إبراهيم سليم (أبوظبي)

تحتفل الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بذكرى المولد النبوي الشريف بعد غد الثلاثاء، في قاعة المؤتمرات بمدينة العين، والتي سيتم فيها استضافة علماء من الأزهر الشريف، ومن داخل الدولة من العلماء والوعاظ، والتي تتضمن إلقاء كلمات بهذه المناسبة الغالية على كل مسلم، كما سيتم خلالها انطلاق القافلة الوعظية من مدينة العين، بهذه المناسبة الكريمة.
واعتادت دولة الإمارات العربية المتحدة الاحتفال سنوياً بالمولد النبوي الشريف، وتحرص الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف على إقامة احتفال كبير يضم نخبة من العلماء والمفكرين، كما يحرص على حضور المناسبة ممثلو الكنائس، ويتم خلال الاحتفالات التحدث عن سيرته، صلى الله عليه وسلم، ومن مظاهر الاحتفالات الرسمية بالدولة أن يكون تاريخ المولد عطلة رسمية، وتبدأ الاحتفالات كافة بتلاوة عطرة من آيات الذكر الحكيم.
وتحرص الهيئة أن يسرد العلماء تفاصيل من حياته، صلى الله عليه وسلم، وجوانب من علاقته بمن حوله من المسلمين وغير المسلمين، وكيف كان متسامحاً ورحيماً ورؤوفاً، وعلاقته بأهل بيته وأزواجه وعلاقته بوطنه مكة، وعظمة أخلاقه، وذلك تذكيراً للناس للاقتداء بسيرته العطرة، والتأكيد على أن مولد رسول الله محمد بن عبدالله الهاشمي القرشي، صلى الله عليه وسلم الذي يحتفل العالم الإسلامي به، إنما هو احتفال بمولد القيم والمبادئ والأخلاق، وإحقاق الحقوق ونشر السلام لبناء الحضارة الإنسانية التي أودع الخالق العظيم فينا نحن البشر براعة إنشائها، وفق نزوعنا الفطري لإعمار الأرض لا إفسادها بالحروب وويلاتها والتطرف والإرهاب والفتن ومخلفاتها.
كما تشهد الفعاليات الحديث حول مظاهر الإنسانية والرحمة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام، وشملت كل ما ينفع الإنسانية من تواصل وتراحم وتسامح مع كل الأديان والجنسيات والأعراق.

ميلاد أمة
وأكد فضيلة الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، مشيراً إلى أن الاحتفال بمولد النبي يعني أيضاً الاحتفال بمولد أمة صنعها ورباها على كريم الأخلاق، وأصول الفضائل، والدعوة إلى الخير والحق، ومقاومة الشر والباطل، وبفضل التعاليم النبوية قدّمَ المسلمون في مسيرتهم الحضارية كثيراً مما أسعد الإنسانية، وظللها بظلال وافرة من العدل والحرية والرخاء، هو احتفاء بالرحمة بالكون كله، وانتشاله من كل ما أوشك أن يقع فيه من فوضى وظلام وحيرة وضلال.

رحمة للعالمين
وقال فضيلة الشيخ عبدالفتاح عبدالقادر من علماء الأزهر الشريف: «في هذه الأيام المباركة من شهر ربيع الأول، يحتفل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بمولد سيد الخلق محمد، صلى الله عليه وسلم، الذي أرسله الله عز وجل رحمة ومنة للعالمين.. قال تعالي (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).. والعالمين كما يقول أهل اللغة جمع عالم، فالإنس عالم والجن عالم، والمخلوقات عالم، ومحمد صلى الله عليه وسلم أرسل رحمة لكل هذه العوالم».
وأضاف: «ويقول تعالى أيضاً (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)، فقال الله تعالى (لقد مَنّ) ولم يقل لقد أنعم، وهنا إشارة على أن النعمة في مفهومها تختلف عن المنة، بمعنى أن النعمة تحمل في مضامينها الخير والشر، فلو أنعم الله على إنسان بكثرة المال فقد يستخدمه فيما يرضي الله تعالى من وجوه الخير فيكون نعمة تستوجب الشكر، وقد يستخدمه فيما يغضب الله تعالى فيكون نقمة، أما المنة فلا تحمل إلا الخير، فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أتى بالخير المطلق، فمن أخذ منه وآمن به واتبعه نجا وكتب له السعادة في الدنيا والآخرة».
وتساءل عبدالقادر: «كيف لا يحتفل المسلمون بمولده وقد جعله الله سبباً لنجاتهم وهدايتهم، ولولاه لكانوا في ضلال مبين، يقول تعالى (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)، فإذا كان الناس يحتفون ويحتفلون بالمناسبات السعيدة التي تتعلق بالدنيا، فكيف إذا تعلق الأمر بسعادة الآخرة».
وتابع فضيلته: «فلا ينبغي أن ينكر أحد على الناس مظاهر الاحتفال من فرح واحتفالات تذكر بسيرة وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأوجب ما يقال في هذا الشأن إن من أراد أن يحتفل بإظهار الفرح والسرور المنضبط بما أحله الله فله ذلك، ومن رأى غير ذلك فله ذلك دون أن ينكر على غيره، ونرى العلامة عبدالله بن بيه يوجه هذا الرأي بقوله:
فَحاصِلُ الأَمرِ، أَنَّ مَن احتفل به فسرد سيرته، صلى الله عليه وسلم، والتذكير بمناقبه العِطرة احتفالاً غير مُلتَبِس بِأَيِّ فِعلٍ مَكرُوهٍ مِن النّاحِيَةِ الشَرعِيَّةِ ولَيسَ مُلتَبِسَاً بِنِيَّةِ السُنَّةِ ولا بِنِيَّةِ الوجُوبِ فإذا فَعَله بِهَذِهِ الشُّروطِ التي ذَكَرتُ، ولَم يُلبِسه بِشَيءٍ مُنافٍ للشَّرعِ، حباً للنبي، صلى الله عليه وسلم، فَفِعلُهُ لا بَأسَ بِهِ إن شاءَ اللهُ وهو مُأجَورُ فقد ذَكَرَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَةَ، قالَ: إنَّهُ مَأجُورٌ على نيته، ذَكَرَ ذَلِكَ فِي (اقتَضاءِ الصِّراطِ المُستَقِيمِ)، أَمّا مَن تَركَ ذَلِكَ أيضاً يُرِيدُ بِذَلِكَ مُوافَقَةَ السُنَّةَ وخَوفاً مِن البِدعَةِ فَهَذا أَيضاً يُؤجَرُ إن شاءَ اللهُ، فَالأَمرُ لَيسَ كَبِيراً ولَيسَ مُهَوِّلاً ولا يَنبَغِي أَن نَزِيدَ فِيهِ عَلى ما يَقتَضِيهِ الحالُ».

دعوة إلى الاحتفاء
إلى ذلك، فقد أفتى العلماء بمشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وموثق على المواقع الرسمية، كدار الإفتاء المصرية، وفي رأي الغالبية يعد الاحتفالُ بِمولدِ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم مِن أفضل الأعمال وأعظم القربات، لأنه تعبير عن الفرح والحب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو أصل من أصول الإيمان، فقد صح عنه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا يُؤمِنُ أَحَدُكم حتى أَكُونَ أَحَبَّ إليه مِن والِدِه ووَلَدِه والنَّاسِ أَجمَعِينَ» رواه البخاري، كما أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد سنَّ لنا جنس الشكرِ لله تعالى على مولده الشريف، فكان يَصومُ يومَ الاثنينِ ويقول: «ذلكَ يَومٌ وُلِدتُ فيه» رواه مسلم.
فإذا انضمت إلى ذلك المقاصدُ الصالحةُ الأخرى، كإدخال السرور على أهل البيت وصلة الأرحام، فإنه يصبح مستحبّاً مندوباً إليه، فإذا كان ذلك تعبيراً عن الفرح بمولد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، كان أشد مشروعية وندباً واستحباباً، لأن الوسائل تأخذ أحكام المقاصد، فكان القول ببدعيته -فضلاً عن القول بتحريمه أو المنع منه- ضرباً من التنطع المذموم، لأن البدعة المنهي عنها هي ما أُحدِثَ مما يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً، فهذه بدعة الضلالة، وادِّعاء أن أحداً من الصحابة لم يحتفل بمولد النبي الكريم صلى الله عليه وآله ليس بصحيح أيضاً، لما ورد في السنة النبوية من احتفال الصحابة الكرام بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم مع إقراره لذلك وإِذْنه فيه، فعن بُرَيدة الأسلمي رضي الله عنه قال: خرج رسول اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم في بعض مغازيه، فلمَّا انصرف جاءت جاريةٌ سوداء فقالت: يا رسول الله، إنِّي كنت نذَرتُ إن رَدَّكَ اللهُ سَالِماً أَن أَضرِبَ بينَ يَدَيكَ بالدُّفِّ وأَتَغَنَّى، فقالَ لها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «إن كُنتِ نَذَرتِ فاضرِبِي، وإلَّا فلا» رواه أحمد والترمذي.

العدل والإنصاف
خصصت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف خطبة الجمعة الماضية عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والتي منها: «قد أعطى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم رجاحة العقل، وسداد الرأي، ودقة الفهم، فما لجأ إليه قومه في شيء إلا أشار عليهم بالرأي السديد، وحكم بينهم بالعدل والإنصاف. كما وهبه الله سبحانه جمال الصورة، وكمال الهيئة، ولما بلغ صلى الله عليه وسلم أربعين عاماً، أوحي إليه، وأول ما بدئ به صلى الله عليه وسلم من الوحي، الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. أي: تحققت كما رآها صلى الله عليه وسلم. ثم حبب إليه أن يخلو بغار حراء، ويتعبد فيه الليالي الكثيرة، حتى جاءه الملك بالوحي فقال: (اقرأ). فكانت تلك الكلمة أول ما أنزل عليه صلى الله عليه وسلم، فأسست لحضارة عظيمة تقدر العلم، وتحث على أسبابه، وتدعو إلى تحصيله، ليرتقي الإنسان في معارج العلم والعبادة، والإحسان إلى الخلق، وبقي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو قومه إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، ثم هاجر إلى المدينة المنورة، وأقام فيها مجتمعاً متحاباً متلاحماً، فسطع منها نور الهدي النبوي الخالد بالأخلاق الحميدة، والقيم الراقية، ودخل الناس في دين الله أفواجاً لما رأوا من رحمته وسماحته صلى الله عليه وسلم، وتحقق الاطمئنان والاستقرار».

إرهاصات المولد النبوي
رافقت مولد سيدنا محمد إرهاصات، ومنها ارتجاج إيوان كسرى فارس فور مولده، وسقوط أربع عشرة شرفة من شرفاته، كذلك خمدت نار فارس التي لم تخمد منذ ألف سنة، وكذلك ما حدث من رخاء في قبيلة بني سعد عندما كان مسترضعاً عند حليمة السعدية، والتي قالت، وما إن حملته حتى أقبل عليها ثدياها بالحليب، وإذ بناقتها التي لم تكن تحلب منذ زمن إذا بها حاقل، أي مليئة بالحليب، فقال لها زوجها: تعلمين والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة. ثم تقول حليمة: ثم خرجنا وركبت أتاني (أنثى الحمار) وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما لم يقدر عليها شيء من حمرهم حتى إن صواحبي قلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب، ويحك أربعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟! فقلت لهن: بلى والله إنها لهي هي. فقلن: والله إن له لشأناً!!
وشق الصدر، واعتراف بحيرا الراهب بنبوته، ووصيته عمه أبي طالب به، وأن يحذر عليه اليهود.. وحماية الله له من أن يحضر منكراً، وسلام الشجر والحجر عليه صلى الله عليه وسلم عندما كان يسير في مكة، ومن مظاهر الكمال المحمدي أنه لم تكشف له عورة قط، وأن الله بغّض إليه الأوثان وكل أنواع الباطل.