إعداد وتقديم: عماد فؤاد

ستبقى الكتابة ملاذاً أخيراً نلجأ إليه عندما نشعر بأنّ هناك شيئا ما ينقصنا، وعلينا أن نوجده ولو حتى بالخيال، الخيال الذي أنعم به علينا الخالق الرحيم، وجعلنا قادرين من خلاله على بناء ممالك موازية للعالم المادي الذي نحياه، أو الذي يحيانا، ثمة كل يوم نظريات جديدة للعلم عن أسرار الكون الذي نسكن إحدى أصغر بقاعه وأضألها، عن معايير الزمن والعوالم الموازية التي ربما لا نستطيع من خلال إدراكنا البشري المحدود أن نستوعب وجودها، أو حتى نستشعر الحيز الذي تشغله من حولنا، من هنا نستطيع أن نردّ الاعتبار للمخيّلة البشريّة التي أبدعت الكتابة، بوصفها الأثر الباقي الذي - ربما - يحارب العدم في هذه الحياة القصيرة التي حظينا بفرصتها.
المخيّلة ذاتها هي التي أنشأت المدن التي لا وجود لها في الحكايات والأساطير الشعبيّة حول العالم، وهي التي خلقت الشخصيات الخيالية والحيوانات الأسطورية في أذهاننا، حين كنّا أطفالًا ننصت إلى حكايات الجدّات في الليالي الطويلة الباردة، ونحن نلتحف أغطية خوفنا حابسين أنفاسنا من الرهبة والخشوع. المخيلة نفسها هي التي تتبدّى لنا واضحة في نصوصنا الإبداعية الأربعة التي نقدمها اليوم، حيث تدخلنا إلى أربع مدن عربية راهنة، هي القاهرة ودمشق وتونس وإحدى مدن المغرب غير المسماة في نص المغربي محمد الزلماطي، وسنشعر بهذا الرصد الشعري المحسوب بدقّة في قصائد المصري علي منصور لمدينته القاهرة المتغيّرة على الدوام، حيث: «أيّتها الأبواقُ الصّدئة في ليل المدينة /‏‏ ألا تشبعين من الكذب /‏‏ أنا خائفٌ على اللصِّ المسلّحِ الخطير /‏‏ من الأبواق الصدئة في ليل المدينة». وفي نص التونسيّة إيناس العبّاسي السردي ثمة علاقة متوترة بين الكاتبة ومدينتها تونس، حيث: «حين عدت في أوّل زيارة لي، نظرتُ لمدينتي بنظرة جديدة، وأدركتُ أنني تغيّرتُ وتغيّرت معي أحلامي، أصبحت أكبر من المدينة. لم أعد كثيرًا بعد تلك السنة، وحين فعلتُ كنت بالكاد أقضي أسبوعين فيها، ثم توقفت عن العودة بعد وفاة أمي».
وفي قصائد السوري المقيم في الولايات المتحدة الأميركية أكرم قطريب، استعادة دائمة لشوارع دمشق، تلك التي غيّبتها الحرب تحت الأطلال وأكوام الخراب: «اشتقت للمشي في شوارع دمشق /‏‏ لم أدر على وجه الدقّة ولأسباب جماليّة بحتة /‏‏ أنّني سأفلت من أسر تلك اللحظات التي كنت أشعر فيها كتائه قتله الظمأ في صحراء بعيدة /‏‏ مجرّد التفكير بالمسافة التي كنتُ أقطعها كلّ يوم بين البرامكة وشارع العابد إلى الحارات القديمة في المساء، يراودني الضعف مثل ساعي بريد يرمي بكيس الرسائل في النهر .. ويلحق ارتباك قلبه».
ونختتم جولتنا الإبداعية بنص قصصي للمغربي محمد الزلماطي، حيث مدينة تطل على نهر ورجلين يضيعان وقتهما بالتسلي بالصيد: «لم تتحرك صّنارتي بعد، ويبدو أني لن أظفر اليوم بصيد ثمين، وربما عدت بسلَّتي فارغة. أما الرجل الذي أشار بيده جهة الشمس فقد اختفى تمامًا في الجوار. ما من أثر له، ما من حركة تدل عليه، سكون تام. لا خرير لمياه ولا حفيف لأشجار. حتى أني كدتُ أعتقد أني قد فقدت سمعي. صرخت كي أضع حدًا لهذا السكون الطاغي، لهذا الصمت المستبد».