الثلاثاء 5 يوليو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
عربي ودولي
زيارة رايس للعراق··والفرصة الأخيرة لحكومة المالكي
13 أكتوبر 2006 01:26
د· رسول محمد رسول: بعد أن أنهت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس جولتها في إسرائيل يوم الخميس الماضي توجهت إلى بغداد قادمة إليه عبر (قاعدة آنجرليك) الأميركية في جنوب تركيا· وجود رايس في العراق جاء بعد زيارة شخصيات أميركية عدة إلى بغداد كان مركز الثقل فيها جولة جيمس بيكر والنائب السابق في الكونغرس الأميركي لي هاملتون إلى بغداد، وثم تبعه وفد أميركي رفيع زار العاصمة أيضا والتقى المسؤولين هناك··وبدت تلك الزيارات كأنها تصب في مجرى واحد هو التعرُّف عن كثب إلى مجريات ما تقدِّمه حكومة المالكي في شأن مواجهة التحديات التي تواجهها من أجل تطبيع الأوضاع والنهوض بواقع العراق الجديد، خصوصاً محاولة الحصول على تقدِّم في شأن الملف الأمني الذي يعصف العنف الدموي فيه إلى مزالق الهاوية المرة· يعتقد بعض الخبراء السياسيين أن تواتر زيارات المسؤولين الأميركيين المكرورة إلى بغداد إنما يأتي في ضوء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، إلا أن الأمر لا ينحصر في هذا المستوى؛ فالولايات المتحدة الأميركية تبدو في ورطة حقيقية بالعراق في ظل التدهور الشامل الذي يلقي بظلاله على الوضع هناك من شماله إلى جنوبه، خصوصا بعد أن صار الانفلات الأمني ينخر في الجسم العراقي من داخله وعلى نحو موجع الأمر الذي صار العراق على مقربة حقيقية من هاوية السقوط في أوحال الانفلات الأمني الشامل· مسائل حرجة! رايس، وعندما وصلت إلى بغداد، سارعت إلى لقاء أطراف عديدة بالحكومة العراقية، وآثرت اللقاء على انفراد مع أعضاء رؤساء الكتل السياسية المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية الراهنة، وكان في ذلك مغزى؛ إذ يبدو أنها أرادت أن تسمع من الجميع ولكن على انفراد، وفي الوقت نفسه تسعى إلى توجيه كل هذه الفصائل على انفراد أيضا ولكن ضمن توجه أميركي موحد· وفي أي حال تبدو زيارة رايس إلى العراق أنها انقسمت إلى شطرين، شطر بغداد وشطر المنطقة الكردية العراقية، وفي كل شطر كان لرايس وجهات نظرها التي عبَّرت عن موقف الإدارة الأميركية من مما يجري في العراق، ولكن في مسائل حرجة هذه المرة· مع أن السفير الأميركي بغداد زلماي خليل زاد يلتقي يوميا ورؤساء الكتل السياسية، وهو على إطلاع دائم على مجريات الوضع في العراق تفصيلياً، إلا أن رايس آثرت اللقاء مع رئيس وأعضاء كتلة التوافق العراقية التي تضم أطيافاً سياسية يرأسها الدكتور عدنان الدليمي والشيخ خلف العليّان والدكتور محمود المشهداني، رئيس مجلس النواب العراقي، التي طالبت واشنطن بضرورة فتح الحوار بينها وبين الجماعات العراقية المسلحة· لم يمض على مطالبة كتلة التوافق الوزيرة رايس تلك سوى ساعات قليلة حتى أعلن الجيش الإسلامي في العراق، وهو جماعة مسلحة مقاتلة ومناوئة للنظام السياسي الجديد في العراق، عن رغبته في محاورة الأميركيين والدخول في تفاوض حقيقي معهم· وحتى الآن بدا مشروع الجيش الإسلامي أنه الأول من نوعه في سياق ظهور الجماعات العراقية المناوئة لمشروع واشنطن الجديد بالعراق، فقد ظهر ناطق باسم الجيش الإسلامي باسمه الحقيقي (إبراهيم الشمّري)، كما أن الجماعة طرحت مشروعاً لا يبدو أنه مشروط بما هو ثقيل على الإدارة الأميركية، خصوصاً وأن مطلب الاعتراف بالمقاومة ذاب في تعقد الأحداث التي تمر على العراق، كما أن المطالبة بانسحاب القوات الأميركية من العراق يواجه مأزقاً بعد أن طالبت جماعات عراقية سنية مسلحة ومدنية بضرورة بقاء القوات الأميركية بالبلاد لحفظ الكثير من شرائح المجتمع التي تواجه حرباً مذهبية شعواء في بغداد خاصة· لقد عبَّر الشيخ خلف العليان، العضو البارز في كتلة التوافق العراقية، عن موقف تلك الشرائح في حوار تلفازي معلقاً على مبادرة الجيش الإسلامي تلك؛ إذ قال لقناة (الجزيرة) يوم الجمعة الفائت:'' إننا نعترف بالمقاومة منذ البداية، ونريد خروج القوات الأميركية، ولكن الظرفية الآن تغيرت'' ولكأنيَ به هنا يريد أن يقول للجيش الإسلامي: تعالوا للتفاوض مع الأميركيين من دون شروط، فذاك هو الطريق الأنجع للوصول إلى بر الأمان! تزامن مجيء رايس إلى بغداد والإعلان عن مشروع الجيش الإسلامي للحوار مع الأميركيين كأنه مبرمج في تزامنه، وقد رأينا في شاشة قناة (الشرقية) وفي أثناء لقاء رايس مع رئيس وأعضاء كتلة التوافق أن محمود المشهداني، رئيس مجلس النواب العراقي، يطالب الوزيرة الأميركية بضرورة انفتاح واشنطن على المسلحين العراقيين· ولم نتعرف إلى مستوى الرد الأمريكي على ذلك· ليس بعيداً عن ذلك، فقد التقت رايس عبد العزيز الحكيم رئيس الائتلاف العراقي الموحَّد وأعضاء آخرين في هذه الكتلة، وبدت الوزيرة أكثر إصراراً على تقديم الدعم الأميركي لمشروع العراق الجديد، لكنها حذرت العراقيين من مغبة الاستمرار في الوضع الراهن، وحثتهم على ضرورة تجاوز خلافاتهم التي باتت تنعكس على الشارع العراقي سلباً من خلال تضاعف صورة العنف الدموي، وقالت: إن الوضع الأمني لا يمكن تحمله، كما أن مساعدة العراق لا يمكن أن يكون عبر الجمود السياسي، فالعراقيون يملكون الوقت لنقاش لا ينتهي حول هذا المسألة، ولكن حان الوقت لوقف العنف في العراق· نفط لكل الشعب تلك هي رسالة رايس إلى الكتلتين السياسيتين الرئيستين في العراق، وهي الرسالة ذاتها التي حملتها إلى رئيس الوزراء نوري المالكي، والتي قالت إن دور الولايات المتحدة إنما يكمن في مساعدة جميع الأطراف العراقية، بل والضغط عليها للعمل بهذا الاتجاه فورا، وأعتقد أن هذه الرسالة هي التي يريد المالكي إيصالها إلى جميع الأطراف· بدا الشطر الثاني من زيارة رايس إلى العراق أكثر إثارة للجدل في الأوساط السياسية العراقية، فذهاب الوزيرة الأميركية إلى المنطقة الكردية في الشمال العراقي كان قد كشف عن محاولة أميركية إن لم تكن محاولة ضغط على الأكراد في مسائل عدة تقف في مقدمتها مسألة توزيع الثروات الطبيعية وعلى رأس ذلك النفط، ففي لقائها مع مسعود البرزاني، رئيس إقليم كردستان، طلبت منه أن يكف الأكراد عن التمادي في إنزال مطالبهم منزل اللامعقول على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، وألا يقرؤوا تحرير العراق من نظام صدّام على أنه مناسبة للاستفراد بالمنطقة الكردية· وفي هذا الصدد كشف مصدر كردي مقرَّب من الحكومة الكردية في أربيل أن الغرض الأساسي لزيارة رايس المفاجئة إلى المنطقة الكردية كان إيصال رسالة أميركية واضحة إلى الزعماء الأكراد بعدم محاولة الهيمنة على الموارد النفطية في الإقليم لا سيما وأن حكومة الإقليم أبرمت مؤخراً عقوداً عدة مع شركات نفطية أجنبية للاستثمار في القطاع النفطي بإقليمهم الكردي، وهذا يعني أن واشنطن وعراقيي بغداد من غير الأكراد أبدوا قلقهم من توجهات الأكراد في شمال العراق الذين يريدون الانفراد بالموارد النفطية لصالح إقليمهم فحسب من دون تعميم الفائدة منه على كل العراقيين· الحزم الأميركي إن حد الأميركيين لتطلعات الأكراد في المجال النفطي رافقه لجم لتطلعات الأكراد السياسية، فـ(مسعود برزاني) كان قد أعلن تمرده على العلم العراقي التقليدي المعتمد بالبلاد، وأثار ذلك ضجة كبرى في العراق وخارجه، وعندما وصلت رايس والبرزاني إلى قاعة المؤتمر الصحافي بأربيل شاهد الناس وعلى الملأ غياب ذاك العلم العراقي وحل محله العلم الكردي والأميركي وهذا هو تحدي الأكراد لإرادة العراقيين، ولكن ما تكلمت به رايس مع البرزاني كان كفيلاً بردع تلك الطموحات الكردية / البرزانية التي ليس وقتها الآن لكي تُثار في وقت يعاني فيه العراقيون ويلات الانفلات الأمني· قد أوضح المصدر السابق نفسه أن الإدارة الأميركية ومن خلال رايس أبلغت رسالة صريحة بعدم إثارة مخاوف العراقيين من احتمال انفصال الأكراد عن بقية البلاد، بل تحدثت عن (حكم ذاتي) لا بد أن يتمتع به الأكراد، وهو نمط كان نظام صدّام قد تعامل به مع الأكراد أيام حكمه، لكنه النظام الذي لم يتمتع به الأكراد سابقا بسبب طموحاتهم الانفصالية عن العراق· واضح جدا أن زيارة كوندوليزا رايس إلى العراق أنها أكثر حزماً من ذي قبل في أثناء زيارتها إلى بغداد في نيسان / أبريل الماضي برفقة دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي، ولعل الأمور في العراق أكثر تعقيداً من ذي قبل في ظل العنف الطائفي الذي يخيم على البلاد، وهو الأمر الذي جعل واشنطن تضغط أكثر على كل الطبقات والاتجاهات السياسية العراقية التي تنخرط راهنا تحت المظلة الأميركية من أجل الخروج من الأزمة الطاحنة· لقد خرجت رايس من العراق بثلاثة ضغوط تراها مناسبة للحكومة العراقية أن تلتزم بها، تلك الضغوط هي أن يكون نفط العراق لكل العراقيين، وأن يكون حكم الأكراد لأنفسهم غير منفصل عن نظام الحكم المركزي في بغداد، وأن أمام حكومة المالكي الفرصة الأخيرة لاحتواء الأزمة ومن دون ذلك ستلجأ واشنطن إلى خيارات أخرى قد تعيد البلاد بموجبها إلى حكم عسكري لا مجال فيه للورقة الانتخابية أو الإعلام الحر أو الفيدرالية·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©