صحيفة الاتحاد

ثقافة

حاكم الشارقة يدعو إلى التعجيل بإنجاز المعجم اللغوي العربي التاريخي

الجزائر (الاتحاد)

دعا صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة الرئيس الأعلى لمجمع اللغة العربية بالشارقة، إلى التعجيل بإنجاز المعجم اللغوي العربي التاريخي، وأعلن عن دعمه للفكرة مادياً ومعنوياً من أجل إعداده في أقرب الآجال، معلناً أن هذا الإنجاز هو حلم يراوده منذ أمد طويل.
جاء ذلك، في كلمة لسمّوه ألقاها بالنيابة عنه الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالشارقة محمد صافي المستغانمي، ضمن مؤتمر المجامع اللغوية والعلمية الذي انطلقت دورته الـ 47 صباح أمس الأربعاء في العاصمة الجزائر، ويستمر لغاية السابع من الشهر الجاري.
وجاء في كلمة صاحب السمو حاكم الشارقة: «إنَّ اللّغةَ العربيّةَ أرقى اللّغات وأسماها وأجلُّها وأعلاها، وزادها طيبةً وعُذوبةً أنَّ القرآنَ بها يُتلى، وأنَّ الأذانَ بها يُرْفَعُ، وأنَّ الصّلواتِ بها تُفتَتَحُ وتُختَتَم، منذ فجر الإسلام، دُوّنت بها العلوم، واستخدمتها شعوبٌ، واتّخذتها لغة العلوم والثّقافة والفنون والآداب».
ولفت سموّه إلى ضرورة النظر في قضايا اللغة العربية المعاصرة، وقال: «إنَّ الآمالَ لمعقودةٌ عليكم، وأنتُم أهلُ العربيّة وحُماتُها وحُرّاسُها، أن تتدارسوا شؤونها، وأن تضعوا أمام الأجيال برامجَ ومشاريعَ عمليّةً تُيسّرُ سُبُلَ استعمالها وتوظيفها والتّحدّث بها. وأنا أشدُّ على أيديكم جميعاً أن تستفيدوا مِن كلّ ما هو جديدٌ في المجال التّكنولوجي والرّقمي لخِدمة هذه اللّغة الغرّاء.علينا أن ننفتحَ على الآخرين ونستفيد من الأساليب العلميّة التي خدموا بها لغاتهم، علماً أنَّ العربيّةَ أوسعُ وأشملُ وأجملُ وأدقّ في ألفاظها وتعابيرها، وأساليبها، وأصواتها، وإيقاعها».
وتابع سموّه: «أبَشّرُكم، أيّها الجمع الكريم، بأنّنا في الشّارقة أنشأنا مجمع اللّغة العربيّة الذي كنّا نتطّلعُ إلى تأسيسه منذ رِدحٍ من الزّمن، وأصدرنا مرسومه في الأيّام القليلة الفائتة، وهو على غرار مجامعكم العامرة، يُعنى باللغة العربيّة ويحملُ همَّها».
ولستُ أريدُ بهذه التأسيس لهذا المجمع إضافةَ مبنى جديد للغة العربية، فما أكثرَ المباني والصّروح التي تُشيّدُ في عالمينا العربي والإسلامي، ولكنّي أركّزُ على أن نكونَ فاعلين ومُنتجين، والغرضُ الأساسُ من مجمع اللّغة العربيّة بالشّارقة أن يمُدّ يد العون لما هو موجود، وأنْ يجبُرَ الكسرَ، ويرأبَ الصّدعَ، ويجمعَ الشّملَ، ويأْسُوَ الكلْمَ، ونحنُ نسعى من خلاله إلى تنسيق جهودنا وجهودكم جميعاً.
فما أكثرَ الجهودَ! ولكنّها مُوزّعةٌ ومُبَعثرة، وتضيعُ في زحام الانشغالات وتفرّق الاهتمامات.
وخاطب سموّه المجتمعين بقوله: «أنتُم يا حماةَ اللّسان تعرفون أنَّ النّجاحَ هو جُهدٌ مُنَظّمٌ، وإنّنا من هذا المقام نستصرِخُ أهلَ النّخوة والغيرة على هذا اللّسان العربيّ المبين، ونُريدُ أن نمُدَّ يد العون والمساندة إلى كلّ من يخدُمُ اللغةَ العربيّةَ، ويسعى إلى نشرها، وتيسير سُبُلِ استعمالها والكتابة بها. نريدُ لمجامعنا جميعًا أن تكون فعّالةً مُنتجة، وبيدكم ذلك وأنتُم أحرياءُ بهذا الدّور العظيم».
نريدُ للمعاجم الحديثة أن ترى النّور، ونريدُ للقواميس المتخصّصة في شتّى العلوم أن تبزُغَ شموسُها على أجيال العصر، ونريدُ للموسوعات العلميّة النّافعة المنضبطة بالمنهجيات العلميّة الدّقيقة أن تسطعَ نجومُها على العالمين.
أخيرًا وليس آخرًا، لا يزالُ حُلمُ المعجم التّاريخي للغة العربيّة يُراوِدُني، ولا يزالُ يقُضّ مضجعي ويُبعِدُ الكرى عن أجفاني، وإنّي لأعلمُ أنّه مشروعٌ عظيمٌ جلَلٌ يتطلّبُ جهودًا كبيرةً، ووقتاً ضافياً، وهمّةً عاليةً، وقد تحدّثَ عنه علماؤُنا السّابقون منذ النصف الأوّل من القرن الماضي، وأبلوا في محاولات تنظيمه وإنشائه بلاءً حسنًا، ولكن تعثّرَ المشروعُ لأسباب كثيرة ومتنوّعة، منها صعوبةُ العمل، وضخامة المُدوّنة العربيّة التي هي أساسُ المعجم التاريخي، وهي تمتدُّ على مساحة زمنيّة لا تقِلُّ عن ستّة عشر قرناً من اللغة الفصيحة المستعملة في شتّى الفنون والعلوم.
وليس خافيًا على أحدٍ اليوم مدى التّطوّر العلمي في مجال الحواسيب التي أصبحت تُذلّلُ الصّعاب في مجال الجمع والتّدوين، والبحث والفرز، والتّحقيق، وحسن الإخراج.
ودعا صاحب السمو حاكم الشارقة في ختام كلمته إلى الانتقال من التّنظير إلى التّطبيق، وتكوين فرقَ العمل المتخصّصة على امتداد دولنا العربية والإسلامية، وقال: المشاريعُ الكُبرى تبدأُ بخطوات، وعلينا أن نشرعَ في العمل والله الموفّقُ والمعين، وإذا صحَّ العزمُ وَضُحَ السّبيل، ومَن يدري، لعلّ الله جلّ ثناؤه يجعلُ في أوقاتنا وجهودنا من البركة والتوفيق ما يُخفِّفُ عنّا به لأواءَ الطّريق، وإذا كان الإنجليزُ أنشأوا قاموسهم التاريخي في سبعين عاما، وإذا كان الفرنسيون أنجزوا قاموسهم في ثلاثين عاما أو يزيد، فقد يُبارِكُ الله في جهودكم وجهودنا في أعوام معدودات، وما ذلك على الله بعزيز، وحسبُنا أن نبدأَ الأعمال الجليلة، وأن نَغرِسَ الفسيلةَ، كما قال رسولُنا الكريمُ صلّى الله عليه وسلّم، عسى أن نُسهِمَ في خدمة لغة القرآن الكريم، ونكون سبباً في حفظها لأجيالنا القادمة».
والجدير بالذكر أن مشروع المعجم التاريخ العربي ولد في النصف الأول من القرن الماضي، ويهدف إلى متابعة تطور مفردات اللغة العربية من العصر الجاهلي إلى العصر الرقمي، مروراً بالعصر الإسلامي ومختلف المراحل التي مرت بها الأمة العربية. وقد لقيت فكرة صاحب السمو حاكم الشارقة إشادة واسعة من قبل رؤساء مجامع اللغة العربية، واستبشروا خيراً بالدعم الذي أعلنه صاحب السمو لتطوير المعجم التاريخي العربي، ورحبوا بإنشاء مجمع اللغة العربية في الشارقة، واعتبروه المكسب الذي تعلق عليه الآمال لخدمة اللغة العربية وتطويرها وتعزيز محتواها الرقمي.