صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

مكاوي سعيد.. صديق «أولاد الشوارع»

مكاوي سعيد

مكاوي سعيد

حينما يغير المرء عنوانه، يغادر دنيانا ويسبق إلى ما كلنا إليه صائرون، تتضاءل البسمات وتتوارى الضحكات، الحزن وحده يتكاثف ويتغلغل ويملأ بحضوره الثقيل الأرواح والنفوس. أبت 2017 أن تغادر دون أن تخلف حزناً كبيراً وغائراً في جماعة الكتاب والمبدعين المصريين والعرب أيضاً. رحل «ميكي» الشهير بمكاوي سعيد صاحب «تغريدة البجعة»، و«أن تحبك جيهان»؛ عمدة زهرة البستان، صديق المثقفين وأولاد الشوارع والقطط! هكذا فجأة دون سابق إنذار، مفاجأة مدوية من مفاجآته التي كان يعشق إطلاقها في وجوه أحبائه وأصدقائه الكثر.

الإحساس بغياب مكاوي فادح، ناخز، موجع؛ لأنه كان يتمتع بعلاقات إنسانية متميزة مع كل الكتّاب؛ الكبار والشبان، حضوره الدائم وتربعه على عرش مملكته الخاصة؛ منطقة وسط البلد في قلب القاهرة، التي جسدها جيداً في أعماله التوثيقية الرائعة «مقتنيات وسط البلد»، و«كراسة التحرير». نجحت تلك الأعمال نجاحاً كبيراً في تجسيد جوهر الروح الخاصة لمنطقة وسط القاهرة الصاخبة المزعجة؛ الحية المتوهجة دائماً.

هي.. «تغريدة البجعة»
إجرائياً، يمكن اتخاذ تاريخ صدور روايته الاستثنائية «تغريدة البجعة»، نقطة فاصلة بين مرحلتين من حياته. بسبب هذه الرواية أصبح مكاوي من أكثر كتاب الرواية المعاصرين «جماهيرية»، ومن أقربهم إلى قلوب قرائه ومعجبيه.
وفي ظلال «تغريدة البجعة» التي صدرت طبعتها الأولى عن الدار التي يتقاسم ملكيتها وإدارتها مع صديقه الفنان التشكيلي محمد صلاح، نموذج لافت لرواية تعدد الأصوات الحقيقية، فهي رواية ترصد التحولات التي شهدها المجتمع المصري خلال عقد الثمانينيات‏،‏ من خلال شخوص ووقائع تدور في فلك منطقة وسط البلد ذات الطابع الإنساني الخاص والمختلف‏،‏ وهذه الشخوص من بينها الشاعر، والفنان التشكيلي، والسينمائي‏،‏ وكلهم يؤدي تغريدته الأخيرة قبل أن يشرف على الموت‏..
نجاح مدوٍ أصابته التغريدة، وحققت لكاتبها حضوراً غير مسبوق على خريطة الرواية المعاصرة، كان من نتائجه أن صدر منها ما يزيد على الطبعات العشر، وصدرت منها طبعة خاصة عن (دار الآداب) ببيروت، ثم صدرت منها طبعة جماهيرية شعبية في إطار مشروع (مكتبة الأسرة) الغني عن التعريف..
وترجمت الرواية إلى عدد كبير من اللغات الأوروبية، ورشحت لجائزة (البوكر) في نسختها العربية الأولى عام 2007 ووصلت إلى القائمة القصيرة التي تضم الروايات الست المتنافسة على الجائزة، ووقفت على قدم وساق مع أعمال عتيدة كان من ضمنها رواية المبدع والأديب الكبير بهاء طاهر «واحة الغروب» التي حصدت الجائزة عن جدارة واستحقاق.. صدرت له من قبل خمس مجموعات قصصية ورواية واحدة هي «فئران السفينة» التي تناول فيها أحداث 18 و19 يناير 1977‏،‏ وفاز عنها بجائزة (سعاد الصباح) للرواية‏.‏
وفي نصوص آخر مجموعتين قصصيتين له، وهما «سري الصغير» و»ليكن في علم الجميع.. سأظل هكذا» يتوارى مكاوي خلف المجازات وتكثيف الصور السردية كي يؤمن له مسافة كبيرة ليتكلم بلغة أكثر بساطة وسلاسة.
 
على الأصل «دوَّر»
مكاوي سعيد قاهري أباً عن جد، ولد بالقاهرة، وعاش ومات فيها ولم يخرج منها أبداً؛ كان يرى أن «القاهرة مدينة جميلة، ولكن مع الأسف تتبدل وتتغير إلى الأسوأ‏، ولذلك فدائماً ما تكون الخلفية المكانية لعدد كبير من أعمالي، وأنا أكتب عن المناطق الحميمة في حياتي في محاولة لكي تبقى حية في أذهان من سيقرأون رواياتي وقصصي لو قدر لها أن تبقى طويلًا في وجدان الناس»، هكذا أخبرني ذات حوار بيننا، وما أكثرها خاصة عقب صدور «التغريدة»، و«أن تحبك جيهان‏».
مساحة كبرى من شهرة مكاوي الإنسانية والفنية انبنت على علاقته الحميمة بمنطقة وسط البلد؛ تحول مكاوي إلى «علامة ثقافية» و»مزار سياحي» لكل من اتصل بقاهرة طلعت حرب وهدى شعراوي وميدان التحرير وما حواليه.
يقول لي، «أنا مولود بهذه المنطقة وأدرى بما يحدث فيها وكم التغيرات التي ألمت بها‏، وكم هي منطقة مهمة في مصر والعالم بدليل غزو الأجانب المتزايد‏، والذي لا يتوقف للمنطقة‏، وإقامتهم بها‏، والعبث الذي يحدث فيها منهم تحت سواتر مختلفة وأقنعة زائفة مهولة ونيات الله وحده أعلم بها‏».
على الرغم من أن مملكة وسط البلد احتلت الحيز الأكبر في حياة مكاوي سعيد، لكنه أيضاً عاش فترة من عمره في أحد أشهر الأحياء الشعبية في الطالبية القديمة؛ ستكون هذه الفترة هي البئر التي يمتح منها في كتابته لـ «تغريدة البجعة»؛ يقول: «عشت فترة مهمة من عمري في مكان عتيق في قلب الطالبية القديمة، في أحشائها العميقة التي تمتد حتى حدود الكُنيِّسة وأحفظها عن ظهر قلب، ما ولّد لديّ وعياً حاداً ومتقداً بالتغييرات التي تحدث في المكان وتحولاته العمرانية والديموغرافية.. وكان لهذا أكبر الأثر في خلفية كتابتي لـ «تغريدة البجعة».»

«مقتنيات وسط البلد»
صدرت طبعته الأولى عن دار الشروق المصرية عام 2010؛ وهو كتاب يتخذ من منطقة وسط البلد مسرحا تتحرك عبره شخصيات وأحداث مختلفة، ومركزا للحكايات والقصص التي يرويها عبر معايشة طويلة تصل إلى 35 سنة؛ تغيرات وتحولات المكان والشخصيات التي تمتد عبر أنحاء المعمورة بأسرها وتتماس أو تتقاطع مع الأحداث السياسية والاجتماعية والفكرية التي عاصرتها خلال هذه الفترة..
شخصيات مجهولة لا يعرفها أحد ولم يكترث بها أحد، كانت تنبئ بموهبة متفجرة وطاقات فذة وضخمة لكنها ذوت وانطفأت دون أن تحقق شيئاً، ماتت واندثرت دون أن تترك وراءها ما كانت تستحق أن تتركه ولجأت إلى الفرار من الإبداع بالهروب أو الجنون.
هذه التجارب كلها ضمنها مكاوي القسم الأول من الكتاب تحت عنوان «كتاب البشر»، أما القسم الثاني فجاء بعنوان «كتاب المكان» وهو أقرب ما يكون إلى قاموس مرجعي موثق؛ يسجل فيه مكاوي سيرة أماكن كانت قائمة في وسط البلد، ثم اندثرت ولم يعد لها وجود..
بشكل ما هو أقرب إلى التوثيق الخالص والتأريخ للمكان، سألته مرة عن هذا الكتاب، فقال «هذا كتاب من الكتب الملتبسة عليّ أو بمعنى آخر لا أستطيع أن أصنفه تحت أي نوع من أنواع السرد.. قد يكون رواية أو سيرة أو أي شيء آخر، وهذا في حد ذاته لا يعنيني.. ما يعنيني هو الكتابة فقط».

شخصيات مأزومة
في 2015 شهدت القاهرة تجمعاً أدبياً غير مسبوق؛ احتفالاً بصدور رواية مكاوي الجديدة «أن تحبك جيهان»؛ التي تقع في أكثر من 700 صفحة من القطع المتوسط. كانت مظاهرة حب حاشدة، لم يتخلف واحد من الكتاب أو المثقفين أو النقاد عن الحضور، ناقشه شاكر عبد الحميد ومحمود عبد الشكور، كانت الرواية آخر ما خرج إلى النور موقعاً باسمه!
«أن تحبك جيهان» رواية شخصيات بامتياز، رغم كثرة تفصيلاتها وأحداثها، فهي جدارية ضخمة لنماذج إنسانية مأزومة، وخريطة اجتماعية تشهد على فترة فاصلة في حياة مصر المعاصرة انتهت بتحولات كبرى، وكأننا أمام مرايا عملاقة نرى فيها صورة الداخل والخارج معاً، تكشف ولا تستر، وتقول ولا تصمت، البعض دلل على قوة شخوص الرواية بأنها تصل إلى درجة يستطيع قارئها بأن يصفها بأنها «منحوتة» وليست «مرسومة»، يمكن أن تلمس تضاريسها ومعالمها، وأن تسمع أصواتها، وأن ترى حضورها الطاغي، فهي ليست مجرد خطوط على الورق، تستكملها بخيالك، وتملأ فراغاتها، وتضيف إليها ألوانها؛ لقد قرأها البعض حقا باعتبارها «مرايا عاكسة لشخصيات مأزومة».
في كل ركن من أركان الرواية «شخصية»، وفي كل صندوق حكاية، وهذا ما يجعلنا نتحدث عن خريطة وجدارية للشخصيات، التفاصيل والأحداث والتحولات ليست في حقيقتها إلا ضربات إزميل النحات، لإخراج هذه الشخصيات الكامنة في حجر الواقع، من خانة الوجود بالقوة، إلى خانة الوجود «الفني» بالفعل، وكأن مكاوي سعيد يقول لنا: هذا قطاع من النخبة المصرية عشية انفجار الوطن بالثورة، سأقدمهم دون رتوش، بكل حياتهم وأزماتهم الشخصية، بأحلامهم وهواجسهم، الشخصيات لا تعاني من مشكلات مادية، لديهم أعمالهم أو أحلامهم، ومع ذلك فهم تائهون ومعلقون بين السماء والأرض، متمركزون حول ذواتهم، تفاجئهم الثورة، يظهر بعضهم في الميدان، تظل إرهاصات الانفجار في الخلفية، وبإشارات سريعة، حتى تصبح النخبة فجأة وسط الطوفان.
كل شخصية تحيا الحاضر وتتحدث عنه في تلك المرحلة المفصلية في العام 2010، وصولاً إلى الشهر الأول من 2011 الذي شهد انفجار الثورة المصرية، ولكن كل شخصية أيضا مشدودة إلى الماضي، من خلال شخصيات أخرى تحكي عنها، لعبت وتلعب دوراً في المسير والمصير.
تمسك مكاوي بالقالب الواقعي في مواجهة طوفان التجريب والتغريب واللامعقول يحمل دلالة: «أنا أنفر من المغامرات الشكلية، وما يسميه البعض بالتجريب الروائي الذي يقوم على استدعاء أو استيحاء أشكال فنية ظهرت في أوروبا وأمريكا اللاتينية، هي الآن باتت في ذمة التاريخ»، حد وصفه.
يخبرني «القالب الواقعي والسرد الواقعي هما الأقرب إلى قلبي والأكثر راحة وملائمة لي حين أكتب، فأنا لا يعنيني أن أقوم بعرض تجربة أو مغامرة شكلية تخاصم الواقع والقارئ معا، وتتعمد المجافاة والبعد عن تصورات القارئ وأفق توقعاته الخاصة بشأن النص الذي يعاينه. لقد وقعت عقد اتفاق مع القارئ منذ رواية «تغريدة البجعة»، قبلني بها وقبل روايتي وتلقاها بحب واحتفى بها أيضا، وفي روايتي الجديدة «أن تحبك جيهان» أخلص لهذا العقد ولهذا القارئ».
قال مكاوي إنه استغرق ما يقرب من ثماني سنوات للفراغ من الرواية التي جاءت مفاجئة له من حيث حجمها، لكنه قرر الاحتفاظ بها على صورتها التي انتهت إليها، ولم يقم بحذف سوى خمسين أو ستين صفحة رأى أنها لا تؤثر على «عضم الرواية» وهيكلها.

بلا ختام.. بلا وداع
قبل المغادرة بساعات، قام من على كرسيه في زهرة البستان، هكذا هو إذا ما قرر القيام بأمر ما، يجلس فجأة يتدخل في الحديث، أو يقوم فجأة يغادر إلى حيث يريد، ظهيرة الجمعة ترك تجمع الأصدقاء في «القعدة الأسبوعية» الثابتة، بدا عليه غير قليل من التعب والإرهاق، بعض الأصدقاء حاول أن يقوم بتوصيله ومصاحبته إلى المنزل.. رفض!
تابعوه بأعينهم قبل أن يتجه إلى شارع فرعي نظر إليهم، لوح بيده مسلما.. سلام!
غاب عن أعينهم، وفي اليوم التالي.. قالوا إنه رحل.. هكذا بلا ختام ولا وداع!