ليس غريباً أن يَشرع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس بمرسوم لتكون اعترافاً من أكبر دول العالم بأنها عاصمة أبدية لإسرائيل، فقد كانت أقوى هداياه خلال الحملة الانتخابية للوبي الصهيوني في أميركا، التي رفعته على سدة حكم البيت الأبيض. ترامب قام بما لم يجرؤ عليه سادة البيت الأبيض من قبل، فقد أرجأ الرؤساء الأميركيون على مدى 30 عاماً، هذا القرار على أمل تحقيق السلام الذي لن يتحقق..ورغم أن ترامب فشل في تنفيذ بقية وعوده الانتخابية، ويبدو أنه يتعامل مع العالم بمبدأ تعامله مع عالم «البزنس». ولكن لماذا هذا الوعد بالذات وخصوصاً أنه أهدى ما لا يملكه إلى من لا يستحق تماماً مثلما فعل بلفور منذ قرن كامل، الذي أهدى للصهاينة أرضاً لا يملكها إلى اليهود اغتصاباً، لكن ما السبب الحقيقي الذي دفع ترامب للإعلان عن القدس عاصمة لإسرائيل؟ في الواقع ليس قراره هذا نابعاً منه وإنما أملي عليه من قبل أعضاء اللوبي الصهيوني الذين يصوغون القرار السياسي الأميركي ويهيمنون على الأحزاب والإعلام والكونجرس، وكذلك على الاقتصاد والمال ويطبخون الذهنية الغربية، بل ويسيطرون على العقل والمعدة والغريزة الأميركية، وهم الذين يختارون أقل السياسيين خبرة وعقلاً لكي يمررون عبرهم القرارات التي يرفضها حكماء الساسة الأميركيين، وقد نجحوا في تدمير العراق عبر جورج بوش الأب ثم الابن، وصنعوا «القاعدة» و«داعش» لابتزاز المنطقة العربية مالياً ونفطياً وعسكرياً وأمنياً، ولكن يبقى السؤال قائماً: لماذا الإصرار على القدس طالما فلسطين كلها في حوزة اليهود؟ الحقيقة أن أباطرة الماسونية العالمية التي تسيطر على الدول الغربية، الذين منحوا اليهود وطناً يجمعهم من شتاتهم عبر صك قانوني في الأمم المتحدة بقرار مجلس الأمن لتقسم فلسطين إلى دولتين إحداهما إسرائيل، ولكن حتى كتابة هذه السطور تعمل القوى الغربية على مساندة القوى الصهيونية في ابتلاع ما تبقى من الأراضي الفلسطينية المحررة، وتكسب مزيداً من الوقت والأرض، وتقتل مزيداً من أصحاب البلد الأصليين، في إطار عملية السلام التي اكتشفنا لاحقاً أنها خادعة. كما شغلت الصهيونية الدولية بمساندة صفوية وغيرها أيادي العرب وعقولهم بمشاكل لا حصر لها في كل بلدان المواجهة، فدمرت العراق وسوريا وليبيا واليمن وحاولت تدمير مصر فلم تفلح، فالتفتت لتقوض قواها عبر السودان فجزأته لتسيطر إسرائيل على جنوبه ومنابع النيل، وقامت بالتحالف أيضاً مع تشاد وإثيوبيا ومولت «سد النهضة» لتخنق مصر وتلهيها بمشاكل مائية وتدمر اقتصادها عبر نشر الإرهاب في سيناء، والتفرقة بين أبناء الشعب نفسه، فتدفع «الإخوان» لتقاتل الجيش وتنشر الفتن والتكفيريين لضرب السياحة في سيناء، ونالت كل من ليبيا والجزائر نصيبهما، فهما البلدان اللذان ساهما بقوة المال ضد إسرائيل، فقامت الصهيونية الدولية بتدمير مقومات البلدين. وعودة إلى السؤال لماذا تصر إسرائيل على القدس؟ لقد أوحت الصهيونية إلى ترامب أن يخشى من خسارة قاعدته المسيحية المتطرفة، لهدف يهودي عقائدي بحت، فهناك عنده الكثير من المسيحيين الإنجيليين الذين يؤمنون بنبوءة «نهاية الزمن» ويربطونها بسيطرة اليهود على القدس بالكامل وصدام الحضارات، وهي أسطورة اليهود الأزلية، فهم لا يعترفون بالسيد المسيح ولا بأمه الصديقة وينتظرون المعركة الأخيرة بيننا وبينهم ليستحوذوا على بيت المقدس، فيسرعون بظهور المسيح، فلا يبقى أمام اليهود سوى خيارين: إما تبني المسيحية التي في نظرهم لم تأت بعد، وإما الموت من غضب الله حسب النبوءة اليهودية، فبالنسبة للإنجيليين، فإن نقل السفارة هو بداية «نهاية الزمن»، حسب تصريح كبير حاخامات اليهود في أميركا، فهو يقول: «عندما يُبنى الهيكل سيظهر المسيح للشعب اليهودي وسيؤمنون به». أما عدد المؤمنين الإنجيليين فيتجاوز 50 مليوناً في الولايات المتحدة، وهم يؤمنون، بحسب الأبحاث، بالتفسير الحرفي للإنجيل، ولكن كشف استطلاع أن 82% منهم يرون أن الرب منح فلسطين للشعب اليهودي، رغم أنها فكرة لا تلقى رواجاً إلا بين 40% من يهود الولايات المتحدة، ومن بين هؤلاء الإنجيليين من يؤمنون بـ(نهاية الزمن). أما نقل السفارة الأميركية لا يحظى بدعم واسع بين الأميركيين بشكل عام، كما كشفت الاستطلاعات أن غالبية اليهود الأميركيين ممن لديهم مستويات تعليمية أفضل من بقية الأميركيين يعارضون الخطوة، ولهذا رحبت الحكومة الإسرائيلية بإعلان ترامب، الذي طالبه به الكنيست بحماس شديد، ورحبت به القاعدة الدينية اليهودية، وبهذا القرار الأهوج وضع جميع المنطقة، في موقع صعب محرج، بل وضع إدارة البيت الأبيض في مأزق، فكل الدول العربية، وعلى رأسهم السعودية والإمارات ومصر والمغرب والأردن انتقدت قرار ترامب. ويبدو أن ترامب لا يقيس حجم وخطورة تصرفه حيث استفز عقلاء الأمة وجهلاءها، وما نخشاه أن ينتقل الإرهاب إلى الأراضي الأميركية من قبل المجانين «الإسلاماويين» الذين زرعتهم أجهزة استخبارات أميركا وإسرائيل لزعزعة استقرار الدول العربية وسينقلب السحر على الساحر، كما يهدد ترامب بهذا القرار كل سائح أميركي على وجه البسيطة، بل ولن تسلم سفارات أميركا في العالم بعد الآن خصوصاً أن القتل هو اللغة الوحيدة المتبعة لدى جهلاء الأمة، التي رعتهم واشنطن لسنوات، فما أكثر المجرمين والإرهابيين والتكفيريين الذين يتوقون إلى الدماء والقتل والدمار. وقد أخطأ ترامب في حساباته، فظن وأخطأ وتمادى في ظنه بأن حلفاءه العرب سينصرونه ظالما أو مظلوماً، إلا أنهم لن يمنحوه شيكاً على بياض بشأن القضية الفلسطينية لكونها أساس القضايا العربية والإسلامية، بل إنه بقراره أشعل نار وحفيظة جميع الحلفاء في الخليج، بل تهدد الخطوة المثيرة للجدل بتوسيع الشقاق في الشرق الأوسط، فكل الحكومات العربية في المنطقة أدانت القرار، وحذروا من أن نقل السفارة إلى القدس يقضي على آمال إحياء عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية، وحتماً سيؤدي إلى رد فعل عنيف.. لكن لا بد لنا من الإشادة بمواقف كل القيادات الشعبية العربية والإسلامية في العالم من هذا القرار الخطير، وقد وحدت بينهم المحنة رغم اختلاف توجهاتها السياسية والعقائدية كموقف فضيلة شيخ الأزهر وبابا الأقباط في إطار موقف الأزهر الشريف الثابت تجاه قرار الإدارة الأميركية الباطل بإعلان القدس عاصمة لكيان الاحتلال الصهيوني ونقل السفارة الأميركية للقدس، في تحدٍّ مستفز لمشاعر المسلمين حول العالم، أعلن الدكتور أحمد الطيب رفضه القاطع طلباً رسمياً من نائب الرئيس الأميركي مايك بينس للقائه يوم 20 ديسمبر الجاري، وقال الطيب: «كيف لي أن أجلس مع من منحوا ما لا يملكون لمن لا يستحقون»، وأضاف: «يجب على الرئيس الأميركي التراجع فوراً عن هذا القرار الباطل شرعاً وقانوناً، كذلك رفض بابا الكنيسة القبطية استقبال نائب الرئيس الأميركي. كذلك موقف رئيس وزراء لبنان سعد الحريري خلال اجتماعه في باريس في المجموعة الوزارية لدعم استقرار لبنان لم ينسَ القدس رغم أن الاجتماع بعيد عنها، فأعلن رفض بلاده لقرار ترامب، ونادى أمام العالم بأن القدس عاصمة أبدية لدولة فلسطين. ما أجمل العرب حينما يتوحدون على كلمة سواء. *أمين عام المؤتمر الإسلامي الأوروبي