الاتحاد

فكر

كيف أسس الوجود الإسلامي في إسبانيا مملكة التسامح؟

فتاة إسبانية تقرأ وسط أجواء إسلامية أندلسية

فتاة إسبانية تقرأ وسط أجواء إسلامية أندلسية

يقرأ الأميركيون هذه الأيام كتاب المؤرِّخ وعالم الاجتماع الأميركي ديفيد ليفيرنغ لويس· عنوان الكتاب هو: (الإسلام وتكوين أوروبا 570 ـ 1215)· والمؤلِّف هو أستاذ في ''جامعة نيويورك''·
يعيد لويس، في كتابه هذا، اختبار العلاقة بين الثقافة الإسلامية وأوروبا، وهو أمر بحاجة دائمة إلى إعادة الاختبار· وهو دليل لتاريخ الثقافات في عالم البحر الأبيض المتوسط· إذ يستطلع المؤلِّف فيه مدى لافتاً للنظر في الواقع من القضايا التاريخية والاجتماعية· ويحاول أن يلقي الضوء على حقبة أُسيئ فهمها، محاولة لفهم عالمنا الحديث في ضوء تاريخنا الحقيقي، وليس التاريخ الدوغمائي·
يتتبع المؤلِّف التفصيلات المذهلة لتطوُّر العلاقات بين المسلمين ومعتنقي الديانات الأخرى· فمع بداية القرن الثامن الميلادي، حقق العرب دخولهم المذهل في التاريخ كأمَّة ودولة قويتين، وكثقافة عبرت الحدود حتى وصلت إلى أوروبا العصور الوسطى·
يبدأ كتاب لويس من سقوط الامبراطوريتين الفارسية والرومانية، في أعقاب ظهور الإسلام في الجزيرة العربية· ثمّ انتقال المسلمين إلى الأندلس حيث الاتصال المباشر بأوروبا· ظلَّ المسلمون في تلك الأرض ما يقارب خمسة قرون متتالية ليحكموا فيها إسبانيا، وانخرطوا في حياة ملؤها الصراع والتواصل أيضاً، من تاريخ فتحها في العام 92 هجرية ـ 711 ميلادية حتى الحرب وخروج العرب منها في العام 611 هجرية ـ 1215 ميلادية· يتضمَّن السَّرد التاريخي الذي يتقنه لويس أروع وصف لأكبر المعارك في التاريخ، ويكشف كيف أن الثقافة الكوزموبوليتانية ـ تلك التي كوّنها مسلمو الأندلس ـ كانت بيئة للتعايش بين الإسلام واليهودية والمسيحية، في حين كانت أوروبا بيئة للتعصُّب والحرب الدائمة والعبودية·
الموضوعة الأولى في هذا الكتاب هي أن ديفيد لويس يرى أن الحضارة الإسلامية التي نشأت في شبه الجزيرة الأيبيرية (الأندلس) على يد المسلمين بدءاً من القرن الثامن الميلادي، ساهمت إسهاماً مباشراً في إحياء الثقافة الأوروبية الغربية· والموضوعة الثانية هي موضوعة العلاقة بـ ''دار الإسلام The Realm of Islam''، بعد أن تطوَّر واتسع وخلق مجتمعاً مثقفاً متسامحاً يندر وجوده في التاريخ مقارنةً بأوروبا الغربية المتعصّبة وشبه البربرية في خلال العصور الوسطى·
يبدو أن الموضوعة الثانية هي التي أثارت بعض الكتّاب هنا، وولَّدت ردود أفعال مختلفة· فالتاريخ هنا ليس مسألة سرد للأحداث والوقائع حسب، إنما هو مسألة تأويل جديد لها أيضاً؛ فالحقبة التي يتناولها المؤلِّف، هي بكلِّ المعايير ''حقبة العصر الذهبي'' للإسلام· ومن الدِّقة القول إنه خلال ذلك العصر الذهبي، وعلى الأقل في جزء من ''دار الإسلام''، حدث أن تكوَّن مجتمع متسامح ندر وجوده في التاريخ، وظهر مستوى عال من الثقافة، وهاتان المهمتان شدَّد عليهما لويس بطريقة أثارت انتباه الآخرين ضد الكتاب·
يرى بعض الكتّاب أن ذلك المجتمع المتسامح الذي عاش في الأندلس مازال يتمتَّع بسمعة تثير الجدل بل حتى الحسد، وهو الذي زوَّد أوروبا الغربية بالقوة الثقافية المحصِّنة، إذا جاز التعبير، لتنتقل إلى مرحلة جديدة ومتقدِّمة في العصور الوسطى نفسها· فالتأثيرات الثقافية الإسلامية كانت عامل دفع لتدخل أوروبا في مرحلة ما قبل النهضة·
إذن، كتاب لويس يناقش مسألة حاسمة ومثيرة ومثار جدل، وهي إن الوجود الإسلامي في إسبانيا أدَّى إلى تأسيس ممكلة التسامح فيها، في وقت كانت فيه أوروبا بيئة للتعصُّب؛ في ذلك الوقت عرف التاريخ الأوروبي نفسه، أي منذ القرن الثامن الميلادي، باعتباره ضد الإسلام؛ ضد مجتمع التسامح الذي ازدهر في الأندلس كيوتوبيا كاملة، وأوروبا ترزح تحت نير العبودية والحرب والتعصب الديني والأرستقراطية الوراثية، بحسب ما يرى المؤلف· وهو يسهب في تفصيل هذه الحالة متحدثاً عن نواحٍ عديدة من الحياة في كلا الجهتين· أوروبا العصور المظلمة كانت غارقة في الفقر والعنف وتهيمن عليها الطائفية والعشائرية· وكان نظامها الاقتصادي متخلفاً· وعلى العكس، كان العالم الإسلامي في الحقبة نفسها مركز التنوير، منتعشاً اقتصادياً، ومتقدماً علمياً·
ومن جهة أخرى، يبيّن الكتاب أيضاً ما سيحدث بعد ذلك· فالحضارة الإسلامية التي فتحت لأوروبا أبواب التحضّر، طفقت تدخل عصر الانحطاط حين بدأ المسلمون يغادرون أسبانيا، والعالم الإسلامي بدأ رحلة التراجع المؤلمة·
يعلن الغرب اليوم، حاجته الماسَّة إلى إعادة تأويل الإسلام وفهم أصوله في ضوء جديد· ويقع كتاب ديفيد ليفيرنغ لويس في هذا الباب· غير أن الكتاب أثار موجة من الانتقادات قد يمكن تلخيصها في الآتي: يُنتقد الكتاب في الولايات المتحدة كونه يمثل حماسة أكثر من كونه فكرة· فهو يحاول أن يجعل من ''إسبانيا الأموية''، بحسب تعبير بعض الكتّاب، مثالاً للمجتمع المتسامح· من هنا تتجلى الأندلس كقصيدة أكثر من كونها مكاناً حدث أن قامت فيه حضارة، فكان هناك قصر الحمراء، وجامع قرطبة الكبير، وبيت الفيلسوف المسلم ابن رشد، والفيلسوف اليهودي ابن ميمون، وعلوم متنوِّعة، وشعراء وكتّاب، ومجتمع ناطق بلغات متعدِّدة، ومتمتِّع بثقافات متعدِّدة أيضاً·
هوجم الكتاب في أميركا في صحيفة ''لوس أنجلوس تايمز''، وقُرن مؤلِّفه بمؤرِّخ الفاشية ''ستانلي باين'' الذي أشار في دراسة حديثة له عن العلاقات في أيام الحرب بين ألمانيا وإسبانيا، أشار إلى أن هتلر فكَّر في أنه كان من الأفضل لو انتصر المسلمون في ''معركة بواتيه''· وهذا تعريض بإحدى خلاصات ديفيد لويس السابق ذكرها· لأن دولة ألمانيا، كما قالت الصحيفة على لسان أحد كتابها، ذات الأيديولوجية الحربية، كالإسلام، وليس كالمسيحية العاجزة، سيتسنى لها حينذاك فعل الشيء نفسه في السيطرة على العالم· ولكن الكتاب أُطري كثيراً أيضاً· فهو يأتي، وهذا هو المهم، في مناخ التفاهم العالمي، وطرح السُّبل الكفيلة برفع الالتباس، وتجنب صدام الحضارات· إذ وُصف ديفيد لويس بأنه يحاول جسر الهوَّة بين الحضارتين، وذلك حين يعيد التفكير في التاريخ العلائقي بين الإسلام وأوروبا، وهو يقدِّم الإسلام الحضاري في وقت شاعت فيه صورة الإسلام العنيف والمتعصِّب·
نجح ديفيد لويس في أن يكوِّن ما يسميه المؤرِّخون بالتاريخ العلائقي بين حضارتين عظيمتين هما الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، وذلك في سرد أخّاذ ورائع ينطوي على فكرة إمكانية خلق مجتمعات متعايشة سلمياً في إطار حضاري وثقافي متعدِّد·

الإسلام الحضاري

يناقش لويس مسألة حاسمة ومثيرة وهي أن الوجود الإسلامي في إسبانيا أدَّى إلى تأسيس ممكلة التسامح فيها في وقت كانت فيه أوروبا بيئة للتعصُّب يحاول المؤلِّف جسر الهوَّة بين الحضارتين الغربية والإسلامية عندما يعيد التفكير في التاريخ العلائقي بين الإسلام وأوروبا وهو يقدِّم الإسلام الحضاري في وقت شاعت فيه صورة الإسلام العنيف والمتعصِّب بالغرب الراهن

اقرأ أيضا