محمد الزلماطي*

لا أحلق ذقني كل صباح، وعندما أحلقها لطارئ ما، أحس بألم فظيع في جلدي.. لا أحب استعمال المراهم ومياه الكولونيا المعطرة الخاصة بما بعد الحلاقة.. أحس أنها لم تصنع لذقن مثل التي أملك.. تبدو ذقني الحليقة في المرآة مثل قارب ضائع في عرض البحر.
عندما أغادر إلى الشارع أعرف أني أحمل وجهًا ذميمًا لا يعكس الطيبوبة الكبيرة التي تزهر في حدائقي مثل أزهار برية: العينان غائرتان، الأنف واطئ وكبير مثل ركام حجر مدكوك، والفم منهك كبوابة قلعة قديمة، وأعرف أني لا أحسن اختيار ألوان ملابسي ولا أشكالها، ولذلك لا تحبني النساء، مع أن إحدى أمنياتي الأثيرة كانت دائمًا أن تحبني النساء، وأن يشرن إلي ببنانهن ويبتسمن لي.
النساء لا يختلفن كثيرًا عن أجواء الربيع، متقلبات دائمًا، ولا يمكن الوثوق بهن وأخذ آرائهنَّ مأخذ الجد... السيدة «سعاد نون» مثلًا، كانت تحب الرجل العاشق الوفي حتى وإن كان فقيرا معدمًا وعاثر الحظ في العاشرة صباحًا، وبعد نصف ساعة تفضل الرجل الغني، وفي الحادية عشرة أو أقل قليلًا، تحب الرجل المثقف وتحرق ثروة الغني وتذبح وفاء العاشق.. وتضع مكانهما خزانة الكتب والمعاجم، هكذا هن تقريبًا مثل أجواء الربيع، صحو في الصباح ومطر في المساء، قيظ في الظهيرة وبرد قارس بعد منتصف الليل!
لم أحب أبدًا النساء الأنيقات جدًا، لأني أعتبرهنّ معارض غبية لدور الموضة الشهيرة، لوحات إشهار مجانية لتقليعات اللباس الجديدة. لا أحب كذلك النساء اللواتي يهملن أنفسهنّ ولا يعتنين بأحوالهنّ. أحب اللواتي يأخذن مكانًا وسطًا بين النوعين، ولكنهنّ للأسف غير موجودات، بين الصنفين نهر غزير مليء بالحيتان والأحجار الكبيرة والرمال والعجلات المطاطية المستعملة.. وقليل من النساء العاديات.
كنت أنزل كل صباح إلى هذا النهر وألقي بصنارتي في الماء المصطخب وأنتظر. أنتظر.. أنتظر.. أضع على رأسي قبعة رمادية تقيني حرارة الشمس الجحيمية وأنتظر.. أطيل الانتظار، حتى أن علاقتي بالصخرة التي كنت أقتعدها على حافة الماء تطورت بشكل ملفت.. جاء رجل وجلس بجانبي على حافة الماء.
قال إن النساء لا يجلسن في الحدائق، ولا يقطفن أزهاراً بريةً، وأن الأسماك كثيرة في أعلى النهر، وأشار بيده جهة الشمس. كان وجهه ثقيلًا وملامحه بارزة. ولم يكن بمقدوري أن أثق في ادعائه.. فالذي أعرفه أن النساء يفضلن دائمًا أسفل النهر، وأن الأسماك الوحيدة - حسب علمي - التي تصعد ضد التيار هي أسماك السلمون الحمراء الفاتحة. ثم إن الصخرة التي أقتعدها بدت لي مريحة بشكل غريب، عكس الأيام الأولى.. إذ كنت أفكر - كل مرة - في إحضار كرسي صغير قابل للطي، شبيه بتلك التي تستعمل في ممرّات حافلات النقل العمومي ليجلس عليها الركاب الفائضون الذين لا مقاعد لهم، أو وسادة ناعمة أتقي بها شراسة سطح الصخرة.. لأن مؤخرتي ناحلة ولا تتحمل النتوءات المدببة.
في مرات عديدة عندما أجلس قبالة النهر، كنت أقضي أغلب الوقت في تقليب أفكار قديمة وأنا أعبث بأظافري، أبدأ تقليمها بأصابع اليد الثانية، وأحيانًا أستعين بأسناني لتشذيب الأماكن الحرجة منها، حيث يكون التدخل في الغالب غير ناجح، وكم مرة كانت العملية إياها تنتهي بألم حاد ودماء...
عادة ما أنسى تقليم أظافر قدميَّ، وعندما أنتبه لها أمام النهر، تدهشني أشكالها البدائية، إنها أشبه بأغصان أشجار يابسة في صحراء منسية، نمت هكذا كيفما اتفق، ظفر الإبهام قوي جدًا، ممتد إلى الأمام ومائل نحو الأسفل كأنما تقوده قوة الجاذبية الأرضية.. فصار الإبهام مثل رأس منجمي والظفر مثل خوذة تقيه شرور الخارج.. الحذاء المتآكل والعثرات ونتوءات الطوار وحفر الشارع، أصابع رجلي غريبة جدًا، تبدو خجولة لدرجة أن بعضها يكاد يدخل في البعض الآخر، كلما أمعنت النظر فيها تحاشتني، الأصابع غبية وبدون عيون، والأظافر تشبه أسطحًا عارية منسية مليئة بأكياس البلاستيك السوداء المستعملة، وعلب السردين والطماطم المركزة، وقناني الكحول 90 درجة، والمياه المعدنية والأتربة وغائط العابرين، يأتي الناس، ينزلون سراويلهم ويجلسون القرفصاء بمحاذاة جدار، أو وراء دغل ويتخلصون من كيلوغرام أو اثنين - كنت أصادفهم في ذهابي وإيابي من العمل - يتتابعون واحدًا بعد الآخر، ينزلون سراويلهم، يتغوطون، ثم يحزمون سراويلهم ويرحلون خفافًا، أحدهم أقسم بأغلظ الإيمان أنه تغوّط في المكان ذاته مائة مرة عددًا، وأنه استمر في ذلك حتى بعد أن ربطت مصالح البلدية بيته بمجاري الصرف الصحي. قال: عندما تعتاد على شساعة الطبيعة، فكيف تحتمل ضيق المرحاض؟
السيدة «سعاد نون» ذات الأربعة وعشرين ربيعًا وطفلتين وزوجًا غبيًا وبدينًا يقضي جل أوقاته في تعداد نجاحات سلالته، التي لا يأتيها الفشل من بين يديها ولا من خلفها، السيدة سعاد كانت دائمًا حريصة على تشذيب وطلاء أظافرها، ونتف الشعر الزائد في ذقنها وأطرافها السفلى، لأنها ربما تفطنت باكرًا للظلال القاتمة التي تلقيها على أنوثتها وروحها، كانت حقيبة يدها مليئة بالأسلحة الفتاكة: مقص ومبرد وملقاط وبطائق لاصقة ودهون ومراهم..
وعندما سألتها: ماذا تفعلين؟
قالت: إنها مأساة التيستيرون
هل كانت تقصد أن جسدها يشبه حقلًا غمره سيل هذا الهرمون الذكوري الفتاك، الذي يشبه الأسمدة والأملاح وروث الحيوانات التي ينثرها الفلاحون في حقولهم الفسيحة؟ هل كانت تقصد أن غددها سخية أكثر من اللازم، وأنها تحتاج فقط لكمية قليلة منه.. لا لطوفان غامر؟
أخرج الرجل الجالس بجانبي صنارته، وألقى بطرف خيطها في الماء.. فسمعت صوت اختراقها لصفحته الهادئة المنسابة، وأمسك قصبتها بقبضتيه ونظر جهة الشمس، وقال إنه افتقد الصيد في الأنهار البكر، وقال إنه يملك أكواريوماً كبيرًا، ويتمنى أن يضع فيه أسماكًا جميلة..
لم أنتبه إلى أن الرجل الجالس قربي كان قصير القامة، بدينًا، وكان الصلع قد بدأ يزحف على مقدمة رأسه مثلما يزحف قطيع جراد على حقل حنطة مزهر. كان يضع على عينيه نظارتين شمسيتين.. وكانت له لحية وشارب كثيفان، كان الشيب قد وخطهما، حدثني عن والده الذي حارب في الهند الصينية وعاد بأعطاب نفسية وجسدية، وعن طفولته حيث كان يبيع تين الصبار الشائك على عربة مدفوعة طيلة شهري العطلة الصيفية ليوفر ثمن أدوات ولوازم الدراسة.
عدل من جلسته، ومسح بيده على لحيته، وأضاف: أهملتُ اللحية والشارب معًا، وهكذا كل صباح، صرت أقرأ التحية على رجل فيتنامي لا أتعرف فيه على نفسي، في الحي أصبحتُ معروفًا بالفيتنامي... « البيتنامي... البيتنامي» كنتُ أسمع الجارات – جاراتي - يهمسن لبعضهن أمام أبواب المنازل ومن النوافذ، في إشارة إلى أنني قادم، ثم يختفين وراء أبواب مواربة أو يعدلن من غطاء رؤوسهن، تحركت صنارته كأنما ردًا على هذا الخواء الذي سقط فيه فجأة، فانتبه لحركتها ورفعها، كانت سمكة سلمون صغيرة حمراء لامعة تترنح في طرف الخيط، أمسكها بيده وحررها من سن الشص.. وقال: هذه سمكة تليق بعزلتي وبالأكواريوم ومياهه وطحالبه. ثم وضعها بعناية في حوض ماء زجاجي كان أحضره معه، وثبت طعمًا في شص الصنارة ورمى به إلى الماء، فسمعت صوت اختراقه لصفحته الهادئة.
قلت له إني لا أحلق ذقني كل صباح، لأني لا أحب أن أبدو كحلزون لزج بمجسين غبيين في أعلى مقدمة رأسي.. كما لا أحب أن أدعها تنمو كيفما اتفق فأغدو بلا ملامح مثل غابة.. ثم إن لي ذقنًا يشبه قارب صيد عتيق، انظر. فنظر جهة الشمس ورأى غابات ومدنًا تزحف، رياحًا وزوابع تنشأ في البعيد، وحرارة تشوي الجلود ورأى حلازين تحتمي بقواقعها، جحافل نمل أسود تدب نحو مخابئها، لصوصًا وقطاع طرق، أخرج خيط صنارته ولفه بعناية وحمل عدة صيده كاملة ورحل.
لم تتحرك صنارتي بعد، ويبدو أني لن أظفر اليوم بصيد ثمين، وربما عدت بسلتي فارغة. أما الرجل الذي أشار بيده جهة الشمس فقد اختفى تمامًا في الجوار. ما من أثر له، ما من حركة تدل عليه، سكون تام. لا خرير لمياه ولا حفيف لأشجار. حتى أني كدتُ أعتقد أني قد فقدت سمعي. صرخت كي أضع حدًا لهذا السكون الطاغي، لهذا الصمت المستبد.. كان أزيز محرك في الدماغ ينفث دخانًا أسود محفزًا على اختراق المدى الأزرق الغامض، والدم يدور بسرعة في الشرايين محملًا بالكراسي والطاولات والكراريس والشاحنات والسيارات والقطارات والأحذية المتعبة والجثث، جثث الأبقار والأغنام، ثم طفت إلى السطح صور الجيران والأصحاب وصديقات الدراسة الممتقعات مثل أثواب قديمة. لم تكن الشمس براقة، ولم يكن لون السماء أزرق تمامًا، وكانت أسماك السلمون تصعد النهر نحو حتفها مقاومة التيار المائي الجارف مثل نساء مخادعات وأفّاقات.
.................................................
* المغرب