الاتحاد

دنيا

صلاح عودة: ينطق الصمت

دبي ـ أمل النعيمي:
لغة الاشارة من اللغات الصامتة التي قد تستخدم في حواراتنا بطرق شتى، ولكنها بالنسبة للصم والبكم النافذة الوحيدة للتواصل مع الآخرين ومع بعضهم البعض·· وقد يتخللها الكثير من دفق الاحاسيس والمشاعر المختزنة والعميقة نظرا لطبيعة هذه الفئة الشديدة الحساسية والتأثر وبذل الجهد لتوصيل ما يريدون··
مترجم الاشارة صلاح عودة الذين واكب هذه المهمات بروح المتفاني الذي يبحث عن 'بيت القصيد' كما يقال في ترجماته من خلال عمله في مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية وفي تلفزيون الشارقة وفي بعض القضايا التي تستدعي حضوره لوجود احد الطرفين المتخاصمين من ذوي الاحتياجات الخاصة يحمل في نفسه امانة الكلمة وترجمتها بروح التفاني والصبر التي يعتبرها مفاتيح النجاح·· بعد ان يحلف اليمين على قول الصدق في توصيل المعلومة امام اي جهة يتعاقد معها··
بداية المشوار
حدثنا قائلاً: منذ 1992 تطوعت في نادي الامير علي للصم في عمّان كمشرف رياضي، تعلمت لغة الاشارة بعد دخولي دورات عديدة لكي اكون قادرا على التعامل معهم·· وصنفت كمترجم منذ ذلك الحين وقد يكون حبي للعمل مع ذوي الاحتياجات الخاصة هو المؤشر الذي يقودني دوما للاتجاه نحوهم والذي يتطلب الصدق والمثابرة واثراء المعلومات لتوصيلها لهم من خلال هذه اللغة المستخدمة·
ويضيف عودة: اقوم بهذا العمل عن طيب خاطر وعندما أؤدي الترجمة من اي موقع دائما تكون الفئة التي اقصدها امام عيني حتى لو كنت في التلفزيون ولا اراهم، إذ اشعر انهم يحتاجون لفهم الكثير من القضايا السياسية أو الاقتصادية أو الدينية·· أعمل حاليا مشرفا للاعاقة السمعية في نادي الثقة للمعاقين بالشارقة ومترجما في الفصول الصفية في مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية وقسم التدخل المبكر فيها بالاضافة إلى المحاكم والتلفزيون قد يكون هذا التشعب في العمل ناتجا عن قلة المترجمين بهذا المجال·
من جانب آخر يستدعي الامر عند الحديث عن الصم والبكم الرجوع إلى الجانب السببي حيث يرى صلاح عودة ان الاسباب كثيرة اهمها اختبار الله سبحانه وتعالى لمن ابتلاه وامتحنه، ويقول: ضمن معرفتي قد تكون اسبابها وراثية أو مرضية ولهذه الاصابة ثلاث درجات تتدرج من الاعاقة الكاملة بالسمع إلى المتوسط والضعيف ولديهم حصيلة لغوية قد تفيدهم في التعامل واثراء الجانب اللغوي عن بقية اقرانهم من الصم والبكم·
ومن خلال تعاملي مع شريحة كبيرة منهم وباختلاف مشاربهم وبيئاتهم من خلال الاردن وبعدها الإمارات وتنوع الانتماءات والجنسيات هنا في الإمارات اتاح لي التعرف على بعض الاشارات الاكثر خصوصية للهجة اهل البلد وقد كان الصم هم اليد التي تساعدني وتعلمني بعض المصطلحات المحلية وافخر بذلك ومن المعروف ان لكل بلد لغة اشارة تطابق اللهجة العامية، وقد يجيب هذا على بعض الدعاوى التي تؤيد انشاء لغة موحدة للوطن العربي·· ولا يخفى على احد ما تقوم به بعض المجموعات في المبادرة لانشاء قواميس موحدة فقد انشئ في الكويت قاموس لغة الاشارة الوصفية وهو اول قاموس يعنى بلغة الاشارة على الانترنت ويحتوي شرحا لحركات الايدي وللحروف والارقام ويحتوي على مراحل النمو اللغوي عند الاطفال والحصيلة اللغوية لطفل ما قبل المدرسة من عمر عام حتى اربعة اعوام ويضم القاموس الادوات والاشارات اللازمة لتعليم اساسيات اللهجة الكويتية لضعاف السمع والنطق··
صعوبات البيئة
رغم هذا فإن صلاح عودة يرى ان صعوبة توصيل لغة الاشارة ترجع إلى اختلاف المكان والبيئة والمنشأ بالاضافة إلى الاصدارات المكتوبة لهذه الاشارات·
وعملنا يرجع بالدرجة الاولى كما يقول عودة إلى الاعتناء بفئة الصم ومعرفة لغتهم واكتساب ثقتهم ورفع حالات الاستياء عنهم التي كثيرا ما تنتابهم عندما يحاولون التعبير عن انفسهم وتنقصهم اداة التفاهم ويتم دمجهم في المجتمع المحيط من خلال ترجمة البرامج التلفزيونية الهادفة ونشرات الاخبار وتعليمهم سر هذه الحركات التي قد يراها البعض بهلوانية المنشأ·
الملفت للانتباه ان هذه الفئة تتمتع بذكاء حاد وتميز بالفراسة وسرعة البديهة ليعوضوا بها ما فقدوه·
استطيع احيانا كثيرة فهم وقراءة تعبيراتهم التي يعبرون عنها من خلال وجوههم وحواجبهم وشفاههم وانظر اليهم نظرة المعلم الذي يمتلك الماء لهذا لا ابخل عليهم بالعطاء وحركاتهم التي يبدونها بديل عن الصوت العالي للإنسان العادي، ليعبروا من خلالها عن عواطفهم بشيء من العصبية لعدم استطاعتهم التعبير الذي به يدافعون عن انفسهم·
ويرى عودة ان الفضائيات العربية مقصرة بهذا الجانب لا بد ان لا تقتصر الترجمة على نشرات الاخبار بل انه مطلوب الاكثار من المترجمين المهرة في هذه القنوات لتعم الفائدة ولتكون عملية الدمج في الحياة اسهل واعمق دون حواجز·
عامية وإصبعية!!
هل هناك انواع لهذه اللغة؟ يجيب عودة قائلاً: هناك لغة الاشارة العامية مثل اللهجة العامية ونوع آخر وهو لغة (الهجاء الاصبعي) وهذه تقوم على ترجمة الحروف والكلمات عن طريق الاصابع·· ولهذا تبقى اكثر ثباتا في المعاني العامة مثل كلمة مدرسة، مسجد، مستشفى، مطعم، واسماء اخرى مثل احمد، جمال أو حسين الخ·
لهذا لا بد لنا كمعلمين ان نتحلى بكثير من الصفات مثل تقبل هذه الفئة لنا والحب إلى جانب الاجادة والاتقان في توصيل المعلومة أو استقبالها والوصول اليها بأسهل الطرق·· وادخال السرور والفرح إلى نفوسهم والبعد عن الاساءة لهم التي ستؤدي إلى انطوائهم وشعورهم بحالات من الاكتئاب والحزن·
النقطة الاهم في عملنا كما يعتقد صلاح عودة ان عملنا يضيف الكثير من الحسنات والاجر ان شاء الله عند رب العالمين لما نقدمه·
علاقاتنا معهم تتطور بشكل اجتماعي كبير على الصعيد العائلي، هكذا يقول عودة ويوضح: انني ألجأ وعائلتي لاستخدام الاشارة لما لها من راحة بال وتقليل الضجيج في المنزل وقد التحقت زوجتي خريجة الدراسات الإسلامية بدورتين في لغة الاشارة، وايضا اختي متزوجة من اصم، هذا الانسجام في العطاء مع الاسوياء والصم لا يعني الا اننا نشغل الجانب الايجابي من عواطفنا داخل اسرنا، وانفسنا من الداخل وبإيجاد الحلول الجذرية لما نراه من معوقات امام ذوي الاحتياجات الخاصة وذلك بالتكاتف معهم ودعمهم ودمجهم في الحياة المجتمعية··

اقرأ أيضا