الاتحاد

تقارير

يهود فنزويلا.. موسم الهجرة إلى إسرائيل

عندما انتقل «دانييل أوريتز» من فنزويلا إلى إسرائيل مؤخراً، كانت أول وجبة يتناولها عبارة عن حساء دجاج. ولكنه حين غرف الحساء بالملعقة لم يستطع مغالبة دموعه. فبالنسبة إليه الحساء يعني الهرب من الفقر والحرمان اللذين عاشهما لأكثر من عامين. ويقول «أوريتز»: «لقد كنا نتضور جوعاً إذ لم يكن ثمة لحم، ولا سكر، ولا معجنات». والواقع أن الأزمة الاقتصادية التي تعصف بفنزويلا جد شديدة لدرجة أن المواطنين باتوا مضطرين إلى الوقوف في طوابير طويلة لساعات أمام محال البقالة من أجل شراء السلع الأساسية، أو دفع أثمنة باهظة في السوق السوداء، لا بل إن البعض ماتوا جراء أمراض بسيطة بسبب غياب إمدادات الدواء.
وأمام هذا الوضع المزري، غادر عشرات الآلاف من المواطنين البلاد، من بينهم عدد متزايد من اليهود الفنزويليين الذين هاجروا إلى إسرائيل. غير أن العملية ليست سهلة لأنه لا توجد علاقات دبلوماسية بين إسرائيل وفنزويلا. فعقب حرب إسرائيل مع «حماس» في غزة عام 2009، عمد الرئيس الفنزويلي وقتئذ هوجو تشافيز إلى طرد السفير الإسرائيلي وموظفيه من كاراكاس، واصطف في صف الفلسطينيين، حيث اعترف بحقهم في تأسيس دولتهم في وقت لاحق من ذاك العام، وأقام علاقات مع إيران، غريمة إسرائيل.
أرقام الحكومة الإسرائيلية الرسمية تُظهر أن 111 يهودياً فنزويلياً قاموا بالـ«عاليا»، وهي كلمة عبرية تعني الهجرة، أو «الصعود» إلى إسرائيل، في 2015، أي أكثر من ضعف العدد الذي هاجر إليها في 2012. وعلى الرغم من أن الأرقام النهائية لـ2016 غير متوفرة بعد، فإن «الجمعية الدولية للمسيحيين واليهود»، وهي منظمة خيرية تعمل على جلب اليهود من بلدان تعيش أوضاعاً صعبة إلى إسرائيل، تقول إنها ساعدت نحو 90 شخصاً على الهجرة. وما زال ما بين 6 آلاف و9 آلاف يهودي يعيشون في البلاد التي يبلغ عدد سكانها 30 مليون نسمة.
المنظمات التي تعمل على مساعدة اليهود على مغادرة فنزويلا، مثل «الوكالة اليهودية من أجل إسرائيل»، تقول إنها تفضل عدم التحدث حول تفاصيل العملية لأنها قد تعرّض من بقوا في البلاد للخطر. وتقول موظفة في «الجمعية الدولية للمسيحيين واليهود»، طلبت عدم الكشف عن اسمها لأنها تتنقل بين إسرائيل وفنزويلا بشكل دوري: «إننا نعمل خارج المجتمع اليهودي وتحت المراقبة حيث نقوم بجمع معلومات عن اليهود المهتمين بالانتقال إلى إسرائيل». وأشارت إلى أنه في الماضي كان اليهود الفنزويليون يختارون الانتقال إلى الولايات المتحدة أو بنما، ولكن هذين البلدين باهظان للغاية بالنسبة إلى من يهاجر إليهما لأن الأزمة الاقتصادية تسببت في انخفاض قيمة منازلهم وممتلكات أخرى. وقالت: «إن إسرائيل هي الخيار الوحيد بالنسبة إليهم».
ويستفيد اليهود الذين ينتقلون إلى إسرائيل من مجموعة من المزايا والامتيازات التي تقدمها الدولة، مثل الرعاية الصحية المدعومة بشكل كبير، والتعليم المجاني، والتخفيضات على تأجير الشقق وسلع أخرى.
والواقع أن معاداة السامية كانت متفشية في عهد تشافيز وما زالت موجودة منذ وفاته في 2013، إذ تقدّر منظمات يهودية أن نحو 20 في المئة من الـ22 ألف يهودي الذين كانوا يعيشون في البلاد عندما وصل تشافيز إلى السلطة قد غادروا فنزويلا.
أوريتز الذي ترعرع في مدينة «سان كريستوبال»، غير البعيدة عن الحدود مع كولومبيا، وهاجر منها، قال إن عائلته كانت ضحية جريمة سطو مسلح قبل عام ونيف، حيث اقتحمت عصابة من الرجال المسلحين منزلهم، وقيّدت أفراد عائلته، وهدّدت بقتلهم إنْ أبدوا مقاومة. ثم راحوا يسلبونهم كل ما كانت العائلة تمتلكه، بما في ذلك سيارتهم. وحتى الآن، لم يتم استرجاع أي شيء من المسروقات، كما لم يتم اعتقال أي مشتبه به على صلة بهذه الجريمة.
لقد كانت تجربة فظيعة، يقول «أوريتز».. تجربة يَعتقد أنها تسببت في وفاة والدته بعد أشهر قليلة. وقد دفعه هذا الهجوم إلى البحث عن طريقة للخروج من البلاد والهجرة إلى إسرائيل. وقد سبق لأورينز أن زار إسرائيل- حيث هاجر إليها في 2006 ولكنه سرعان ما اضطر إلى العودة إلى فنزويلا عندما علم بأن والدته قد أصبحت طريحة الفراش- ويقول إنه على مدى تلك السنوات كان الحنين يشده إلى إسرائيل من جديد. واليوم، بات الوضع في فنزويلا جد سيء لدرجة أنه لم يعد يملك أي خيار آخر، كما يقول.

*صحفي يعمل مراسلاً لواشنطن بوست
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا