الاتحاد

عربي ودولي

نظام تميم يخشى السقوط

دينا محمود (لندن)

«قطر ولعبة إلقاء اللوم المتعلقة بالإرهاب»، عنوانٌ اختاره موقع «مودرن بوليسي» الأوروبي المتخصص في تناول شؤون السياسة الدولية لمقالٍ مطول، تناول فيه زيارةً قام بها مؤخراً خبراء غربيون في شؤون مكافحة الإرهاب إلى الدوحة، التي تشتد وطأة العزلة التي تعاني منها، مع اقتراب الإجراءات الصارمة التي تتخذها ضدها الدول العربية الأربع الداعمة لمكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات ومصر والبحرين)، من دخول شهرها التاسع.
ورسم المقال الذي كتبته آن سبيكهارد مديرة المركز الدولي لدراسات التطرف العنيف - ومقره بريطانيا - وأدريان سايكوفتسي مدير قسم البحوث بالمركز، صورةً قاتمةً للوضع في الدويلة المعزولة، في ظل استمرار مخاوف مسؤوليها من سقوط النظام الحاكم هناك بفعل الضغوط السياسية التي يتعرض لها، والخسائر الاقتصادية التي يتكبدها يوماً بعد يوم.
وقال الكاتبان إنه بينما قد يرى المراقبون الخارجيون أن المقاطعة المفروضة على النظام القطري - بفعل سياساته التخريبية والمُزعزعة للاستقرار - ليست سوى «حالة من حالات التنافس الخطير بين الإخوة.. فإنه كانت هناك في قطر بعض المخاوف الجدية بشأن تغييرٍ للنظام» نتيجة للأزمة.
وألمح كاتبا المقال في هذا الشأن إلى أن نظام تميم يعتمد في تأمين نفسه ضد أي خطر من هذا القبيل على الدعم التركي والإيراني، قائليْن إن «القطريين يبدون أكثر ثقة في تحالفاتهم مع تركيا.. في الوقت الذي يشيرون فيه أيضاً إلى آفاق تعزيز التحالف مع إيران»، فضلاً عن اعتبارهم أن استضافة قاعدة «العديد» الأميركية الواقعة بالقرب من الدوحة تمثل ضمانةً أمنية أخرى على هذا الصعيد. لكن المقال أكد أن «التهديد المتعلق بإمكانية حدوث تصعيد» للأزمة القطرية الراهنة لا يزال متواصلاً، مُشيراً في هذا السياق إلى اعتراض مقاتلات قطرية لطائرتي ركاب إماراتيتيْن منتصف الشهر الماضي، في حادث قرصنة لاقى استنكاراً واسع النطاق إقليمياً ودولياً.
وفي تفسيرهما لهذه التصرفات القطرية المتهورة، أشار كاتبا المقال إلى أن العزلة المفروضة على النظام الحاكم في الدوحة، أحدثت «قلقاً عميقاً للمسؤولين القطريين»، وأبرزا ما قاله بعض خبراء القطاع المصرفي - الذين تحدث إليهم الوفد خلال زيارته - من أن هناك «نزوحاً جماعياً لرؤوس الأموال» شهدته مصارف الدويلة المعزولة في الفترة الأولى للمقاطعة، وأن ذلك أجبر السلطات القطرية على أن تطلب من المواطنين المقيمين في الخارج إعادة أموالهم إلى داخل البلاد.
وفجرت سبيكهارد وسايكوفتسي في المقال عدة مفاجآت تكشفت لهما خلال الزيارة التي استمرت نحو أسبوعٍ للدوحة. من بينها أن للنظام القطري دبلوماسياً يخدم في القدس مُمثلاً لنظام تميم لدى الحكومة الإسرائيلية على ما يبدو، وذلك تحت ستار «تولي المسؤولية عن توجيه المساعدات الإنسانية التي وافقت عليها إسرائيل.. إلى غزة، بهدف إعادة بناء تلك المنطقة التي دمرتها الحروب».
وبالرغم من أن قطر - بحسب مقال «مودرن بوليسي» - لا تعترف رسمياً بإسرائيل، فإن مسؤوليها - كما يقول الكاتبان - «لا ينكرون.. أن لديهم علاقاتٍ دبلوماسية مع إسرائيل».
من جهة أخرى، شدد خبيرا مكافحة التطرف العنيف على أن شبكة «الجزيرة» التليفزيونية، التي تُفسح شاشاتها لدعاة التطرف والعنف والكراهية وقياديي التنظيمات الإرهابية، «ربما تشكل - في كل الأحوال - الملف الضاغط أكثر من غيره على القيادة القطرية، والذي يمثل التحدي الأكبر من نوعه بالنسبة لها».
وفضح الكاتبان الدور التخريبي الذي تضطلع به هذه الشبكة على الصعيدين الخليجي والعربي، قائليْن إن حكام الدوحة استخدموها لـ«إزعاج دول الجوار». ولكنهما أشارا إلى أن مثل هذا الاستخدام يمثل تحدياً أو خطراً على أصحابه كذلك في الوقت ذاته.
وأبرز المقال حقيقة أن ما تقترفه «الجزيرة» يشكل جانباً من الاتهامات الموجهة لقطر من الدول المحيطة بها. وشدد على أن «الرباعي العربي» - الذي يتخذ تدابيره الحازمة ضد الدوحة منذ مطلع شهر يونيو من العام الماضي - يرى أن هذه الشبكة المشبوهة «جهة تدعم التطرف».
ولكن موقع «مودرن بوليسي» لم يغفل الإشارة إلى أن الاتهامات التي تواجهها «الجزيرة» في الوقت الحاضر، تعود إلى زمنٍ طويل وتوجهها لها العديد من دول العالم، وهو ما يؤكد أن هذا الأمر ليس وليد الأزمة الأخيرة الناجمة عن المواقف المتعنتة والمُكابرة التي يتخذها النظام القطري.
وأشار الموقع الأوروبي المرموق في هذا الصدد إلى أن التنظيمات الإرهابية التي كانت تريد بث رسائلها «في الماضي، قبل عصر وسائل التواصل الاجتماعي.. كانت تتجه إلى الجزيرة عبر إرسال شرائط الفيديو الخاصة بها خلسةً إلى القناة». كما استعرض سبيكهارد وسايكوفتسي نتائج مسحٍ أجراه باحثون تابعون لـ«المركز الدولي لدراسات التطرف العنيف» على عينةٍ من المشاهدين العرب من العراق وسوريا ولبنان والأردن والمغرب، وكذلك على أشخاصٍ يتحدثون العربية في أميركا وفرنسا وبلجيكا، وذلك بهدف فهم الدور الذي تضطلع به «الجزيرة» في نشر الأفكار المتطرفة.
وأشار المقال إلى أن بعض من اسْتُطلِعتْ آراؤهم في هذه الدراسة أعربوا عن وجهات نظرٍ رافضةٍ بشدة لما تقوم به الشبكة التليفزيونية القطرية. فمن بينهم من قال إن تلك القناة المملوكة للنظام الحاكم في الدوحة «تشكل منبراً لنشر التطرف.. وأن لديها برامج معينة.. تؤجج الرأي العام وتؤثر على عقول الشبان».
وأفرد كاتبا المقال مساحةً كبيرة لفضح الدعم المالي واللوجيستي الذي يوفره نظام تميم للتنظيمات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط.
وأورد المقال مثالاً فاضحاً في هذا الصدد يتعلق بـ«نقل قطر ملايين الدولارات الأميركية جواً» لإطلاق سراح 26 قطرياً - بعضهم من العائلة المالكة - اختطفوا في جنوب العراق خلال رحلة صيد، على يد مليشيا شيعية، وأُفْرِجَ عنهم في أبريل من العام الماضي.
وقال موقع «مودرن بوليسي» هنا كذلك، إن ثمة اتهاماتٍ موجهةً للنظام القطري حول «الكيفية التي تمكنت بها جبهة النصرة (المرتبطة بتنظيم القاعدة الإرهابي) وتنظيم داعش الإرهابي أيضاً من الحصول على الأموال اللازمة لهما خلال الفترة الأولى لتكونهما، عقب اندلاع الانتفاضة التي خرجت ضد (نظام) الرئيس السوري بشار الأسد».
كما أشار الكاتبان إلى أن هناك مخاوف تثور أيضاً «حول المكان الذي قد تكون الأسلحة والأموال الأميركية قد آلت إليه في العراق وسوريا»، وذلك في اتهامٍ واضح للنظام القطري بتسليم هذه المعدات والأموال للإرهابيين في هذين البلدين. اللافت أن وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني لجأ إلى الرد على نحوٍ فضفاض يحتمل الكثير من التأويلات عندما واجهه الوفد الزائر لبلاده بهذه الاتهامات خلال ما وصفه الكاتبان بـ«نقاشٍ خُصِصَ للأسلحة التي تم توريدها إلى داعش وغيره من الجماعات المتطرفة العنيفة، من جانب جهات داخلية وخارجية» في العراق وسوريا. فقد نقل المقال عن عبد الرحمن قوله في هذا الصدد إنه «في حالة الحرب التي تعمها الفوضى، والتي تحوّل فيها الفصائل وتغيّر ولاءاتها بسرعة، يمكن أن يكون من الصعب أن تحدد هوية من تُمِده بالسلاح»، وهو ما يبدو اعترافاً ضمنياً بتلك الاتهامات لا نفياً لها.

اقرأ أيضا

وزيرا خارجية مصر وإثيوبيا يبحثان استئناف مفاوضات سد النهضة