتحترقأحلامهم، ويتلهون بمباريات كرة القدم. صبيان مراهقون بلا أحلام، يجدون أنفسهم في مدينة ملعونة، وهم على مقربة من لوكسمبورغ وباريس، ينظرون إليهما بانبهار، حيث العمل والرواتب بينما هم محكومون بمدينتهم وخوائها. هكذا تصور الرواية الممر الصعب الذي ينتقل به البطل من المراهقة إلى النضج، مازجاً سيرته وخياله مع حياة هؤلاء المراهقين: «لقد كانت مرحلة المراهقة مهمة للغاية بالنسبة لي، والتي عانيت منها كثيراً، وكنت في غاية السوء، أعيش لوحدي ضائعاً ومهمشاً في غرفتي، لكن ما أنقذني من هذا الكابوس هو الكتب التي كانت تحيط بي». ويضيف: «آنذاك لم أعد أشعر بأنني وحيد، لأنني وجدت حلفائي في الكتب التي حثتني على الأمل». ولذلك نجد في الرواية أنواع الشخصيات من كل الفئات، أطفالاً، أولاد عمال، فتيات أعيان، أولاد مهاجرين، أبناء الجيران، والكل يعيش في مدينة تقاوم من أجل العيش ليس إلا. ومن خلال شخصية البطل أنطوني، وحياته الممزقة، نكتشف حياة المدينة، بكل بصماتها، وأزيائها وموسيقاها.. وهو يحلم بأن يطير إلى مكان آخر.

لوحة من الفن الفرنسي المعاصر

على الطريق فوق دراجتين هوائيتين*
في ما يلي ترجمة لمقتطف من الرواية الفائزة بجائزة غونكور «أولادهم بعدهم»:
«بعد أن خبأوا الزورق، عاد الصبيان بالدراجة عن طريق غابة بيتي-فوغرايه. كان أنطوني كعادته، يستمتع بالوقوف علىالخطوط البيضاء المرسومة في منتصف الطريق. هذه العادة كانت تبثُ الفزع في ابن عمه المرافق له. قبل بضعة أيام، وبينما تسلقا الساحل بالقرب من المستودعات، وجد أنطوني نفسه وجهاً لوجه مع سيارة الفولكس فاغن. اضطر السائق أن يركله بضربة خفيفة بعدما كان على وشك الاصطدام به. استاء ابن عمه، وسأله عما إذا كان غبياً أو يتغابى في اقتراف مثل هذا الخطأ أي الوقوف في منتصف الطريق، أجابه أنطوني أن أولوية الطريق كانت له.
ـ عن أي أولوية تتكلم؟ أنت تقف في منتصف الطريق!
في مرات، كان أنطوني يثير ابن عمه إلى حد الجنون. وسأله فيما لو كان مجنوناً. ولكن في تلك الساعة، كان الطريق مهجوراً، والصبيان يقودان الدراجات الهوائية بسرعة، ويواجهان الشمس، ويطاردان ظلالهما. بعد الحرارة المرتفعة لفترة ما بعد الظهيرة، كانت الغابات المحيطة غارقة في خدر، ودرجات الحرارة آخذة بالانخفاض في عد تنازلي. وفي نهاية المطاف، كان أليكس الرياضي اقترح عليهما برنامجاً. كان أحد الأصدقاء يقوم بتنظيم حفلة كبيرة في منزل والديه. وقد اقترحوا على أنطوني وابن عمه أن يحضرا، شريطة أن يجلبا معهما معداتهما الخاصة. كانت الاحتفالات ستقام، على ما يبدو، في منزل كبير يحتوي على مسبح. وسيكون هناك شراب، وفتيات، وموسيقى، وسباحة في منتصف الليل. أنطوني وابن عمّه وافقا على حضور الحفلة، وقالا: سنرى ما إذا كان بإمكاننا أن نحضرحفلتكم؟ منذ ذلك الحين، كانت الأمور طيبة، والاحتفال أقيم في دريمبلوس التي تبعد بالدراجة الهوائية نحو أربعين محطة ذهاباً وإياباً. كان من الممكن أن نستعير دراجة أبي النارية التي تتعفن تحت قطعة من قماش المشمع في المرآب منذ سنوات. كان لا يمكن التفكير بذلك. فقد تلقى أنطوني ضربة في الوجه من سيارة الفولكس فاغن. وفي المقابل، كان ذلك العجوز الذي ضربه، لا يضحك على الإطلاق.
ـ إنه لا يرى حتى، لا تعبأ بذلك، كان ابن عمه يمزح.
ـ كلا، الرجل متوتر، أجاب أنطوني، ومن الأفضل أن نركب الدراجات الهوائية.
ـ توقف، إنها الساعة السابعة مساءً وكل شيء ميت.
ـ لا أستطيع، حقاً. إن أبي يحطمني لو أخذت دراجته، أنت لا تعرف، جيداً. في الحقيقة كان ابن العم يعرفه جيداً. كان باتريك كاساتي رجلاً شهماً، ولكن لو لمست شاشة تلفزيونه لمسة بسيطة، يمكن أن ينفجر في غضب، ويظهر كل عيوبه بحيث نخجل من رؤيته. إنه يضطرب، ويكون في سوء الظن، ويعجز عن الاعتذار. وأحياناً لكي نغفر له، يقوم بالتبرع بغسل الأطباق. كانت والدة أنطوني تقوم بحزم حقائبها بين الحين والآخر وتذهب عند أختها. عندما تعود من زعلها، تعود الحياة إلى مجراها كأن شيئاً لم يكن. على الرغم من ذلك، كانت هناك غلاظة بينهما، لا تبعث الإحساس بحياة عائلية سليمة.
ـ هل ستأتي صديقتك إلى الحفلة؟ أصّر ابن عمه. هل ينبغي أن نذهب؟
ـ نعم.
ـ أنت تعلم أنها ستأتي.
كان ستيف يزنزن في الرأس حتى يصيبك بالجنون. انقلبت حياة أنطوني رأساً على عقب. كل شيء متوقف عنده، لا شيء في مكانه. كان يعاني بألم.
...............................................
* ص27 و28 من رواية «أولادهم بعدهم» النص الفرنسي، ترجمة: ش. ن.