صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

دافنشي والمخلّص.. في أبوظبي

لوحة دافنشي «مخلّص العالم»

لوحة دافنشي «مخلّص العالم»

قبل أيام قليلة كانت صالة «كريستي» الشهيرة للمزادات في نيويورك، تعلن وبشكل رسمي عن أن أشهر لوحة فنية في عالمنا المعاصر، وتعود للفنان الإيطالي الأشهر ليوناردو دافنشي، وتحمل اسم «مخلِّص العالم» Salvatore Mundi، تذهب إلى دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي، ومضيفة في بيان لها: «نحن سعداء بأن نرى هذه اللوحة الرائعة متاحة للجماهير في متحف اللوفر أبوظبي». والمؤكد أن بيان «كريستي» هذا، وإذ ينهي تهويمات عديدة وإشاعات كثيرة تناثرت حول مشتري اللوحة، ما فتح الباب من جديد للحديث عن إشكالية «تسييس الثقافة»، إلا أنه يفتح العديد من مجالات التأمل الذهني في اللوحة وما ورائياتها من جهة، وعن العبقري الذي رسمها وعن فنه، وأسرار حياته وموته.. وكذا عن الثقافة عندما تصبح غذاءً روحياً للأمم والشعوب، الأمر الذي تسعى الإمارات العربية المتحدة في سبيله صباح مساء كل يوم، إذ تؤمن بأن الإنسان هو القضية والإنسان هو الحل.

ترى أيهما الأهم لنبدأ معه القراءة: هل لوحة دافنشي أم دافنشي عينه؟
حكماً، يبقى الصانع سيّد صنعته، ولهذا يبقى الفنان الإيطالي ليوناردو سيربيرو دافنشي، إحدى أهم علامات عصر النهضة في أوروبا عامة وإيطاليا خاصة، الأجدر بالتوقف أمامه ملياً، سيما أنه لم يكن رساماً فحسب، بل مهندساً، وعالم نبات، وعالم خرائط، وجيولوجياً، وموسيقياً، ونحّاتاً، ومعمارياً، أي إنه كان مجموعة من العبقريات، لا عبقرية واحدة.

إنسان بمفرده
في هذا الإطار تصدق الموسوعات العالمية التي تتناول سيرته عندما تصفه بأنه «إنسان بمفرده»، جسّد معنى ومبنى عصر النهضة، فقد امتلكه فضول جامح، وصحبه في رحلته الحياتية «خيال إبداعي محموم».
عبقرية دافنشي تتمثل في أنه وعلى عكس غالبية ـ إن لم يكن كل فناني عصر النهضة ـ لم يتلق تعليماً رسمياً، وجلّ ما تحصل عليه هو أبجديات القراءة والكتابة، ومبادئ الرياضيات في منزل والده، فيما كانت الطبيعة من حوله مدرسته الأولى، والتأمل فيها رائده للإبداع والابتكار.
يوماً تلو الآخر، لا تزال أعمال دافنشي تسحر ألباب الناظرين، وفي المتاحف الدولية تراهم يقفون أمامها مشدوهين مندهشين متسائلين عن السرّ وراء كل لوحة، عاجزين عن فك أسرارها، ما دعا الأدباء والمؤلفين من أمثال الأميركي دان براون، لإطلاق العنان لمخيّلاتهم، مستخدمين لوحات دافنشي في رسم أحداث لا تمت للواقع، كما رأينا في رواية «شفرة دافنشي» المنطلقة في بنيتها السردية والهيكلية من لوحة «العشاء الأخير».
على أن علامة الاستفهام، ونحن بصدد الاقتراب من عبقري عصر النهضة، هو: بأي روح رسم دافنشي لوحاته؟ ثم الأهم: هل حقاً أنه أودعها أسراراً سوف تكشف عنها قادمات السنين؟

الغموض الخلاّق
هل لنا أن نصف لوحات دافنشي بأنها لوحات تحمل من الغموض الخلاّق والمحبّب إلى النفس، أكثر مما تحمل من المباشرة والصراحة والوضوح؟
أغلب الظن أن الذين قدّر لهم الوقوف أمام بعض لوحات الرجل، لا سيما لوحة «الموناليزا» في متحف اللوفر في العاصمة الفرنسية باريس، ومنهم كاتب هذه السطور، قد أصيبوا بحيرة في فهم أبعاد الابتسامة غير المفهومة للـ«جيوكاندة»: هل هي ابتسامة فرحة، أم هي فرحة ممزوجة بحزن نبيل؟ ثم هل كانت الموناليزا، فتاة دافنشي وحب عمره كما قال البعض، أم أنها إحدى عشيقاته؟ وربما كما يذهب البعض الآخر إلى أنها إحدى سيدات الطبقة الراقية، التي كلفه زوجها برسم صورة لها، يخلّد فيها حب الزوج لزوجته؟ وما نقوله عن الموناليزا ينسحب كذلك على العديد من صوره الخالدة في سجل الفن العالمي.
قبل عقد من الزمن تقريباً، حاول فريق من علماء جامعة فلورنسا الإيطالية فك أسرار دافنشي، وكيفية رسمه للوحاته بهذه الصورة الغنية، وبعضها يتجاوز في دقته، الصور الفوتوغرافية التي عرفها العالم بعد مئات السنين.
الفريق المشار إليه، وعبر لوحة «العذراء والمغزل»، استطاع الوصول إلى أن دافنشي لم يكن يمزج الألوان على «لوح المزج التقليدي»، ذاك الذي كان شائعاً في عصره، وإنما كان يعمل دائماً على وضع طبقات قليلة السماكة على القماش مباشرة بألوان مختلفة بعضها فوق بعض، ليمنح اللوحة ملمساً غنياً.
ضمن الأسرار المثيرة عن لوحات دافنشي، ما اكتشفه أحد العلماء الفرنسيين عام 2016، عندما استخدم تكنولوجيا الضوء العاكسة لفحص لوحة «الموناليزا»، فقد وجد من تحتها صورة خفية مطابقة إلى حد ما في صورة الموناليزا من ملامح، عطفاً على ابتسامتها الغامضة.
باحثة أخرى تدعى ليليان شوارتس، أكدت بعد فحص طويل للوحة «الموناليزا»، أنها صورة لـ دافنشي نفسه، متنكراً في صورة امرأة، سيّما أن وجه الموناليزا يتطابق تماماً مع وجه دافنشي..
هل من لوحة أخرى تثير حيرة الباحثين؟

مستودع الأسرار

يسجل لنا تاريخ الفن عام 1495 بنوع خاص، فخلاله طلب عمدة مدينة ميلان الإيطالية لودوفيكو سفورزا من دافنشي، أن يرسم له صورة العشاء الأخير للسيد المسيح مع تلاميذه، تلك اللحظة الدراماتيكية التي يقدّرها المسيحيون عبر تاريخهم الطويل، باعتبارها اللحظة أو اللحظات الأخيرة قبل أن يتم تسليمه إلى اليهود لكي يصلبوه وفقاً للاعتقاد المسيحي.
لم يجد دافنشي أفضل من جدران قاعة الطعام في دير «سانتا ماريا» في تلك المدينة، لينشئ لوحة تبلغ ثمانية أمتار و83 سم عرضاً، و4 أمتار و57 سم ارتفاعاً، والصورة ـ بهذه الأبعاد ـ تكاد تنطق بلسان كل واحد فيها من مجموعة الحواريين بسبب دقة الملامح، ووضوح الرؤية، وجلاء التفاصيل.
وعليه فإن لوحة «العشاء السرّي» أو الأخير، بما فيها من تفاصيل تعكس الصمت الرهيب الذي يلف تلاميذ السيّد المسيح، وإطباق السيّد لعينيه، وتوزيعهم حول المائدة، تكاد تخبرنا بأن المشهد من حوله ينبئ بأن رحلته على الأرض قد انتهت، وأنه لم يتبق أمامه سوى بضع ساعات.
لكن دافنشي هو دافنشي، لا يمكن أن يتم عملاً إلا ويترك وراءه من الأسرار ما يشغل العقول، إذ لم يُعرَف عنه الورع أو التقوى أو الانتماء الكنسي العميق، على خلاف كل من مايكل أنجلو أو رفائيل، من كبار أعمدة زمن النهضة، ولهذا أثارت اللوحة الكثير من علامات الاستفهام حول شخصية دافنشي، وفيها الكثير مما ليس مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالمسيحية التقليدية، التي رسمت الصورة في الأصل للتعبير عنها. وعن هذا يقول بعض رواة سيرته الشخصية، أنه وضع لمسات تتصل بكونه أحد المنتمين لعقيدة سرية مخالفة للعقيدة المسيحية الكاثوليكية، التي كانت سائدة في أوروبا في ذلك الوقت.
من ذلك، على سبيل المثال، أنه جرى العرف بين فناني أوروبا في تلك الفترة الزمانية البعيدة، أن يرسموا هالة من النور على رأس السيّد المسيح لتبيان تفرده عن بقية البشر، لكن دافنشي نراه لا يهتم، ولا يرسم تلك الهالة، ما يعني أن لديه رؤية أخرى للسيّد المسيح، وعلى خلاف المعتقد المسيحي يراه بشراً فانياً وليس شخصاً مقدساً.
أما الفخ الأكبر الذي تركه دافنشي من ورائه في لوحة «العشاء الأخير»، فيتصل بالشخص الجالس على يمينه في الصورة، وهو بحسب التقليد الفكري المسيحي، التلميذ الأقرب إلى قلبه «يوحنا الحبيب»، وغالباً ما كان التلميذ البتول غير المتزوج من أتباعه وحوارييه، لكن دافنشي رسم «يوحنا» بملامح أقرب ما تكون للأنثوية.
في كل الأحوال فإن دراسة دافنشي لعلم التشريح، ضمن عبقرياته المتعددة، جعله ناجحاً إلى أبعد حد في تصوير ملامح الوجوه بقدرة نادرة في انفعالاتها الدقيقة، وهو الأمر الذي يقودنا للحديث عن جوهر اللوحة التي عرفت بـ«مخلّص العالم»، التي ذكّرت العالم مؤخراً، ومن جديد، بسيرة ومسيرة العبقري الإيطالي.

الكنز المفقود
يكاد العالم برمته يتحدث عن لوحة «مخلّص العالم»، لا لأن ثمنها غير مسبوق في عالم الفن حول العالم، إذ بيعت بمبلغ 450 مليون دولار، وإنما الحديث حول اعتبارها كنز دافنشي المفقود.
ألوان اللوحة الأزرق والقرمزي لهما دلالات الأرض والسماء، فالأزرق هو لون صفحة السماء، فيما القرمزي هو لون الأباطرة على الأرض، وغالباً ما كان لباس الأمراء والملوك في عصر النهضة، وتمثّل اللوحة السيد المسيح رافعاً يده اليمنى في وضعية منح البركة، تلك الحركة التقليدية التي كان يقوم بها الباباوات ورجال الدين المسيحي بمباركة الجماهير في الكنائس والساحات، وفي اللوحة يرفع السيّد المسيح إصبعين، السبابة والوسطى، في حين يحمل في يده اليسرى المفتوحة كرة من الكريستال الشفّاف ترمز إلى الكون والسماء.
هل نحن بإزاء اللوحة الأخيرة التي رسمها دافنشي، في الفترة ما بين عامي 1506 و1516 بطلب خاص من الملك لويس الثاني عشر؟
من هنا تبدأ القصص والروايات، وبعضها يشير إلى أن لوحة «مخلّص العالم» كانت ملكاً للملك تشارلز الأول ملك بلاد الإنجليز، وأن المرة الأولى التي ظهرت فيها في مزاد علني كان عام 1763، غير أنها ظلت نحو قرن ونصف القرن مختفية، إلى أن ظهرت مرة جديدة عام 1958 لتباع لشخص أميركي بمبلغ زهيد لا يتجاوز 45 جنيهاً إسترلينياً، وينتهي بها المطاف في حوزة الملياردير الروسي «ديمتري ريبولوفليف» الذي كان قد دفع فيها 127.5 مليون دولار عام 2013.
غير أن هذا الثمن الباهظ لم يكن ليدفع في لوحة لو لم يتم التأكد من أنها إحدى إبداعات دافنشي، وليست لوحة مزورة أو مدسوسة على الرجل، والسؤال كيف جرى ذلك؟
كان العام 2011 عاماً فاصلاً في تاريخ تلك اللوحة، وذلك حين أعلن خبير اللوحات الأميركي روبرت سيمون، أنه يمتلك لوحة دافنشي المفقودة، وأنه على وشك ترميمها، وأنه سيتم تأكيد صحة أصلية اللوحة بعد الترميم والعرض.
هل كانت هناك مخاوف من أن تكون اللوحة غير حقيقية؟
بالقطع حدث وذلك، والسبب هو وجود ميل لدى العديد من كبار الفنانين العالميين، الأوروبيين بنوع خاص، لرسم المشهد عينه، وقد فعل عدد منهم هذا الأمر مع لوحة «مخلّص العالم»، مثل جان فان إيك، وألبرخت دورر، وهناك أيضاً العديد من الرسومات المنسوخة عن هذا الشكل ينسب إلى تيتان، وقسم منها موجودة في متحف الأرميتاج بسان بطرسبرج في روسيا.
ولأن الحكم هنا مسألة شائكة، لذا تكوّن فريق من الباحثين والخبراء من كل أنحاء العالم، وفي المقدمة منهم البروفيسور الإيطالي الأشهر في عالم دافنشي بيترو ماراني، الذي انضم للفريق الذي استخدم عدة تقنيات متقدمة منها: التصوير بالأشعة، والتحليل الطيفي، والمسح بالأشعة تحت الحمراء...
فهل حدثت المفاجأة المنشودة؟
الشاهد أن التحليلات أظهرت خطباً جللاً كان مخبأً خلف طبقة من الدهان الباهت، إذ ظهرت لوحة المخلّص الحقيقية لدافنشي، تلك التي سمع بها الخبراء المختصون في فنون دافنشي وآدابه وتراثه طويلاً، وإن لم يقدّر لأحد منهم رؤيتها قط.
هل من قرائن تؤكد أصلية اللوحة التي نحن بصددها؟
الشاهد أن دراسات عديدة أجريت عليها أكدت أنها عمل من أعمال دافنشي قولاً واحداً، ومنها الرسم المبدئي أي «الاسكتش» الذي ظهر في الأشعة تحت الحمراء، ما دعا المرممة والخبيرة ماريا فيوري لأن تجزم بأن «أصلية اللوحة» ليست مجالاً للشك بعد الفحص.
هل انتصر دافنشي على بابلو بيكاسو؟
يمكن أن يكون ذلك فقط في عالم المزادات، في حين يبقى لكل منهما توجهه الفني والإنساني، أما حديث الأرقام فيخبرنا بأن أعلى سعر دُفع في سوق الفن حتى العام 2015 كان من نصيب لوحة «نساء الجزائر» لبيكاسو، التي وصل ثمنها إلى 179 مليون دولار، في حين ثمنت لوحة «مخلّص العالم» بنحو 450 مليون دولار.
غير أنه لم يكن العاملون في مجال الفنون ليتوقعوا أن لوحة دافنشي التي حققت رقماً قياسياً في سوق الفن، سوف تثير فصلاً جديداً من فصول «المكايدة السياسية» أو «عدم الأخلاقية الإعلامية المهنية»، ناهيك عن تسييس الثقافة بالقدر الذي رأيناه.. فما الذي جرت به المقادير؟

تسييس الثقافة
كشفت أحداث عرض وبيع ومن ثم شراء لوحة «مخلّص العالم» وجهاً مألوفاً عند البعض وظاهرة تنسحب على الشرق والغرب على حد سواء، تلك المعروفة بظاهرة «تسييس الثقافة» عوضاً عن «تثقيف السياسة»، سيّما أن السياسة فعل وحالة خاصة، بينما الثقافة فضاء عام، ولا تزال الأزمة مشتعلة بين قطاعي الثقافة والسياسة، ورغم أن حسم من المخطئ ومن المصيب في جدلية العلاقة بين المثقف والسياسي، فإنه يمكننا القول وبقلب مطمئن وضمير صريح، إن الساسة يمتلكون الأدوات التنفيذية، التي تيسّر لهم الحصول على المعلومات المصنّفة سرّية، والتلاعب بها في سوق الثقافة، عبر مشاهد ديماغوجية لا تنطلي أبداً على المفكرين والمثقفين الثقات، وإنما تنسحب على العوام والدهماء من أصحاب الرايات الفاقعة والأصوات الزاعقة.
ما جرى بشأن لوحة «مخلّص العالم» أظهر وجهاً مزيفاً وغير صادق لأجهزة استخبارات وصحف دولية، سيّست ما هو ثقافي، في محاولة منها للتأثير على المشهد العربي الداخلي المرتبك بفعل تدخلات خارجية لا تخفى عن أعين الناظر المحقق المدقق للمشهد.

بين ثنايا الأحاديث الأميركية المسرّبة، راج القول، عن قيام وكالة الاستخبارات الأميركية بالإشارة إلى اسم مشتري اللوحة، الذي لم يكن قد تم الإعلان عنه حتى ذلك الوقت. وقال مسربو المعلومة، بأن الأجهزة الأميركية، بحثت في خلفيات الرجل المشتري (وهو بحسب ما ادعت: الأمير بدر بن عبدالله بن محمد بن فرحان آل سعود)، ولم تجد له تاريخاً يربطه بالفن ولا الفنون، وكذلك لا يوجد لديه من الأرصدة والمقدرات المالية ما يسمح له بدفع المبلغ.
هنا انبرت صحيفتان من كبريات الصحف الأميركية: «النيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» لتبدعا أقصوصة تقول: بأن الشاري الحقيقي للوحة هو ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
وهنا أيضاً، تبدّت المكايدة السياسية، إذ ربط أصحاب النوايا غير الصالحة بين مسألتين على نحو متعسف، هما: حملة مكافحة الفساد في السعودية، وشراء اللوحة.
باختصار غير مخل، أنهى البيان الرسمي الذي صدر عن السفارة السعودية في واشنطن اللغط الدائر، وحسم الأمر بإيضاح الحقيقة، المتمثلة في أن دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي، هي التي اشترت اللوحة لعرضها في متحف اللوفر أبوظبي، وهذا ما أكده أيضاً بيان صادر عن الجهة الاماراتية.
التساؤل الحقيق بأن يطرح هو: لمصلحة مَنْ إطلاق الإشاعات التي تحوّل الجهد الثقافي المرتفع تحت راية الفنون والآداب، إلى وسيلة لنشر البلبلة في أوساط جلّها منبتّ الصلة بعالم دافنشي وعبقريته الإبداعية؟ يكاد المرء يجزم بأن مشهد «تسييس» لوحة دافنشي يحمل معاني مزعجة، سيّما أن صحيفتين كبيرتين من صحافة الولايات المتحدة وقعتا في خطأ خلط الأوراق، لصالح موجة جديدة من الهجومات تنتظر عالمنا العربي والإسلامي، حتى وإن اتخذت لها أدوات ثقافية، وغير بعيد عنا، العدد الكبير من المستشرقين الذين جعلوا من أقلامهم معاول للهدم في بنية العالم العربي الهيكلية، من خلال التلاعب المفضوح بتكويناته المجتمعية منذ عقود وحتى الآن.
رسالة أبوظبي
أحد الأسئلة التي يرددها «حزب أعداء النجاح»، وفريق «المتنطعين فكرياً» في عالمنا العربي، هو: ما الداعي لإنفاق مثل هذا المبلغ الهائل، على لوحة ربما لا تختلف كثيراً عن غيرها من اللوحات؟
السؤال في حقيقة الأمر يتناسى أمراً فريداً، وهو أن الفنون في عصرنا، لها فائدة بل فوائد عظيمة، إذ يناط بها محاولة التوازن بين ما ترنو إليه النفوس من روحانيات وصفاء ونقاء، وما يمضي فيه العالم من صراعات قاتلة تدور كلها حول محور المادة والماديات وصراع الموارد.
لوحة دافنشي هي قدر من الأفكار والمشاعر، من الرسالة الإنسانية، ومن تذكير العالم الغربي اليوم بأن رسالة السيّد السيح قد حملت من التسامح والتصالح والمحبّة، ما ينافي ويجافي شهوة السلطة والسيطرة غير المسبوقة التي تعيشها حكومات وأنظمة الغرب. وملامح الصورة تحمل من الوداعة والتواضع، ما يختلف عن الغرور والغطرسة لدى كثير من ساسة الغرب اليوم. ولعل من يتابع نهج دولة الإمارات العربية المتحدة، الحاضنة بين ضلوعها لأوسع طيف من الجنسيات، سيجد أنها تتوجه إلى العالم، مجتمعات ودول، برسالة تحكمها قاعدتان: التسامح، كمفهوم حضاري أرسى دعائمه الإسلام وكل الأديان السماوية، واحترام إنسانية الإنسان بمكوّناته الروحية والثقافية والحضارية. وبهذا المعنى، فأن تكون لوحة دافنشي «مخلّص العالم» في أبوظبي، وفي أهم معلم حضاري فيها «اللوفر أبوظبي»، هو كتابة فصل جديد من فصول رسالة التسامح والإنسانية التي تسّطرها الإمارات العربية.
وبات من المسلم به، أن الفنون في الشرق بشكل عام تكاد أن تضحى أحد أهم المسارب الإنسانية في مواجهة العنف والإرهاب وأشكال الأصولية كافة، ونشر الفنون بين الناس يرقّي النفوس، ويطهّر الأفئدة، ويبلور العقول، ويفتح الأذهان على الآخروقبوله، ولكي لا يضحى الآخر هو الجحيم كما ذهب إلى ذلك فيلسوف الوجودية الأشهر جان بول سارتر في ستينيات القرن المنصرم. هل تضيف هذه الرؤية قيمة ما لمجموع قيم وتوجهات متحف «اللوفر أبوظبي»؟
عند المتعصبين والمتشددين، إنها لوحة تخالف العقيدة الإسلامية، فيما أصحاب هذا الرأي هم أكثر من يتحالفون مع أعداء العرب والإسلام، وفات هؤلاء أن فلسفة «اللوفر أبوظبي»، النابعة من رؤية إماراتية شاملة؛ هي بناء رؤية إنسانية حضارية تنقذ البشرية من جحيم «الشرّ المجاني» و«تضادات الكراهية» السائدة في طريقها، دولاً وجماعات.
ويكاد عرض هذه اللوحة بشكل خاص أن ينطق بوحدة الأديان والإنسان، وبالهدف الرئيس الذي تنزّلت من أجله الكتب السماوية، وهو خدمة الإنسانية.
اللوحة وتاريخ دافنشي يشيان، بأن الحضارة الإنسانية نبع ومعين واحد، وليست حضارات مختلفة، حضارة صب فيها الجميع ما فاض عنهم في وقت الفيض، وخزّنوا ما شاء لهم أن يخزّنوا من كنوز الإنسانية وقت الحصاد، وأخذ الجميع منه في أوقات الجدب الإنساني مثل تلك التي نعيشها في أيامنا، وما بها من اضطراب أصوليات وصحوة قوميات وتعصب راديكاليات.

البقاء والفناء
حين رحل دافنشي عن عالمنا الأرضي، في أبريل (نيسان) من عام 1519، حزن عليه الأوروبيون بعمومهم. ذلك أنهم خسروا في ذلك النهار، إنساناً سبق عصره، رغم ظروف الألم التي نشأ فيها من جراء عدم اعتراف أبيه الثري بأمه المتواضعة المرتبة طبقياً.
كان دافنشي سابقاً لعصره، ومختلفاً عن أقرانه، وقيل عنه إن ريشته لم تكن لتجاري ما يدور بذهنه من أفكار وثّابة؛ ومع ذلك لا تزال خطوطه ولوحاته تمثل الأغلى قيمة وثمناً مالياً وأدبياً حول العالم.
هل من لوحة في العالم الآن أغلى من لوحة «مخلّص العالم»؟ الجواب: نعم، إذ تعد لوحة «الموناليزا»، الموجودة حالياً بمتحف اللوفر بباريس هي أغلى لوحة في العالم، حيث بلغ تقدير ثمنها مليار دولار (وإن كانت لا تقدر بمال). ومعروف أنها تعرضت للسرقة عام 1921، وتم استردادها مرة أخرى، ومؤخراً كشفت إدارة اللوفر الفرنسي عن أن رسوم تأمينها قد بلغت 100 مليون دولار، غير أن متحف اللوفر فضّل تكثيف إجراءات الحماية من حولها عوضاً عن دفع ذلك المبلغ الباهظ.
كيف كانت نهاية دافنشي؟
هناك القليل جداً من المعلومات عن ظروف وفاته، وإن كان ما هو متاح يشير إلى أنه أحس بدنو أجله، ولهذا كتب وصيته قبل أيام قليلة من موته، ووزع ممتلكاته بين إخوته في فلورنسا، ووهب الباقي للفقراء والمحتاجين. وهذا يفتح باب النقاش حول حياته الخاصة، وهل أنه لم يتزوج ولم ينشئ أسرة، مفضلاً التفرّغ لاختراعاته ورسوماته، أم أن حياته الخاصة ظلّت سرّاً كبقية حياته العامة؟ مهما يكن من أمر، فإن الدراما الدافنشية تصل إلى ذروتها عندما تخبرنا الرواية التاريخية أن قبره قد نُبش ورفاته قد ضاعت، ومحتويات قبره قد سرقت، والسبب مثير جداً ومبكٍ في الوقت ذاته: صراع بين الطوائف المسيحية...!

المتنقّل الدائم
ولد ليوناردو دي سير بيرو دا فينشي في 15 نيسان 1452، في مزرعة تبعد نحو 3 كيلومترات من المدينة بين أنجيانو وفالتوغنانو.
كان دافنشي موسوعياً ينتمي إلى عصر النهضة، وجسّد روح عصره كاملاً، وقد وُصف بأنه رجل ذو «فضول جامح»، وصاحب «خيال إبداعي محموم».
كانت لديه اختراعات كثيرة، ولكنه لم يلوّن الكثير منها لأنه لم يكن راضياً قط عن نفسه. كما كان خطيباً مفوهاً، ومنشداً نادراً، ودائماً ما كان ينتج أشياءً جديدةً.
تنقّل دافنشي في أنحاء أوروبا، خصوصاً بين إيطاليا وفرنسا، وخدم بفنه العديد من الملوك والأسر الأوروبية المالكة.
في سنواته الأخيرة، سافر ليوناردو (1506) إلى ميلانو بدعوة من حاكمها الفرنسي شارل دامبواز، وخلال السنوات اللاحقة أصبح رسام القصر المعتمد للملك لويس الثاني عشر في فرنسا. وانهمك في ميلانو بمشاريعه الهندسية.
ومن سنة 1514 إلى سنة 1516 عاش في روما بضيافة البابا لاون العاشر، وشغل نفسه بالتجارب العلمية. وفي سنة 1516 سافر إلى فرنسا ليكون في خدمة الملك فرانسيس الأول.
أمضى سنواته الأخيرة في تشاتيو دو كلو قرب أمبوس، حيث توفي سنة 1519 عن عمر يناهز 67 عاماً.
واليوم هناك أكثر من نصف مليون زائر سنوياً لمتحف ليوناردو في مسقط رأسه.

من أقواله
سجلت لليوناردو دافينشي، الكثير من الأقوال التي توضح فلسفته من البشر، والحياة، والموت، هنا بعضها:
إن الطبيعة لطفت بنا، لأنها جعلتنا نعثر على المعرفة حيثما أدرنا وجوهنا في هذا العالم.
إن الرجال الأجلاف ذوي الإدراك السطحي، لا يستحقون سوى كيس يستوعبون به طعامهم ويخرجونه ثانية، لأنهم لا يعدون إلا أن يكونوا قناة هضمية.
كثيرون هم الذين اتخذوا من الأوهام والمعجزات الزائفة وخداع البشر تجارة لهم.
ما أن تتذوق طعم الطيران ستسير دوماً على الأرض فيما عيناك معلقتان في السماء، حيث إنك كنت هناك، وإلى هناك ستتوق إلى العودة دوماً.
ما تلمسه من النهر هو مؤخرة الماء الذي عبر، وطليعة الماء الذي سيعبر، كذلك الزمان.
البساطة منتهى التأنق.
أذهب للريف للبحث عن إجابة للأشياء التي لم أفهمها.
الحديد يصدأ من الإهمال، المياه الراكدة تفقد نقاءها، وتصبح متجمدة في الطقس البارد، وبالمثل يفعل الكسل، إنه يستنزف قوة العقل.
المعرفة لا ترهق العقل أبداً.
الدموع، مصدرها القلب، وليس العقل.
لقد استيقظت، ولكني وجدت أن العالم ما زال نائماً.
كل يوم نقضيه بشكل جيد يجلب لنا نوماً سعيداً..
كذلك حياة نستخدمها بشكل جيد تجلب لنا موتاً سعيداً.
لتنمية فكر ناضج أدرس علم الفنون..
أدرس فن العلوم..
تعلم كيف تبصر..
أدرك أن كل شيء مرتبط بكل شيء آخر.
الطبيعة لا تخرق قوانينها قط.