صحيفة الاتحاد

ألوان

«متحف البيت القديم».. ذاكرة الماضي في «زايد التراثي»

متحف البيت القديم تفوح منه ذكريات الزمن الجميل ( تصوير عمران شاهد)

متحف البيت القديم تفوح منه ذكريات الزمن الجميل ( تصوير عمران شاهد)

هناء الحمادي (أبوظبي)

تشكل العمارة الإماراتية عنصراً أساسياً يعكس هوية المكان وثقافته وماضيه، وتضفي عليه مسحة جمالية خاصة تعبّر عن عمقه التراثي، خاصة تلك المباني المشيدة من صخور المرجان وتتزين أسقفها من سعف النخيل أو الخشب، فمن يقترب من تفاصيل البيت الإماراتي القديم فإنه يكتشف عدداً من المرافق المهمة أهمها المجلس الرئيسي، الذي يعد عنصراً أساسياً في بيوت أهل الإمارات، والفناء «الحوش» وهو القاسم المشترك في بناء وتشكيل البيوت التقليدية في الإمارات، وبئر الماء «الخريجة»، هي بئر للماء المالح، ويستخدم في غسل الأواني والصحون، ثم المطبخ الذي كان يراعى في بنائه أن يكون في إحدى زوايا المنزل بعيداً عن غرف المعيشة وأماكن راحة أفراد الأسرة. والخيمة والحظيرة، وتعتبر العناصر المعمارية والهندسية التي ارتكز عليها البيت الإماراتي القديم ذات بعد مكاني، حيث تستلهم أشكالها وتصاميمها من المكان الذي بنيت فيه وما يضمّه أو يحتويه من عناصر تراثية وتاريخية تؤرخ لحقب متلاحقة من تاريخ المجتمع الإماراتي وثقافته.

عادات القهوة
الزائر لمهرجان زايد التراثي الذي تستمر فعالياته بمنطقة الوثبة في أبوظبي حتى 27 يناير المقبل، يتوقف كثيراً أمام متحف البيت القديم، الذي تحمل ذاكرته الماضي التليد، ويتكون من ملاحق عدة، كما يضم البيت الكثير من الحرف القديمة، مما جعله مكاناً يقصده الكثير من الزوار والسياح الأجانب لالتقاط الصور وتوثيق حكايات الزمن القديم عبر صور جميلة بهواتفهم.
كعادته يعمل بصمت، ويتقن فن إعداد القهوة، لكن من يقترب من علي صالح الدهماني لا بد أن يرتشف القهوة العربية التي يعدها للجمهور، فهو من يقوم بإعدادها مع مزجها بالهيل، ويصنعها بكل حب، ويقول: «تبقى القهوة رمزاً للضيافة والكرم، ومن تقاليدها أن يبدأ تقديمها للضيف ثم للجالسين من على يمين الضيف، ومن العيب أن تقدم القهوة باليد اليسرى، إذ يتوجب على «المقهوي» تقديمها باليد اليمنى، ويتناولها الضيف باليد اليمنى أيضاً».
ويتابع:«من المتعارف عليه ألا يملأ فنجان القهوة، إنما يصب ربع الفنجان فقط، وعند الانتهاء من شرب القهوة يجب أن «يهز» الضيف الفنجان ليعلن عن اكتفائه من القهوة، وإذا لم يفعل سيعاود المقهوي ملء الفنجان من جديد، كما يجب على الضيف أن يسلم الفنجان للمقهوي بيده بعد الانتهاء من شرب القهوة، ولا يضعه على الأرض، لما في ذلك من احترام وتقدير للمقهوي.

مكونات وأدوات القهوة
وعن مكونات وأدوات القهوة، يقول الدهماني: «تتكون من بن القهوة الخشن وهيل وزعفران، ولصناعة القهوة أدوات مختلفة منها «التاوة» المصنوعة من الحديد والتي تستخدم لتحميص حبات البن، والتاوة نوعان منها الكبير والعميق، والثاني الصغير وذو العمق المتوسط، التي تستخدم تحديداً في تحميص البن، ولأن التحميص يحتاج إلى تقليب حبات البن، فصنع «المحماس» وهو عبارة عن قطعة طويلة من الحديد أو النحاس، صنعت لتقليب القهوة وتحميصها. أما المنحاز أو ما يعرف بـ«الهاون» فقد كان يستخدم في طحن القهوة وغالباً ما كان يصنع من الخشب أو الحديد.
وتقسم الدلال، كما يقول الدهماني، بحسب أنواعها إلى ثلاث دلال رئيسة منها «الخمرة» أو «المطباخة»، وهي الأكبر حجماً مقارنة بدلال القهوة العادية، وتوضع دائماً فوق الجمر وبها الماء الساخن وما تبقى من الهيل والبن، أما الدلة المتوسطة الحجم فيطلق عليها «الملكمة» أو«المصفاية»، وهي التي يتم فيها تلقيم القهوة بعد نقل جزء من الماء الساخن من الدلة الكبيرة فيرتفع البن من قاعها، أما «المزلة» أو«المبهارة»، وهي أصغر الدلال الخاصة في عمل القهوة، وتستخدم بعد طبخ القهوة في الدلة المتوسطة، إذ يوضع بها صافي القهوة.

عازف الربابة
يترنم صوت الربابة ذات الألحان العذبة التي تعيدنا إلى الماضي الجميل، ورغم أنها تتكون من وتر وحيد، فإنها إحدى الآلات المشهورة لدى أهل البادية قديماً، وهذه الآله البدائية برغم صغر حجمها، فإنها تحرك بأنغامها وألحانها أحاسيس ومشاعر البدو لارتباطها بمواسم الصيد والقنص والأحداث الخالدة في ذاكرة الرعيل الأول.
ويقول عازف الربابة الشاعر عبيد بن خليفة الكعبي الذي بدأ العزف عليها عام 1989، إن الربابة تعد رفيقة دربه منذ القدم يشدو بألحانها في الكثير من المهرجانات الوطنية التراثية والمناسبات السعيدة والتخييم في البر.
ويضيف: «الربابة تتكون من جلد الغزال أو الغنم، أو ما يطلق عليه محلياً «اليهاب»، أما الوتر فغالباً ما يكون من ذيل الخيل، ويطلق على خشبة الربابة «القوس»، بينما يطلق على الخشبة الصغيرة أسفل الوتر التي ترفعه للأعلى «غزالة»، وتحتاج الربابة إلى أداة لتنظيفها باستمرار يطلق عليها «الياوي»، لأن عدم تنظيفها يؤثر سلباً على صوت العزف.

ألحان الشلات والتغرود
يجد عبيد الكعبي مشاركته في المهرجان فرصة ليتعرف جيل اليوم على الأدوات الموسيقية التي كانت تستخدم في زمن سابق، كما أنها فرصة للزوار لمعرفة كيفية العزف عليها وتعلمها، ولا يحلو العزف على الربابة إلا في مجلس مفتوح «الحظيرة» فالاستماع إلى ألحان الربابة يعيد شريط الذكريات في أجواء من الهدوء. وأشار الكعبي إلى أن «شلات الربابة» تختلف، فمنها الحربية الحماسية التي كانت تشجع الرجال في ساحات المعارك والقتال قديما، فضلاً عن «التغرود» وهو فن يعرفه أهل البادية وهو غناء جماعي بين شخصين أو أكثر، وكذلك «الونّات» وهي فن مماثل نسبياً للشلة، يستخدمه أحيانا صاحب الربابة، ومن أهم الشعراء المشهورين بأداء فن الربابة، الراحل أحمد الكندي، الذي قدم الشلات وأشهرها «وين شدو بدو الخويره».

حرفة سّف الخوص
يعمل بكل فن وخبرة، يصنع المجبة، ويسف الخوص، ويمزج ألوان السرود مع بعضه البعض، يستقبل زواره من جميع الجنسيات في متحف البيت القديم، يُعلم الصغار والكبار طريقة «سّف الخوص» التي تعتبر من الحرف القديمة التي ما زالت تنبض بالحياة في مهرجاناتنا، ورغم امتهان النساء لها إلا أن الرجال أيضا على دراية ومهارة في صناعتها. هكذا قال حميد بن سيف الكعبي الذي يمارس حرفة «سف الخوص» من 30 عاما، موضحاً أن هذه الحرفة كانت المرأة تمارسها بإبداع، لتساعد الرجل في احتياجات المنزل، وتبدأ عملية «سف الخوص» بتجميع سعف النخيل، وتأتي بعد ذلك عملية فرزه واختيار الجيد منه، ثم يُنقع في الماء لمدة قصيرة من الزمن حتى تقل خشونته ويسهل تشكيله بالصورة المطلوبة. ويضيف الكعبي «بعض النسوة كانت تقوم بصبغ السعف عبر نقعه في بعض المواد الطبيعة التي يتم جلبها من الأسواق الشعبية، ثم يتم المزج بين الألوان لتخرج في النهاية تحفة فنية جميلة وفريدة».

صناعة الحبال من «ليف النخل»
راشد محمد الكعبي، ترتسم على وجهه ملامح الزمن الجميل والخبرة والمهارة خلال ممارسته لحرفة «صناعة الحبال» التي يتقنها، وكعادته يجلس في أحد أركان متحف البيت القديم ليبدأ يومه بهمة ونشاط وسط الزوار والسياح ليمارس مهنته المحملة برائحة الأرض وخضرة النخيل، فيصنع من الليف أشكالا مميزة تعبر عن رونق الماضي وجمالياته. يحكي الكعبي قصة هذه الحرفة الشعبية القديمة التي لم تندثر بعد، ويقول: «تعتبر صناعة الحبال من الحرف اليدوية التي أصبحت مهددة بالاندثار في الوقت الحاضر، ليحل بدلاً منها الكثير من الأنواع المصنعة، فصناعة الحبال قديما كانت من الليف الذي يؤخذ من النخيل حيث «يُفتل» الليف ثم تُصنع الحبال ذات الملمس الناعم منه، وتتعدد استخداماته وأغراضه. مؤكدا أنها موروث قديم، ولم يكن يخلو بيت من هذه الصناعة. ويضيف «عملت بهذه المهنة سنوات طويلة، ففي المناطق التي تكثر بها أشجار النخيل يصنعون الحبال من ليف النخيل، حيث يتم قطعه، ثم يغسل وينشف عبر أشعة الشمس، وهذه العملية تساعد على تفككه، ليكون جاهزا للغزل بعد الغسيل والتجفيف والضرب والتمشيط.