الاتحاد

دنيا

حارس المدرسة حاميها حراميها


سعاد جواد:
كانت تنتظر دورها للدخول على الطبيبة في احد المستشفيات، الانتظار الطويل ممل ومزعج ولا يكسره سوى النظر إلى الوجوه المختلفة والتي تنتظر دورها للكشف والعلاج·· جاء دورها للدخول على الطبيبة، ولكن فجأة أوقفتها الممرضة واستأذنتها في ان تؤخرها قليلاً بسبب وجود حالة طارئة، التفتت وراءها فشاهدت أماً يعلو وجهها البؤس والشقاء والحزن، تقود ابنتها البالغة من العمر ثماني سنوات تصحبهما شرطية سمحت لهم بالدخول قبلها ولكن الفضول غلبها، فبقيت قرب الباب تحاول استراق السمع لتعرف قصة هذه المرأة وابنتها، ما هي إلا دقائق حتى خرجت الأم لوحدها وكانت تجهش بالبكاء، احتضنتها المرأة وهي تظن بانها ربما ستسقط منهارة على الارض، اسندتها وسحبتها نحو أقرب كرسي واجلستها عليه، ثم جلست إلى جانبها وهي تحاول تهدئتها، بعد ان هدأت الأم قليلاً وسكت نشيجها سألتها مستفسرة: ماذا بك؟ ما الذي حدث لابنتك؟ قالت وهي تغالب دموعها وتتحسر باسى يقطع القلوب، ماذا احكي؟ لا استطيع قول شيء سوى (حسبي الله ونعم الوكيل)، ثم غالبها البكاء مرة اخرى فبكت بحرقة ولوعة ثم مسحت دموعها وقالت: منذ اسبوع وانا ألاحظ بان ابنتي قد تغيرت، لقد اصبحت حزينة تبكي وتتألم ولا تستطيع ان تمشي بسهولة وهي لا تريد الذهاب إلى المدرسة قررت ان أذهب إلى مدرستها واستأذنهم كي أخذها إلى الطبيب لأطمئن على صحتها، دخلت المدرسة أثناء الفسحة، بحثت عن ابنتي هنا وهناك فلم أجدها، بحث الجميع معي بلا فائدة، أخيراً اكتشفنا الكارثة، فالبنت كانت في غرفة الحارس الذي كان يغتصبها، حسبي الله ونعم الوكيل·· انها كارثة·· كارثة كبيرة لطمتني على رأسي، فانهرت لا أدري ماذا أفعل ولا كيف أتصرف، لو عرف والد البنت لاعتبرني المسؤولة الأولى والأخيرة عما حدث وسيطلقني بكل تأكيد، انه يتحجج ليطلقني تحت أي سبب، فهو يفكر بالزواج من الخامسة وعليه ان يطلق واحدة منا نحن الأربع الموجودات على ذمته، فماذا أفعل؟ وكيف أحمي ابنتي وكيف أحمي اسرتي؟ انها مشكلة كبيرة لا اعرف كيف أواجهها لوحدي·
المواجهة الصعبة
فعلاً هي كارثة كبيرة أصابت تلك الأم المسكينة وابنتها تلك الطفلة البريئة التي لا ذنب لها·· مهما سيفعلوا بذلك المجرم الحقير الذي قام بذلك الفعل الشنيع فلن يكفي أبداً لما قد سببه لهما، خصوصاً الطفلة التي ستتعرض لمعاناة نفسية رهيبة طوال حياتها بسبب هذا الذي تعرضت له·
الأفكار الصعبة بقيت تدور برأس المرأة الاخرى حتى انها عندما دخلت على الطبيبة نسيت ما جاءت من أجله، نسيت مرضها ومعاناتها ثم تذكرت بشكل مفاجئ ابنتها هي، نهضت واقفة وهي تشهق ثم اعتذرت من الطبيبة وانصرفت مسرعة·
في الطريق صارت تستعيد بعض التفصيلات عن ابنتها الصغيرة وهي في المرحلة الأولى من الدراسة، فقد بدأت تشكو من آلام في بطنها وهي ترفض الأكل وتتعرض للكوابيس أثناء النوم وتخاف ان تنام لوحدها، وهي تبدو حزينة ومكتئبة وتبكي لأدنى سبب وترفض الذهاب إلى المدرسة، حثت المرأة السائق على الاسراع نحو مدرسة ابنتها وهي في غاية القلق والخوف·
كانت البنت في فصلها الدراسي، استأذنت الإدارة لأخذها إلى العيادة، في الطريق تحدثت معها بأسلوب مبسط وبهدوء لانها عرفت بان الخوف ممكن ان يمنع الطفلة من الإفصاح وكشف الأمر، بعد محاولات استطاعت ان تجعل الطفلة تتحدث عن مشكلتها وان تخبرها بما حدث·
أخذت البنت تبكي وقالت: أمي·· في كل يوم عندما انتظر مجيء السائق، اقف بجانب غرفة الحارس، وعندما يتأخر السائق في المجيء، فإن الحارس يتكلم معي ويمسح شعري بيديه، ثم يلمسني بجسمه ويشدني إليه بقوة، انا أخاف منه ولا أحب ان يلمسني، ولا أريد ان يمد يده نحوي، وأكره ان يكلمني لان رائحة فمه مقززة·
صرخت الأم بلا وعي: لماذا لم تخبريني، فزعت الطفلة وازداد بكاؤها، أحست الأم بانها قد أخطأت باخافة طفلتها بهذا الشكل، فاحتضنتها وراحت تقبلها وتطمئها إلى انها لن تؤذيها ولن تعاقبها وحمدت لها اعترافها بالحقيقة وأعلنت لها بانها ستحل المشكلة وستكافئها على صراحتها·
عودة للمواجهة
أقفلت الأم راجعة إلى المدرسة مع ابنتها ودخلت على المديرة وحاولت ان تشرح لها ما حدث لابنتها، العجيب ان المديرة لم تتأثر، وقالت للأم: ان ابنتك تبالغ قليلاً، فهو يضع يده على رأسها كنوع من الحنو الأبوي، فقدت الأم سيطرتها على نفسها وصرخت وهي منفعلة: وهل تقبلين ذلك الحنو الأبوي نحو بناتك الصغار؟ اسمعي: إذا لم تفعلي شيئاً تجاه ذلك الرجل فسأقوم بفضح مدرستكم وما يحدث فيها عبر وسائل الإعلام، وسأذهب إلى الشرطة وسارفع قضية ضدكم·
حاولت المديرة تهدئة الأم المنفعلة، وقالت لها: لا تأخذي الأمور بعصبية وفكري جيداً، فهل ستؤيد البنت أقوالك؟ نظرت الأم إلى ابنتها الخائفة وقالت لها: احكي لمديرتك عما يفعله الحارس معك، ارتجفت الطفلة عندما نظرت إلى وجه مديرتها العابس وإلى عينيها الغاضبتين، ثم بكت وقالت: لم يفعل شيئاً، صاحت المديرة: أرأيت؟ انت إذن 'تتبلين' على ذلك الرجل التقي الطيب الذي لم نجد منه سوى كل خير·
خرجت الأم من المدرسة وهي تجرجر طفلتها وراءها، تلفتت في ساحة المدرسة، الحمامات خالية من الرقابة، غرفة الحارس بعيدة ومعزولة ولا يمكن مراقبتها ثم تساءلت: من يراقب ما يمكن ان يحدث لبناتنا؟ لماذا لا يكون حارس المدرسة امرأة؟ قررت ان لا تسكت على ما حدث أبداً·
المواجهة الحاسمة
اسرعت إلى مركز الشرطة واخبرتهم بما حدث، استطاع الضابط بلباقته من أخذ أقوال البنت، فتم إلقاء القبض على الحارس فانكر التهمة الموجهة ضده، أجرت الشرطة تحقيقاً مع عدد كبير من الطالبات فاعترفت اخريات بمحاولات الحارس معهن·
لقد كان يتحرش بالبنات بحجة خوفه عليهن وحرصه عليهن فيمسح على رؤسهن وأجسادهن أو يقبلهن·
وقد كان من الصعب إثبات ما يمكن ان يدينه بقوة ولكن حدثت المفاجأة الكبرى عندما كشفت التحقيقات عن حدوث حالة اغتصاب قام بها الحارس لاحدى الفتيات في المدرسة، وقد سكتت الفتاة لخوفها على الرغم من خطورة الوضع الذي وصلت إليه صحياً، إلا ان أهلها تصوروا بانها مصابة بمرض مجهول وقد أخذوها للعلاج في أماكن مختلفة وعرضوها على القراء ليقرأوا عليها القرآن، فهم يعتقدون بانها مصابة بالعين أو الحسد بسبب تفوقها، لقد كتمت الفتاة ما تعرضت له خوفاً من والدها الذي تعود ان يعامل أطفاله بقسوة شديدة، وكانت تعتقد بانها أول من سيعاقب على ما حدث لها·
بعد ان كشفت الشرطة هذا السر، أصيب والد الطفلة بصدمة عنيفة واصبح في حالة توتر شديد وقلق لا يدري ماذا يفعل ، فتارة يلوم الأب الأم لانها أهملت في رعاية الأبنة، وتارة يلوم المدرسة لانها أهملت في حماية ابنتهم، أو يلوم نفسه لانه كان قاسياً مع اطفاله·
بدأت تفاصيل هذه القصة عندما كان الأب يوصل ابنته إلى المدرسة مبكراً يومياً قبل ذهابه إلى عمله مما يعطي الحارس الفرصة المناسبة للتحرش بها بشكل تدريجي ثم اغتصبها، وقد كانت تبكي ولا تريد الذهاب إلى المدرسة ولكن والدها كان يجبرها على الذهاب، وعندما مرضت وساءت حالتها الصحية اعتقد الجميع بانها مصابة بالعين أو الحسد·
بعد اكتشاف هذه الحقيقة البشعة تمت إدانة الحارس والقي القبض عليه واودع السجن بعد ان تم طرده من عمله، أما مديرة المدرسة فقد تعرضت لتحقيق إداري ووجد بانها غير كفء للمسؤولية الإدارية التي تتطلب حرصاً ووعياً واحساسا كبيرا بالمسؤولية لذلك فقد اعيدت إلى التدريس، فاصبحت مدرسة عادية وتم نقلها إلى مدرسة اخرى·
كل ما حدث في هذه الوقائع هو بسبب حرص تلك الأم وعدم سكوتها ومحاولاتها المستميتة من أجل ان يحصل الجاني على ما يستحقه، ولو انها سكتت عن الموضوع ولم تقم بإبلاغ الشرطة وحاولت إخفاء الحقيقة، فإن ذلك يمهد الأجواء الملائمة لذلك الحارس ليستمر في جرائمه عندما لا يجد من يوقفه عند حده·
أما البنات اللاتي تعرضن لتلك الاعتداءات فقد تم عرضهن على الأطباء النفسيين لعلاجهن من الأمراض النفسية التي تصاحب مثل هذه الاعتداءات ولاستعادة الثقة بالنفس ولمحاولة نسيان ما حدث·
لم تسكت تلك الأم وبقيت تصرخ في جميع المحافل ومن خلال أجهزة الإعلام محذرة من الخطر الذي يحدق باطفالنا نتيجة غياب الرقابة عن الذئاب البشرية المنتشرة هنا وهناك·

اقرأ أيضا