الاتحاد

تقارير

الصين.. إنتاج متضخم وطلب ضعيف

أصبح فائض القدرة الصناعية للصين «يمتص الأكسجين» من الاقتصاد المحلي ذاته، ويزيد من أعباء القروض السيئة المتضخمة، ويرفع من حدة التوتر الاجتماعي، ويخلق المشاكل مع الغرب. وبالرغم من أن الحزب الشيوعي كان يتخوف من هذه المشكلة منذ عدة سنوات، إلا أنه فشل تماماً في التعاطي معها.
هذا ما توصل إليه تقرير جديد أعدّته غرفة التجارة في الصين متضمناً عبارات الشجب لظواهر سلبية متعددة تقف وراء هذا الفشل، مثل المبالغة في الرضا عن الذات، والعوز للخبرات القيادية، والإجراءات التجارية الحمائية التي تفرضها حكومات الأقاليم الصينية المختلفة.
وعبّر رئيس غرفة التجارة الصينية «جورج فوتكه» عن هذه القضية عندما قال: «نشعر بالخوف من هذه المشكلة، ونعمل الآن بكل جدّ على معالجتها، ولكنّها تتفاقم، وتتجه من سيئ إلى أسوأ حتى دفعتنا إلى أن نطرح على أنفسنا السؤال التالي: هل نمتلك الجرأة على تحقيق عملية التكامل بين السياسات التي نتبعها؟».
وتكمن المشكلة في أن قطاع الصناعات الثقيلة المملوك للدولة حقق تقدما وتوسعاً أكثر من اللازم وبسرعة غير عادية خلال سنوات الطفرة الاقتصادية التي نعمت بها الصين، وخاصة في مجال الاقتراض والاستثمار. والآن، ومع حالة التباطؤ الاقتصادي، احتفظ القطاع بقدرته الفائقة على الأداء ولكن في مواجهة طلب ضعيف جداً. وهذا ما أجبر العديد من المجمعات الصناعية الكبرى على تخفيض معدلات إنتاجها حتى باتت تناضل من أجل تسديد القروض المترتبة عليها. ولكن، وبدلاً من إغلاق هذه القلاع الصناعية التي أصبحت تعرف باسم «مصانع زومبي»، فلقد تقرر إبقاؤها قيد العمل بتكاليف تشغيل باهظة يتحملها الاقتصاد والنظام البنكي.
وقامت الحكومة بمبادرات متعددة للحد من التوسع المفرط للقطاع الصناعي، وإغلاق المؤسسات الصناعية غير الفعّالة، إلا أن هذه الجهود لم تثمر إلا عن نتائج متواضعة في وقت ازدادت فيه المشكلة تشابكاً وتعقيداً وخاصة خلال السنوات القليلة الماضية. ومن الجدير بالذكر أن تقرير غرفة التجارة الصينية الأخير يعدّ استكمالاً لتقرير مشابه سبق أن أصدرته عام 2009 يتضمن عرضاً مفصلاً للمشكلة والتوصيات المناسبة لمعالجتها، واتضح فيما بعد أن تلك التوصيات لم تتحقق على أرض الواقع.
ويتحدث «فوتكه» عن أصل المشكلة فيقول: «عقب الأزمة المالية العالمية (2008)، أطلقت الصين العنان لحملة شعواء للاقتراض المحلي في وقت كان فيه معدل النمو الذي يتألف من رقمين قد دفع صنّاع القرار للشعور بالرضا عما يفعلونه، وكانوا يعتقدون أن النمو العالي بحد ذاته يمكنه أن يمتص الهزّات الناتجة عن تضخم القدرة الإنتاجية».
ويضيف فوتكه: «ولكن، ومع الانطلاقة الصاروخية التي ميزت الاقتصاد الصيني، فضل أصحاب القرار في الحزب الشيوعي ارتداء نظارات ورديّة فيما كانت النُخب السياسية والتجارية العالمية تطري على الصينيين وتجاملهم وتعبر عن إعجابها بمنجزاتهم. وفي مثل هذه الحالة يمكن للمرء أن يفقد القدرة على تلمّس الحقيقة، وكثيراً ما يصاب بسوء تقدير المشاكل التي تنتظره في المستقبل».
ويرى فوتكه أيضاً أن مديري الشركات الصناعية المملوكة للدول كانوا بدورهم مصابين بداء الإفراط في الرضا عن الذات. وكانوا يتوقعون أن معدلات النمو المرتفعة جاءت لتبقى. ولم يتمكن إلا القليلون منهم من الانتباه إلى دورات النمو والركود المتعاقبة المعروفة التي تتكرر في أوروبا والولايات المتحدة. واليوم، يرى «فوتكه» أن جيوب الصين لم تعد عميقة بما يكفي لأن تشتري الحلول لمشاكلها. وذلك لأن رؤوس الأموال بدأت تتدفق إلى خارج الصين فيما تتضخم قيمة الديون الحكومية بسرعة، وبعد أن توقفت آلة الإصلاح الهيكلي للاقتصاد عن الدوران.
ويختتم فوتكه رؤاه المتشائمة هذه بجملة معبرة حيث قال: «لقد وصلت الجبهة الأمامية للعاصفة، وإذا لم يتمكن الصينيون من التصدي لها، فسوف تؤدي بهم إلى الغرق في أزمة مالية».
ولا شك أن ملاحظات «فوتكه» تنطوي على نصائح مفيدة بالنسبة للشركات الغربية الرائدة التي تمارس نشاطاتها في الصين. ولقد لفت الانتباه أيضاً إلى أن كبار القادة الصينيين يبالغون في الاهتمام بتقوية الجيش وإصلاح منظومة الحزب الشيوعي ومحاربة الفساد، ولا يعيرون المبادرات المتعلقة بإعادة هيكلة اقتصادهم إلا القليل من الاهتمام.

*محلل سياسي أميركي مقيم في بكين
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا